رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشكل عاصفة الحزم وهو المسمى الذي أطلق على التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وعضوية تسع من الدول العربية، ربما لأول مرة في التاريخ العربي الحديث، مرتكزا لنمط جديد من التضامن وتوحيد الصف فيما بين الدول العربية قولا وعملا، وفق تعبير إعلان شرم الشيخ الذي صدر عن القمة العربية الأخيرة. وبالذات مصر ومنظومة مجلس التعاون الخليجي. وبوضوح فإنها بلورت عمليا دعوات ظلت تتردد في الأشهر القليلة الماضية بشأن تشكيل تحالف مصري خليجي. يكون بوسعه ضبط حالة السيولة في النظام الإقليمي العربي الذي تعرض خلال السنوات الأربع. لأنواع عدة من الاختراقات التي طالت أمنه القومي سواء من الداخل أو من الخارج. وعلى نحو خاص من أطراف في الإقليم المحيط بالمنطقة العربية على نحو بات يهدد الدولة الوطنية أيضا وتكاد تتحول في بعض النماذج الصارخة إلى دولة فاشلة.
ولأن اليمن كانت في صدارة هذه الدول. بعد سيطرة الجماعة الحوثية مدعومة بقوات الجيش والأمن الموالية للرئيس المعزول علي عبدالله صالح. وإسناد لوجستي وسياسي وإعلامي من إيران. فإن عاصفة الحزم تأتى – كما يقول الخبراء مجسدة لروح عربية مغايرة أخذت تجليات مختلفة. فلأول مرة تمسك منظومة مجلس التعاون الخليجي- باستثناء سلطنة عمان لأسباب جيوسياسية تتعلق بها- بزمام المبادرة في عملية عسكرية ضخمة وهائلة من هذا النوع اتسمت بقدر كبير من المفاجأة. بما في ذلك الولايات المتحدة التي لم تعلم بتحضيراتها إلا قبل بدء انطلاق أول ضربات العاصفة الجوية منتصف ليلة الخامس والعشرين من مارس الماضي. بثلاث ساعات وذلك عقب إبلاغ وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان لنظيره الأمريكي بها.
هذا أولا، أما ثانيا فإن هذه العاصفة حظيت بتغطية عربية واسعة فباستثناء العراق، لم تعلن أي دولة عربية رفضها لتحالف “عاصفة الحزم”. والذي يضم تسعا منها كغطاء عربي وهي: السعودية ومصر والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن والمغرب والسودان. وإذا كان ثمة من يتحدث عن تحفظات جزائرية . بشأن هذا التحالف خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب. الذي عقد في اليوم التالي لبدء العاصفة بشرم الشيخ للتحضير للقمة العربية بشأن هذا. فإنها قد سحبت هذه التحفظات. إثر تحرك نشط من قبل الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي وسامح شكري وزير الخارجية المصري. بعد أن تمت إزالة أسبابها تماما.
وثالثا. إن العاصفة تؤسس. لتدخلات عربية أخرى. فرغم أنه كان من الممكن الانتظار حتى تنعقد القمة العربية. ويتم النظر في مسألة اليمن، إلا أن المملكة العربية السعودية لم تنتظر قرارا من القادة العرب، خاصة مع اقتراب دخول الحوثيين إلى عدن، الأمر الذي يؤسس لتدخلات عربية مستقبلا في الأزمات. دون انتظار لقرار من الجامعة العربية، التي كانت قراراتها التي تصدرها للتعامل مع كل أزمة، يحال بينها وبين الترجمة على أرض الواقع.
وحسب منظور الدكتور محمد محمد حامد الباحث المتخصص في الشؤون السياسية. فإن عملية عاصفة الحزم جسدت نوعا من الإجماع العربي لمواجهة النفوذ غير العربي في المنطقة، والتصدي لظاهرة الميلشيات المسلحة التي تقيد سلطة الدولة والأهم – كما يقول – فإنها رسمت ملامح مرحلة جديدة في التاريخ العربي المعاصر تتمثل في الاحتشاد في الخندق الواحد وتجنب نقط الخلاف، وهي بذلك صاغت نوعا من الوحدة السياسية والعسكرية والإجماع العربي لمواجهة النفوذ غير العربي في المنطقة، والتصدي لظاهرة الميلشيات المسلحة التي تقيد سلطة الدولة وذلك في عودة مصر وقطر على خط واحد من أجل تلك المواجهة، ورغم أن مسقط لديها حدود مع اليمن فإنها خرجت من الصورة النهائية للتحالف لكي تلعب دور الوسيط المحايد مستقبلا بين أطراف الأزمة اليمنية، لأنها تملك علاقات قوية مع طهران حليف جماعة أنصار اللـه في اليمن.
ولاشك أن الميزة النسبية لعاصفة الحزم. تكمن في قدرتها على تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك عمليا بعد الدعوات التي وجهها الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية خلال العام الأخير. وبالذات منذ سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مناطق شاسعة من العراق وسوريا. يقدرها بعض الخبراء بأنها تعادل مساحة دولة عظمى مثل بريطانيا . وإن كانت هذه السيطرة قد تعرضت لاختراقات نوعية بفعل الضربات القوية التي وجهها الجيش العراقي مؤخرا. واستعاد بها محافظة صلاح الدين وعاصمتها تكريت. ثم دخوله في عملية عسكرية واسعة لتحرير محافظة الأنباء اعتبارا من يوم الأربعاء الماضي. ترقبا لعملية تحرير مدينة الموصل الإستراتيجية قريبا. ووفقا لما يراه الدكتور أيمن سلامة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وأستاذ القانون الدولي في هذا الصدد فإن الضربة التي قام بها الائتلاف الخليجي والعربي بقيادة السعودية، وذلك استجابة لدعوة الرسمية من الرئيس اليمني المنتخب، عبدربه منصور هادي، ناشدهم فيها بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لجماعة الدول العربية، هي ضربة شرعية وغير مخالفة للمواثيق العربية والدولية، لافتا إلى أن المادة 51 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، هو الأساس القانوني الذي ارتكزت عليه دعوة الرئيس اليمني، والتي ترخص للدول الأعضاء فردى أو جماعة، بأن تقوم بالدفاع عن النفس ضد أعمال العدوان التي تهدد استقلال الدول ووحدتها الإقليمية، في ظل قيام قوى إقليمية - ألمح إليها الرئيس هادي- بالعدوان ضد اليمن في إشارة صحيحة منه إلى إيران وهو ما يستوجب من الدول ذات السيادة التي يقع عليها العدوان أن تتخذ كافة الإجراءات والتدابير من أجل الحفاظ على استقلالها وسلامة وحدتها وأراضيها ومن بينها الاستعانة بالدول الشقيقة، مؤكداً أن هذه ليست السابقة الأولى في التاريخ العربي المعاصر، فهناك دول عربية عديدة طلبت في الماضي من جماعة الدول العربية مساعدتها عسكريًا، في حالة مشابهة للحالة الأمنية واستجابة للكثير من الدول العربية في ائتلاف عسكري للتحقيق هذا الغرض.
والمؤكد أن القرار الصادر عن القمة العربية الأخيرة التي عقدت بشرم الشيخ يومي 28 و29 مارس الماضي كرس حالة التضامن التي أطلقتها عاصفة الحزم فقد عبر القادة العرب في هذه القمة بشكل جماعي عن ترحيبهم وتأييدهم الكاملين للإجراءات العسكرية التي يقوم بها التحالف للدفاع عن الشرعية في اليمن المشكل من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وعدد من الدول العربية بدعوة من الرئيس عبدربه منصور هادي، وذلك استنادا إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك وميثاق جامعة الدول العربية وعلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وانطلاقا من مسؤولياته في حفظ سلامة الأوطان العربية ووحدتها الوطنية وحفظ سيادتها واستقلالها.
وأخيرا فإن عملية “عاصفة الحزم”تمثل، في رؤية الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية. مقاربةً جديدةً للتعامل العربي الجماعي الفعّال مع التهديدات الخطيرة التي تواجه الأمن القومي وسلامة واستقرار الدولة الوطنية العربية. والمؤكد لن تكون الأولى. بل ستتبعها وبالضرورة. مقاربات أخرى في ظل الروح الجديدة التي تزامنت مع العاصفة ومع نتائج القمة العربية الأخيرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2163
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2148
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1551
| 29 مايو 2026