رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تذكرون قصة الرجل الذي تباهى أمام أصدقائه بأنه ما عاد مشغولا بالقضايا الصغرى التي تشغل محيطه، وأنه تفرغ لمعالجة القضايا الكونية الكبرى. وضرب لذلك مثلا بأنه صار منكبا على معالجة قضايا البيئة وثقب الأوزون والتصحر وسباق التسلح في العالم وألاعيب صندوق النقد الدولي واحتكار الدول الكبرى للقرار في مجلس الأمن...إلخ. ولكي يوضح موقفه أمام سامعيه فإنه أخبرهم بأنه ترك القضايا الصغرى لزوجته تتصرف فيها كما تشاء، من تسلم المعاش وتوفير مستلزمات البيت وتعليم الأولاد وعلاجهم إلى التصييف وتزويج البنات وتأمين الأسرة وغير ذلك.
ما فعله صاحبنا كررناه في مصر معكوسا. فأعلنا أنه سيتم استطلاع الرأي العام في مسألة «مهمة» مثل تطبيق التوقيت الصيفي، ودعيت المؤسسات المعنية والمنابر الإعلامية ذات الصلة إلى رصد اتجاهات الرأي العام وتحديد موقف المجتمع من المسألة.
وفي الوقت ذاته فإننا تجاهلنا الرأي العام في أمور أخرى «غير مهمة» مثل مشاركة مصر في الحرب الدائرة باليمن، وفكرة إقامة عاصمة جديدة للبلاد، وإعادة تقسيم محافظات وأقاليم مصر، وتخفيض الضرائب على الأثرياء، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وحزمة القوانين المقيدة للحريات من قانون التظاهر إلى قانون الكيانات الإرهابية مرورا بتعديلات قانوني المرافعات والإجراءات الجنائية.
ليست هذه مزحة لأن الكلام كله جاد. ذلك أن جريدة الأهرام نشرت يوم أمس (١٢/٤) خبرا أبرزته على الصفحة الأولى ذكر أن المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء كلف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بإجراء استطلاع للرأي بين المواطنين بشأن تطبيق التوقيت الصيفي من عدمه، كما أنه ناشد وسائل الإعلام المختلفة التي بها مراكز لاستطلاع الرأي أن تجرى هي الأخرى استطلاعا بهذا الشأن وتوافيه بالنتيجة.
ليس عندي شك في حماس وإخلاص المهندس إبراهيم محلب، وليس لدى أي تحفظ أو اعتراض على استطلاع رأى المواطنين في مسألة تطبيق التوقيت الصيفي. لذلك فإن كلامي ليس فيه أي استنكار لما دعا إليه بهذا الخصوص، لكن الغيرة هي التي دفعتني إلى ما ذكرت. أعني أن سؤالي هو كالتالي: إذا كنا مهتمين باستطلاع رأى الناس في مسألة تتعلق بتنظيم أوقاتهم، فلماذا تجاهلناهم في أمور أخرى تتعلق بمصائرهم وحرياتهم؟ ولماذا يصبح استطلاع رأى الناس استثناء وليس قاعدة؟
إحدى الإجابات يمكن أن تساق في هذا الصدد أن ثمة أمورا يملكها رئيس مجلس الوزراء بحيث يستطيع أن يبادر أو يتصرف فيها، كما أن هناك أمورا أخرى لا سلطان له عليها، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يقدم أي مبادرة بخصوصها. وهو ما يعنى أن المقامات العليا درجات، فهناك سياسة عليا في البلد إلا أن هناك أيضا سياسة أعلى. وذلك مجرد تخمين بطبيعة الحال، لأننا لا نعرف بالضبط معالم خرائط السلطة، وما هي القيادات أو المؤسسات التي ينطبق عليها الوصف الأول أو تلك التي تنسب إلى المرتبة الأعلى. والملاحظ أن ذلك موضوع يكتنفه الغموض، وتتعدد فيه الاجتهادات. فالصحف تتحدث أحيانا عن مصادر «سيادية» لا نعرف معالمها ولا شخوصها، ثم إننا قرأنا أكثر من مرة تساؤل بعض المراجع عن وجود وهوية فريق الرئيس.
وأمس قرأنا للدكتور مصطفى الفقي حوارا في صحيفة «المصري اليوم» ذكر فيه أن الغموض من بين أبرز سلبيات المرحلة، وأعرب عن اعتقاده أن الرئيس السيسي يريد أن يتخذ من جهاز المخابرات العامة ومن رئيسه ونائبه مكتبا له.
وفي حواره فإنه رجح «إلى حد كبير جدا» أن يكون لجهاز الأمن الوطني والمخابرات العامة دورهما الكبير في تشكيل قائمة في حب مصر، التي هي أبرز القوائم التي ظهرت أثناء التمهيد للانتخابات البرلمانية. وهى معلومة تسلط الضوء على تجليات الأزمة التي نحن بصددها.
إذ في حين أن قائمة بهذه الأهمية يفترض أن تمثل الرأي العام، فإذا بنا نكتشف أنها في حقيقة الأمر تمثل جهاز الأمن الوطني والمخابرات العامة.
إن الرأي العام في المجتمعات الديمقراطية طرف فاعل في الحياة السياسية. وهو الذي يصنع القرار السياسي، وهو الذي يراقب تنفيذه ويحاسب عليه. أما في المجتمعات غير الديمقراطية فالرأي العام في أحسن أحواله متفرج على القرار السياسي وليس صانعا له. وحضوره في الوثائق المكتوبة أضعاف حضوره في آلية صناعة القرار السياسي. إن شئت فقل إنه «البطل» الذي يقرر في المجتمعات الديمقراطية وهو مجرد «كومبارس» يهلل ويصفق في المجتمعات غير الديمقراطية.
ليس السؤال هو ما إذا كان الرأي العام يستطلع في هذا الشأن أو ذاك، لأن السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا بصدد ديمقراطية حقيقية أم مزورة ومغشوشة. لايكفي في هذا الصدد أن ينص الدستور على أن الأمة هي مصدر السلطات، لأن الالتزام بالنص له آلياته وتجلياته وأخطر شيء أن يقول قائل إن الشعب بانتخابه لأي رئيس يكون قد فوضه في أن يدير شؤونه. لأن الشعب في هذه الحالة لا يمكن أن يكون حشودا خرجت وحناجر هتفت وملأت الفضاء بالصياح والضجيج. وإنما هو مؤسسات تشكلت من خلال انتخابات حرة، وهى التي حددت موضوع التفويض ومدته وراقبت تنفيذه حتى ينتهي أجله. أما استطلاع رأي الشعب بصورة انتقائية في أمور تنظيمية وتجاهله فيما يخص مصيره، فذلك ليس من الديمقراطية في شيء وإنما هو من باب حسن التدبير الذي نعتبره أمرا محمودا، لكنه ليس كافيا ولا شافيا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026