رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في البداية كانت هناك خلافات تشق الجبهة الشعبية حول الخطة السياسية في موضوع التحالفات، لاسيَّما مع حزب "نداء تونس"، ومع ذلك أظهر الحراك الكبير بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد صلابة وتماسكاً كبيرين بين مكونات الجبهة الشعبية التي تضم رسميا ثلاثة عشر حزبا يسارياً وقومياً، وكانت الجبهة الشعبية تتجه نحو تشكيل قطب يساري بارز ذي وزن انتخابي قد يجد سنداً إضافياً مع التشكيل اليساري الموجود داخل حزب "نداء تونس"، والذي يتزعمه كل من الدكتور الطيب البكوش ومحس مرزوق، وأيضا التماهي الذي أبدته أحزاب أخرى على غرار حزب المسار الديمقراطي (الحزب الشيوعي سابقا)، وحزب القطب الديمقراطي الذي يقوده رياض بن فضل.
تمثل الموقف العام للجبهة الشعبية الذي سارت عليه طيلة المرحلة السابقة في إيجاد تقاطعات مع أي طرف سياسي يطرح إسقاط حكم النهضة. وكان هذا محور الندوة الوطنية التي عقدت بمدينة سوسة يومي 1 و2 يونيو 2013، حيث تبلور اتجاه أغلبي يرفض أي تحالف مع حزب "نداء تونس"، مقابل أقلية متمثلة في "حزب العمال" بزعامة السيد حمّه الهمامي، وحزب "الوطنيين الديمقراطيين الموحد"، تدافع عن هذا التحالف.
ورغم أن الجبهة الشعبية حظيت بدعم شعبي كبير، كان بإمكانها أن تستثمره لتشكيل قطب يساري بارز ذي وزن انتخابي، فإن قيادة الجبهة الشعبية، وأبرزها الناطق الرسمي باسمها السيد حمه الهمامي، لم يستثمر هذا الزخم الشعبي الكبير لبناء قوة يسارية شعبية تشق لنفسها طريقا ثالثة بين اليمين الديني، واليمين الليبرالي.
وعندما حاولت الجبهة الشعبية عقب اغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25 يوليو2013، تدارك الموقف، أعلنت "العصيان المدني" في بيان نعي الشهيد البراهمي، مبينة أنها مصممة على إرجاع "الثورة إلى مسارها الحقيقي"، وإنها ستدخل في مفاوضات لتشكيل حكومة "إنقاذ وطني"، بل إنها حددت حتى الوقت الذي سيتم فيه الإعلان عن تلك الحكومة. غير أن ذلك ظل مجرد كلمات لم تنفذ واقعياً، وتتالت المواعيد "الحاسمة" بعد ذلك دون أي حسم يذكر.
وظلت الجبهة الشعبية على مدى أشهر تنكر كل إمكانية التحالف مع الجبهة السياسية، التي أعلنها الباجي قائد السبسي مؤسس حزب "نداء تونس" في 29 يناير 2013، بوصفها محاولة لتجميع القوى اليسارية والديمقراطية المشتتة، وسميت تلك الجبهة بـ "الاتحاد من أجل تونس"، الذي ضم الأحزاب التالية: حزب "نداء تونس" بزعامة الباجي القائد السبسي، "الحزب الجمهوري" بزعامة نجيب الشابي، وحزب "العمل الوطني الديمقراطي" بزعامة عبدالرزاق الكيلاني، و"الحزب الاشتراكي الديمقراطي" بزعامة محمد الكيلاني، وحزب "المسار الديمقراطي" بزعامة الدكتور محمد إبراهيم.
ورغم أن "الاتحاد من أجل تونس" يضم أحزاباً ليبرالية، وأخرى اشتراكية ديمقراطية، فإن حادث اغتيال الشهيد محمد البراهمي، دفع بالجبهة الشعبية إلى التحالف مع "الاتحاد من أجل تونس" في إطار ما يسمى "جبهة الإنقاذ"، التي تأسست من أجل مواجهة "الفاشية الدينية". وتمثلت أهداف "جبهة الإنقاذ "حسب بيانها التأسيسي في تشكيل "الهيئة الوطنية العليا للإنقاذ الوطني" الممثلة للأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني التي ستتولى، بالاستعانة بخبراء القانون الدستوري، استكمال صياغة الدستور في غضون شهرين يعرض على الاستفتاء الشعبي تشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح للانتخابات القادمة متطوعة برئاسة شخصية وطنية مستقلة متوافق عليها تتخذ ضمن برنامجها جملة الإجراءات الاستعجالية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وتعد لانتخابات ديمقراطية، نزيهة وشفافة.
وهكذا تحول المشهد السياسي التونسي في صيف 2013، إلى نوع من تحالف الجبهة الشعبية بزعامة السيد حمه الهمامي، مع "الدساترة الجدد" الذين يقودهم السيد الباجي القائد السبسي زعيم حزب "نداء تونس"، بهدف إسقاط حكم النهضة. وتمثل الموقف العام للجبهة الشعبية الذي سارت عليه طيلة المرحلة السابقة في إيجاد تقاطعات مع أي طرف سياسي يطرح إسقاط حكم النهضة. وكان هذا محور الندوة الوطنية التي عقدت بمدينة سوسة يومي 1 و2 يونيو2013، حيث تبلور اتجاه أغلبي يرفض أي تحالف مع حزب نداء تونس، مقابل أقلية متمثلة في حزب العمال بزعامة السيد حمه الهمامي، وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، تدافع عن هذا التحالف.
وتذرعت الجبهة الشعبية بأنها غير متحالفة مع حزب "داء تونس"، وأن كل ما في الأمر هو حصول تقاطعات ميدانية بين الطرفين لمواجهة الإسلاميين، لكن الخطوات المؤدية إلى التحالف كانت تتم على قدم وساق. وكانت الجبهة الشعبية تُبرر تحالفها بأن حزب "نداء تونس" لا يمثل الدساترة. غير أن الباجي قائد السبسي، كان واضحاً في إعلان هويته الدستورية و"فكره" البورقيبي قائلاً: إنه كان دستورياً وسيظل كذلك، بل إنه اقترح على السيد حامد القروي رئاسة نداء تونس، وعلى السيد كمال مرجان زعيم حزب "المبادرة" أن يكون فصيلاً من فصائل حزب "نداء تونس".
وفي الوقت الذي كان فيه السيد حمه الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، والرجل المتنفذ فيها، يدافع عن ولادة جبهة الإنقاذ، ويحشد الحجج التي تبرر ذلك التحالف مع "الاتحاد من أجل تونس"، لاسيَّما ضرورة بناء جبهة ديمقراطية واسعة لمواجهة "الفاشية" الدينية، كان اللقاء الذي جمع كلا من السيد الباجي قائد السبسي، والشيخ راشد الغنوشي، إيذاناً بإمكانية التحالف بين أهم حزبين سياسيين في تونس خلال المرحلة المقبلة، ما بعد الانتخابات. ويتفق حزب النهضة الإسلامي وحلفاؤه من جهة، وحزب "نداء تونس" (المنافس القوي لحزب النهضة، والذي يتزعمه السيد الباجي قائد السبسي، رئيس الحكومة السابق) وأغلب مكونات "الاتحاد من أجل تونس" (الذي يضم الأحزاب الليبرالية في تونس) من جهة ثانية، على نموذج الاقتصاد الليبرالي، والانخراط في نظام العولمة الليبرالية من موقع الطرف التابع لمراكز النفوذ السياسية والاقتصادية الرأسمالية المؤثرة في العالم.غير أن هذا الاتفاق لا يمنع وجود صراعات بينهما الآن – ولفترة أخرى من الوقت – مدارها احتكار الحكم السياسي والنفوذ الاقتصادي والاجتماعي من جهة ونوعية النموذج القيمي الاجتماعي للحياة العامة الحضارية والثقافية للشعب التونسي.
أثبتت التجربة الماضية أن "الجبهة الشعبية" كانت تعاني منذ تأسيسها ولا تزال من غياب الوضوح الفكري والسياسي الذي يساعدها على بلورة خط وطني ديمقراطي ذي بعد وحدوي ينهل من تجربة النضال اليساري التقدمي في تونس بشكل يجعل برنامجها وتوجهاتها تنحاز لمصلحة القوى والفئات الشعبية من طبقة وسطى وعمال وفلاحين ورأسمال وطني.إذ تصبح هذه الرؤية الفكرية والسياسية ضرورية اليوم في وقت تنحاز فيه أغلب برامج الأحزاب والقوى الحاكمة أو المعارضة الليبرالية إلى خيارات لا تخدم مصالح الطبقة المتوسطة والطبقات الشعبية التي زادتها مرحلة حكم النهضة والأطراف المتحالفة معها فقراً، وسدّت أمامها كل إمكانات التنمية والتطوّر. فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، والأيديولوجي، يمثل حزب "نداء تونس" مصالح البرجوازية الكمبرادورية وشريحة من شرائح البيروقراطية، وهي القوى التي فقدت امتيازاتها، وتضررت مصالحها غداة نجاح الثورة، ووجدت في الباجي القائد السبسي ممثل البرجوازية الليبرالية التونسية، المهندس والمنقذ لإعادة الاعتبار للسلطة الدستورية، إذ التفت حوله بقايا من النظام القديم، وقوى إقليمية ودولية، نخص بالذكر منها، الاتحاد الأوروبي.
بعد استكمال المسارين الحكومي والتأسيسي، أي تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة السيد مهدي جمعة، وإقرار الدستور الديمقراطي التوافقي للجمهورية الثانية في تونس، يشهد المشهد السياسي التونسي تحولات حقيقية في خريطة الأحزاب السياسية، والتحالفات التي كانت قائمة، إبان الأزمة السياسية الكبيرة التي شهدتها البلاد.. فعلى سبيل المثال؛ أصبح حزب "نداء تونس" أحد المكونات الأساسية لتحالف "الاتحاد من أجل تونس"، وأحد الأحزاب المنضوية أيضا تحت يافطة "جبهة الإنقاذ الوطني"، يرى في نفسه أنه كوّن "اسماً تجارياً كبيراً" في الساحة السياسية، بفضل الشخصية الكاريزماتية لرئيسه الباجي القائد السبسي، إذ يحتل المرتبة الأولى في نتائج سبر الآراء بالنسبة الانتخابات التشريعية المقبلة، ورئيسه في المرتبة الأولى في الانتخابات الرئاسية.
في الفترة الماضية شهد حزب "نداء تونس" اكتساحاً غير مسبوق من عناصر قيادية كانت تنتمي في السابق لـ "حزب التجمع الدستوري" المنحل، إذ أصبح الوزير السابق محمد الناصر نائباً لرئيس حزب "نداء تونس"، وعين السيد خميس قسيلة الناطق الرسمي باسم الحزب، بدلا من السيد الأزهر العكرمي المحسوب على التيار اليساري الليبرالي الأمريكي داخل الحزب.
ويقول في هذا الصدد السيد عدنان منصر مدير الديوان الرئاسي والناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية إن الإقصاء التدريجي لليساريين من حزب نداء تونس توجه سيتدعم أكثر فأكثر في المدة القادمة.
وأفاد منصر بأنه حان الآن دور "الخيارات الصحيحة" وهي إعادة حزب "نداء تونس" إلى فضائه الأصلي، العائلة التجمعية الواسعة، وتمثيل النظام القديم في المشهد السياسي المقبل وفق تعبيره.
وفي المقابل تشهد الجبهة الشعبية تراجعاً حقيقياً في شعبيتها، بسبب تحالفها مع حزب "داء تونس" الذي انكشف الآن على حقيقته، إذ ظهرت قيادة الجبهة محرجة أمام قواعدها لتبرير التحالف السابق مع حزب يسعى الآن لإعادة إنتاج مكانة النظام السابق، التي أسقطته الثورة قبل ثلاث سنوات.. إضافة إلى ذلك، أن قيادة الجبهة ممثلة بالناطق الرسمي لها، السيد حمّه الهمامي، لا تقبل أي نقد بخصوص التحالفات السابقة، بل إن أطرافاً سياسية مكونة للجبهة الشعبية انتقدت حمّه الهمامي، كان مصيرها الإقصاء من الجبهة، وهذا إن دلّ، فهو يدلّ على غياب العلاقات الديمقراطية داخل مكونات الجبهة، واستفراد حمّه الهمامي بزمام الأمور داخل الجبهة، لجهة أن تكون الأطراف القومية (البعثية)، وحتى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي كان يتزعمه الشهيد شكري بلعيد، مجرد أطراف تابعة لحزب العمال الذي يرأسه الهمامي، لاسيَّما أن الشغل الشاغل للهمامي في الوقت الحاضر، هو الترشح للانتخابات الرئاسية، وليس إعادة بناء جبهة ديمقراطية تضم القوى اليسارية والقومية وفق برنامج سياسي انتخابي واضح المعالم.
بعد انتهاء دور جبهة الإنقاذ الوطني، التي تعد الجبهة الشعبية أحد مكوناتها، هل تعود الجبهة الشعبية للعب دور القوة الجامعة لتوحيد اليسار التونسي الذي لعب دورا كبيرا في إنجاح الثورة التونسية، إذ جاءت عمليتا اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لإضعاف المعارضة اليسارية، ودفع قسم من اليسار إلى أحضان اليمين الدستوري والقوى الدولية للاحتماء بها، حتى يفقد استقلاليته، ويتنكر لشعاراته.
قمة جدة التشاورية.. تجسيد للموقف الخليجي الموحد
جاءت القمة الخليجية التشاورية التي عُقدت بجدة أمس، في توقيت بالغ الأهمية، حيث خصص أصحاب الجلالة والسمو قادة... اقرأ المزيد
126
| 29 أبريل 2026
الاستثمار المنسي داخل المؤسسات
عندما يتراجع الأداء في بعض المؤسسات، تتجه أصابع الاتهام سريعًا نحو الموظف، بينما يغيب السؤال الأهم، هل حصل... اقرأ المزيد
141
| 29 أبريل 2026
جبراً أيها المسلمون لا كسراً
اليوم لا أود أن أشغلكم بمقال يخوض في بطون السياسة التي ترهق العقل وتشعل الرأس شيبا ولا بقضية... اقرأ المزيد
171
| 28 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3174
| 22 أبريل 2026
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
1770
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1041
| 24 أبريل 2026