رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل ما قاله المشير عبدالفتاح السيسي عن الحاضر والمستقبل في كفة، وكلامه عن الإسلام السياسي والإخوان في كفة أخرى، الأمر الذي يستلزم تحريرا ومناقشة.
(1)
في الحوار التلفزيوني الذي أجري يوم 5/5 سألته الإعلامية لميس الحديدي: هل انتهت جماعة الإخوان المسلمين؟ في رده قال السيسي: لست أنا الذي أنهيتها، أنتم يا مصريون أنهيتموها حين قلتم لا في 30/6.
محاوره الآخر الأستاذ إبراهيم عيسى عاد ليسأل: إذا قرر المواطن أن ينتخبك رئيسا فهل سيكون واثقا من أنك أنهيت جماعة الإخوان، وأنه خلال مدة رئاستك لن يكون هناك شيء اسمه الإخوان ــ رد المشير جاء في كلمة واحدة هي: نعم.
في لقائه مع رئيس تحرير الصحف قال السيسي (طبقا لما نشرته جريدة الشروق في 8/5): < إن الإقصاء يتعارض مع الديمقراطية، لكن السؤال هو: هل المزاج العام للرأي العام يقبل بالإقصاء أم لا.. وهل بنية المجتمع مناسبة أم لا؟ ــ هذا ما ينبغي مناقشته.
< ينبغي أن نناقش أيضا تأثير الإسلام السياسي. ذلك أن الأوروبيين حسموا علامة الدين بالدولة منذ أربعة قرون. وفي حالنا فإن جزءا كبيرا من المجتمع لا يقبل تيار الإسلام السياسي، لأنه خاف وقلق على حاضره ومستقبله، فكيف سنتصرف حيال هذا الوضع؟
< الذين يتحدثون عن المصالحة عليهم أن يعالجوا هذه المسألة مع المصريين وليس مع السلطة. ذلك أنها المرة الأولى في مصر التي لا يوجد خلالها أي تعاطف مع ذلك التيار، لذلك فإن الشعب المصري أصبح بحاجة إلى اعتذار وترضية أولا.
(2)
الكلام عن «شطب» الإخوان من الواقع السياسي المصري، أقله في ظل فترة الرئاسة المفترضة للمشير السيسي تحولت إلى خبر تناقلته مختلف وكالات الأنباء. وترددت أصداؤه في العديد من عواصم العالم. وكان بعض تلك الأصداء يحاول التخفيف من وقعه (كما فعل وزير الخارجية السيد نبيل فهمي والسيد عمرو موسى اللذان كان في واشنطن وقتذاك) فمن قائل إن المشير كان يقصد العنف المنسوب إلى الجماعة، وقائل بأن الكلام ينسحب على الجماعة ولا ينسحب بالضرورة على حزب الحرية والعدالة الذي يمثلها. وفي الداخل حاول البعض تأويل الكلام بالحديث عن تخلي الجماعة عن بعض أفكارها (الدكتور ياسر برهامي تحدث عن فكرة التكفير) والادعاء بأن اقتلاعها بالكامل ليس واردا.
أبرز تعليق في الصحافة المصرية نشرته «المصري اليوم» في 7/5 في الزاوية التي يوقعها كاتبها باسم «نيوتن»، ولم يخف صاحبنا فيما كتب أنه رافض للإخوان وسيئ الظن بهم. ومع ذلك فإنه وصف كلام السيسي بأنه «شديد الخطورة». ولم يحاول تأويله أو التخفيف من وقعه، وإنما قال إن المشير حسم الموقف بما قال، وإجابته كانت جاهزة، ولم تكن طارئة. وتساءل بعد ذلك: هل ما قاله السيسي ممكن.. وهل يقدر على ذلك؟ وهل يقصد القضاء على أيديولوجيا الإخوان؟ وكيف يمكن أن يفعل ذلك في فكر عمره قرن؟ ثم.. هل سيتخلى الشباب عن تنظيمهم، وهل يمكن أن يترك الإخوان جماعتهم؟ وكيف سيدفعهم السيسي إلى ذلك، هل بمزيد من الضغط والحصار؟ وماذا سيفعل في النتائج السلبية، التي ستترتب على قراره، الذي ذكر فيها احتمال اتجاه الإخوان إلى العمل السري والتحرك تحت الأرض.
سألني اثنان من المراسلين الأجانب عن رأيي في كلام السيسي، فقلت إنه فضفاض يحتمل تأويلات متعددة، ثم إنه يثير العديد من الأسئلة، التي توضح حدود حقيقة ما يعنيه المشير. وفي كل الأحوال فإن القدر الذي أعلن في الحوار يعبر عن تبسيط واختزال وتعجل، ولا مفر من الانتظار حتى نرى كيف سيترجم على أرض الواقع.
(3)
الأسئلة التي طرحها كاتب «المصري اليوم» الرافض للإخوان مشروعة ومهمة. ولا يحتاج المرء لأن يكون إخواني الهوى لكي يستغرب أو يشكك في جدوى قرار الشطب ويحذر من مغبته. حيث يكفي أن يكون لديه عقل سياسي لكي يطرحهما، لا حبا في الإخوان ولكن تعبيرا عن القلق على مستقبل الاستقرار في الوطن. من هذه الزاوية أضيف من عندي بعض الأسئلة التي منها ما يلي: هل المتظاهرون في الشارع وفي الجامعات هم الإخوان وحدهم أم أن هناك آخرين لديهم أسبابهم التي دفعتهم إلى الغضب والتظاهر؟ وهل الإسلام السياسي الذي انتقده المشير مقصور على الإخوان وحدهم أم أن هناك جماعات وأحزابا أخرى تدخل في نطاقه يتعين التمييز بينها؟ وهل الإسلام السياسي له موقف واحد من التحولات التي جرت في مصر أم أن لمكوناته مواقف متباينة؟ وما هي الآلية التي يستند إليها في تقرير مدى قبول أو رفض الإسلام السياسي؟ هل هي تقارير الأجهزة الأمنية أم وسائل الإعلام والحشود التي تدعى للخروج إلى الشارع أم هي مؤسسات الدولة المنتخبة ودستورها وقوانينها؟ وهل التفويض الذي منح للمشير يعطيه الحق في شطب أو إجازة القوى السياسية والتيارات الفكرية الموجودة في البلد؟ وهل الرأي العام الذي أشار إلى رفضه الإسلام السياسي يقبل بالتطرف العلماني المعلن في مصر أو بالمجموعات الشيوعية، التي تنشط في المجال العام أو بدعوات الدفاع عن الحركة النسوية والمثليين والبهائيين؟ وفيما خص العنف الذي يحتج به في شطب الإسلام السياسي والإخوان لماذا لا تقبل السلطة المصرية بإجراء تحقيق محايد تجريه مفوضية حقوق الإنسان في جينيف مثلا في حوادث إحراق الكنائس وقتل الجنود والمتظاهرين والمذابح، التي جرت في رابعة والنهضة وأمام مقر الحرس الجمهوري؟ وإذا كنا قد تحمسنا للمراقبة الدولية للانتخابات الرئاسية المقبلة، فلماذا لا نقبل بالتحقيق الدولي في جرائم العنف التي وقعت لطمأنة الجميع ولتطهير ذلك الجرح الكبير من المرارات والشكوك والثأرات؟ إن قتل أكثر من خمسة آلاف شخص منذ قامت الثورة (حسب تقدير موقع ويكي ثورة المستقل) دون حساب أو عقاب ليس بالأمر الهين، الذي يمكن أن تطويه الذاكرة بمضي الوقت.
(4)
قرار الشطب باعث على الدهشة حقا، لكن التفكير فيه باعث على الحيرة أيضا، ذلك أنه كاشف عن أن خطوة بهذه الأهمية لم تخضع لدراسة جادة لا من وجهة نظر المصلحة الوطنية ولا من زاوية الخبرة التاريخية. لقد ذهب الرئيس السوري السابق حافظ الأسد إلى أبعد في ثمانينيات القرن الماضي حين أصدر قانونا قضى بإعدام كل من ينتسب الإخوان، وفعلها الرئيس معمر القذافي في ليبيا حتى أنشأ كيانا لقمع الإسلام السياسي أسماه جهاز «مكافحة الزندقة»، ولم ينجح أي منهما في إنجاز عملية الشطب، ورحل الرجلان دون أن يتمكنا من لي ذراع التاريخ وتطويعه لحساب مزاجهما السياسي.
إن أي دارس لتاريخ الأفكار وحركات الإصلاح والتغيير الاجتماعي يدرك أنها ليست نبتا شيطانيا يأتي من فراغ. ولكنها عادة ما تكون استجابة لظروف تاريخية تمر بها المجتمعات والأوطان. وظهور جماعة الإخوان التي تأسست في عام 1928 من بين الأصداء التي ترتبت على الفراغ الذي نشأ عن إلغاء الخلافة الإسلامية في عام 1924. وترددت تلك الأصداء في أنحاء عدة من العالم الإسلامي من الهند والصين إلى جنوب إفريقيا. ثم إن حسن البنا لم يكن مجرد داعية ذاع صيته، ولكنه كان امتدادا لحلقة موصولة بالإصلاحيين الذين كان جمال الدين الأفغاني على رأسهم، ومن بينهم الإمام محمد عبده ورشيد رضا. وكان جزءا من المدرسة التي ضمت محب الدين الخطيب والشيوخ العلماء الكبار مصطفى المراغي ومحمود شلتوت ومحمد شاكر وطنطاوي والجوهري والأحمدي الظواهري ومحمود خطاب السبكي، في الوقت ذاته فإنه صار جزءا من نسيج عريض ضم شكيب رموزا إصلاحية معروفة بينهم أرسلان وصالح حرب ومحمد علي علوبة عبدالرحمن عزام وعزيز المصري وغيرهم وغيرهم من أعلام ذلك الزمان ورجالاته. ثم إنه لم يثبت حضورا في مصر وحدها، ولكنه مد بصره إلى المغرب، وأنشأ مكتب الاتصال بالمغرب العربي في القاهرة لتأييد مقاومة الاحتلال الفرنسي (الحبيب بورقيبة كان من ضيوفه الدائمين)، ومشهور دور الجماعة في حرب فلسطين كما سقط شهداؤها في مقاومة الاحتلال البريطاني المتمركز في قناة السويس، وجيلنا لا يزال يذكر منهم الشهيدان عمر شاهين وأحمد المنيسي.
إنني هنا أفرق بين المشروع الفكري والدور النضالي، وبين الاجتهاد السياسي، والأول صار جزءا من تاريخ الوطن وليس الجماعة وحدها. أما الاجتهادات السياسية بإخفاقاتها أو نجاحاتها فإنها تمثل لحظات عابرة تقدر بقدرها، وينبغي ألا تصبح ذريعة للعدوان على التاريخ بتجريحه أو محوه.
أدري أن أجواء الاحتقان والاستقطاب الراهنة سمَّمت المشاعر بحيث ما عاد البعض مستعدا لاستقبال فكرة الإنصاف ناهيك عن المصالحة. وهو ما يدعوني إلى التذكير ببعض البديهيات السياسية، التي منها أن صدق الممارسة الديمقراطية لا يُقاس بمدى الترحيب بالمؤيدين والموالين، ولكنه يُقاس بالقدرة على احتواء المخالفين وحتى الخصوم، منها أيضا أن الوطن لن يقدر له أن يعرف الاستقرار إلا إذا وضعت نهاية للحرب الأهلية الدائرة فيه على مستويات عدة طوال تسعة أشهر. وهذا الاستقرار شرط أساسي لدوران عجلة التنمية المشلولة في الوقت الراهن. وأكرر ما سبق ما إن قلته من أن العدل والإنصاف هو الباب الوحيد الذي يضمن بلوغ تلك الغاية. من تلك البديهيات أيضا أنه حين تغلق أبواب المشاركة المشروعة في العمل السياسي، فإن الأبواب تنفتح تلقائيا أمام العمل السري والممارسات غير المشروعة الأخرى، التي قد يكون العنف من بينها. وبعد الدماء الغزيرة، التي سالت خلال السنوات الثلاث الماضية فإن التربة باتت مهيأة لاستنبات ذلك الخيار الأخير.
(5)
لقد قلت في مستقل مناقشة كلام السيسي إن حضور الجنرال فيما صدر عنه كان أقوى من حضور السياسي المرشح للرئاسة، ولكم تمنيت أن يكون داعيا إلى التهدئة ومهادنا في الإجابة على أسئلة الداخل بقدر مهادنته التي ظهرت في الإجابة على أسئلة الخارج. وإذ أتصور أن ما صدر عنه كان مرتبا متفقا عليه قبل التسجيل والبث، وأنه أراد أن يوجه رسائل معينة إلى الرأي العام وبداية حملته الانتخابية. إلا أنني أزعم أن بعض تلك الرسائل جانبها التوفيق لأنه تحدث بلغة الجنرال ومنطقه، وحديثه عن حل مشكلة البطالة نموذج لذلك في الشق الاقتصادي الذي يتحرج كثيرون من الخبراء في الخوض فيه لأسباب تتعلق بالحسابات والملاءمات السياسية. أما الشق السياسي فما نحن بصدده نموذج له. لذلك تمنيت أن يفتح الأبواب لا أن يغلقها، وأن يدعو إلى عدم التسرع في تحديد المواقف وإصدار الأحكام وله أن يحتج ذلك بأن كل ملفات المستقبل مفتوحة وخاضعة للدراسة، تمنيت أيضا ألا يعمم في إدانته واستهجانه للإسلام السياسي، وأن يلجأ إلى التمييز في الحديث عنه بين المعتدلين في صفوفه والمتطرفين. ولو أنه قال إن الظروف لم تنضج بعد لإجراء المصالحة لأن مضمونها وشروطها لم تتوفر بعد لكان أعدل. ولربما كان أحكم لو أنه رد على السؤال الخاص بوجود الإخوان ومستقبلهم بقوله إن في البلد قانون من احترمه قبلناه ومن خاصمه خاصمناه.
لقد سمعنا صوت الجنرال عاليا، وأرجو ألا يطول انتظارنا لكي نسمع صوت السياسي لأن ذلك مهم جدا لمصر قبل أن يكون مهما للإخوان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43533
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8754
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7167
| 15 سبتمبر 2026