رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من حق حماس ولا أي جماعة إسلامية أو غير إسلامية أن تتحكم في سلوكيات المجتمع وحريات الأفراد وتتجبر فيها بالقوة والقانون طالما أن تلك السلوكيات والحريات لا تعتدي على حقوق الآخرين. ما تقوم به حماس في غزة. ويناظره هوس الأحزاب الإسلاموية الأخرى بالسلوكيات الفردية وأسلمة وطلبنة مجتمعاتها. يدلل على أمور كثيرة جديرة بالنقاش والكشف والنقض. في الأشهر القليلة الماضية تسارعت وتائر وتوترات الطلبنة في قطاع غزة بشكل غريب. وأعادت الناس إلى المربع الأول من زمن حكم حماس للقطاع عندما شعر الناس بضغط المناخ الطالباني يهبط فجأة على حيواتهم وحرياتهم الفردية. بعدها تعقلنت حماس وتراجعت بعض الشيء عن تعليمات وقوانين أثارت السخرية مثل قانون منع المرأة من تدخين الأرجيلة وسؤال كل امرأة ورجل في أي مكان عام عن إثبات رسمي لطبيعة العلاقة بينهما. وكأن الجميع مُتهم إلى أن يثبتوا العكس. وهي سلوكيات رسمت صورة كاريكاتورية عن حركة المقاومة أكثر من أي صورة أخرى.
بيد أن الهوس والتوتر في السلوك الاجتماعي والفردي للناس عند حماس والجماعات الدينية في قطاع غزة عاد ليفرض ذاته على المناخ المخنوق أصلا في القطاع. ففي الفترة الأخيرة هناك أخبار متلاحقة عن ممارسات قسرية تتدخل في خصوصيات الأفراد وتفرض عليهم أنظمة شمولية وأبوية تريد أن تراقب علنيتهم وسريتهم. تتنوع تلك الممارسات بين صدور قوانين وتعليمات واضحة إلى تبني توجهات عامة غير مكتوبة لكن يُناط بالأجهزة الرسمية تطبيقها (وبحيث يتم التنصل منها في حال اشتد الرفض لها وجوبهت بمقاومة واسعة). وصولا إلى خلق المناخ العام الذي يتيح لأفراد الشرطة والمباحث فرض رؤاهم هم على مسلكيات الناس. منطلقين ممن فهموه من إشارات وتعليمات عامة للحفاظ على "الفضيلة" أو على "الأمن الفكري" للمجتمع.
في سياق ذلك المناخ تعدد منظمات حقوق الإنسان قائمة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها حكومة حماس في قطاع غزة. سواء بحق النساء. أو الفنانين. أو الكتاب والأكاديميين. وأخيرا بحق مرتادي المكتبات العامة حيث أغلقت بلدية غزة ناد لتعليم اللغة الإنجليزية بسبب الاختلاط ومنعت جلب واستخدام الكمبيوترات الشخصية إلى المكتبة (بسبب سوء استخدامها!). كما عادت إلى الفضاء العام الممارسة البغيضة المتمثلة في سؤال أي امرأة ورجل عن إثبات "العلاقة الشرعية" التي تخولهما مرافقة بعضهما البعض في أي مكان. وبُغض هذه الممارسة لا يتمثل في سوء النية المُفترض في كل اثنين. بل يتجاوزه في الاتصال بأهل المرأة وأخبارهم عن "إلقاء القبض" على من تخصهم وهي في رفقة رجل ما. وهي ممارسة تجسسية صبيانية تخلو من الحد الأدنى من المروءة. ولا نعرف على أي أساس يمكن تبرير هذا التصرف الفوقي التجسسي الذي لا علاقة له بما عُهد من مروءات مسلكية في تاريخنا تنهى عن التجسس على أسرار الناس. وحتى عن دخول الرجل على زوجته في بيته من دون إعلامها مسبقاً!
الخطاب الرسمي لحماس وحكومتها يتجه دوما لنفي أي سياسة لها علاقة بكل ما ذكر أعلاه. والإحالة على مبالغات خصوم حماس ومحاولاتهم تشويه سمعتها. وتضخيم "بعض" الأخطاء التي تتم على أساس فردي. وهذا رد فعل تقليدي لأي سلطة تُدافع عن سياسات وسلوكيات صبيانية ترفضها الغالبية من المجتمع. الأجدى والأجدر بحماس. حتى لا نقول الأكثر رجولة. هو أن تواجه ذاتها وتُطلق نقاشاً فكريا وسياسيا وفقهيا داخل دوائرها حتى تصل إلى إجابات داخلية أولا ثم تناقش ذلك مع مجتمعها الفلسطيني وتعرض عليه رؤيتها كي يقبلها او يرفضها بشكل حر وديمقراطي. أما سياسة "الفرض المتدرج" و"خلق المناخ" ثم التهرب من المسؤولية فهي فضلا عن كونها مكشوفة ولا توحي برصانة وثقة. فإنها تدميرية للمجتمع وحماس معاً. على حماس أن تواجه المعضلات الكبرى التي تواجهها كل الحركات الإسلامية التي تجد نفسها في مأزق خلط الدين مع السياسة. وتحاول أن تجد أجوبة خاصة بالسياق الفلسطيني وليست "مستوردة" من أي سياق آخر. هذه المعضلات والتي يفرضها خلط الدين بالسياسة على الصعيد الاجتماعي ونرى تمثلاتها في سياسات التخبط في قطاع غزة هي عمليا كعب أخيل الإسلاموية السياسية عاجلا وآجلا.
واحدة من أهم المعضلات النظرية والعملية متعلقة بفهم الديمقراطية من قبل الإسلاميين. الذين يفهمونها من زاوية سياسية فحسب وكآلية لهزيمة الخصوم انتخابيا ثم الوصول إلى الحكم. لكن الديمقراطية هي أوسع من العملية الانتخابية إذ هي نظام اجتماعي للعيش المشترك. فإن قلنا ان هناك "ديمقراطية سياسية" تنظم التنافس السياسي والتداول على السلطة سلميا. فهناك "ديمقراطية اجتماعية" تقر بالاختلاف السلوكي والثقافي والديني والاجتماعي على قاعدة التعايش. إذا تعدت الديمقراطية السياسية على تلك الاجتماعية تحول النظام إلى نظام شمولي ابوي على النمط الستاليني أو الكوري الشمالي. حيث تتدخل السلطة في التفاصيل الفردية للبشر وتتجسس على تنفسهم. وحيث تحاول أن تصهر المجتمع والبشر في قالب واحد يُنتج أفرادا متماثلين ونمطيين لا يقرون بالتعددية ولا يشعرون بـ "المواطنة" إلا مع الشبيه والمتماثل وفقط. وعملية الصهر وتوحيد الأفراد هي عملية مستحيلة وفاشلة حتى لو انطلقت من منطلقات دينية. لأنها ضد طبيعة الحياة وتنوعها. وعلى ذلك يشير النص القرآني الذي يقرر اختلاف البشر وعدم خلقهم على دين او ملة واحدة.
"الديمقراطية الاجتماعية" تقرر أن المجتمع طيف واسع من القناعات والسلوكيات والحريات الفردية التي لا دخل للسلطة فيها طالما أنها لا تؤثر على حقوق الآخرين. ليس من حق اي سلطة في نظام قائم على الانتخابات (أو سلطة استبدادية) أن تحاسب. مثلا. فردا فوق السن القانونية على نوع المواقع التي يزورها في شبكة الإنترنت. حتى لو كانت إباحية. هذا شأنه وليس شأن الدولة أو السلطة. وليس من حق أي سلطة أيا كانت أن تحاسب امرأة أو رجلا فوق السن القانونية يترافقان معاً من دون جبر أو استغلال. فهذا شأنهما وليس شأن السلطة. عندما تنحدر السلطة أي سلطة إلى تسنم دور ضابط الشرطة الأخلاقي الذي يريد أن يراقب تفاصيل الحياة وانضباطها لملايين الناس. فإنها تحفر قبرها بذاتها. والتاريخ لا غيره يقدم مئات الشواهد على ذلك.
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
527
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1465
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
559
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17379
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3915
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026