رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ضوء الحالة العامة من القلق التي يستشعرها الكثير من المصريين خوفا على ثورتهم وهي تواجه نخبة لا هم لها سوى الحيلولة بين البلاد وبين استعادة هويتها الحضارية، لا بأس من شحذ الهمم من خلال التذكير ببعض التحديات التاريخية المماثلة التي اجتازتها مصر، والتي أظهرت بشكل لا لبس فيه إلى أن مصر كانت ولا تزال بلد يسير دوما عكس التوقعات. فحين كان يبدو للجميع أن الهوية المصرية سوف تنسحق تماما أمام تحد ما، كانت سرعان ما تعتدل من جديد، وتستعيد شخصيتها الحضارية التي يمثل الإسلام قلبها النابض.
والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ولكننا نستأنس فقط بمحطتين فاصلتين شهدت مصر فيهما تحديين مسّا هويتها الحضارية وطابعها الإسلامي، في الأولى جرت محاولة لاقتلاع مصر من جذورها الحضارية السنية لصالح مذهب جديد، وفي الثانية جرت محاولة لتحويل مصر باتجاه الصبغة القومية وذلك على حساب الرابطة الإسلامية.
فخلال فترة الحكم الفاطمي الشيعي، قامت النخبة الوافدة من بلاد المغرب، والتي نسبت نفسها إلى آل البيت، بمجموعة من الخطوات الممنهجة للقضاء على الهوية الإسلامية الوسطية المميزة لمصر، فكان أن اتخذت القاهرة مقرا لحكم الدولة الجديدة وعاصمة لها، وأنشأت العديد من المؤسسات اللازمة لتنفيذ عملية التحول من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، مثل الجامع الأزهر والذي تحول فيما بعد إلى جامعة يقوم الفقهاء فيها بنشر التشريع الشيعي بالأساس، ودار الحكمة التي أنشئت لنفس الغرض.
كما تم أيضا تغيير صيغة الأذان الذي يطرق أسماع المصريين يوميا من الصيغة السنية إلى الصيغة الشيعية، ووضعت مقولات المذهب الغازي على النقود التي كان يستخدمها المصريون، وتم تفضيل معتنقي المذهب الجديد بتعيينهم فى الوظائف الهامة فى الدولة، واستحدثت الحفلات والطقوس التي تغلب عليها البهجة لربط المصريين بالمذهب الجديد، وأخيرا وليس آخرا أغدقت الأموال على الشعراء لكي يؤدوا دورا إعلاميا، يرتكز على مدح مذهب المنتصرين ومحاصرة عقول المصريين به في كل مكان.
ولكن كل هذه الخطوات لم تصمد أمام رسوخ الطابع الحضاري للإسلام في مصر، فتم الكر عليها بالإبطال، وعاد التسنن والإسلام الوسطي ليصبغ حياة المصريين من جديد. وبعد أن كانت مصر قاب قوسين من أن تكون معقلاً من معاقل التشدد المذهبي، تحولت المؤسسات التي أنشأت لحرف البلاد باتجاه المذهب الجديد إلى منارات لنشر الإسلام الوسطي وتأكيد الوجه الحضاري المتميز لها.
أما التحدي الثاني الذي شهدته الهوية المصرية فقد تمثل في محاولة نخبة وافدة (هذه المرة من بلاد الشام) إحلال القومية اللسانية محل التوجه الحضاري الإسلامي لها. فمنذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وفد على مصر عدد من دعاة القومية العروبية ليستقروا بها، وكان هؤلاء في معظمهم من المسيحيين الشوام، ولقد حاول هؤلاء أن يحلوا فكرة الانتماء للسان العربي محل الانتماء للرابطة الإسلامية التي كانت متجذرة في نفوس وعقول المصريين. وعمدت هذه النخبة إلى تحاشي الحديث عن الماضي الإسلامي لصالح الحديث عن الحاضر العربي، ونالت اللغة العربية كل عنايتهم، ورغم ذلك فقد كانت طموحاتهم سياسية أكثر منها أدبية، وكانت موجهة ضد الحكم العثماني، وذلك بهدف تفكيك حاضرة الخلافة إلى عدد من الكيانات القومية.
استقبلت مصر هذه الدعوات، التي اكتسبت إلى صفها العديد من رموز النخبة السياسية، بالقلق. ففي مواجهة الهجمة الغربية على دول المشرق، كان التمسك بالرابطة الإسلامية هو رد الفعل الطبيعي والمنطقي، وبالفعل وقف العديد من رواد الحركة الوطنية المصرية مثل مصطفى كامل ومحمد فريد في مواجهة هذه الدعوات، وكان مصطفى كامل تحديدا يرى فى الإسلام الشعلة التي ينبغي أن تذكى الشخصية المصرية الحائرة بين أيدلوجيات الغرب وأن يهيء لها الدعائم الأصلية التي تنقصها.
وقد ظلت مصر ملتزمة بالتوجه الحضاري الإسلامي حتى بعد أن تخلت عنه تركيا نفسها، وتحديدا بعد القطيعة التي جرت بين حاضرة العالم الإسلامي وبين الإسلام، إثر إلغاء الخلافة وإعلان العلمانية كمذهب رسمي للدولة في تركيا. ولكن يبقى القول إن مصر رغم رفضها للحركة القومية، فإنها قد لعبت دورا لا تخطئه العين في نهضة اللغة والثقافة العربيتين.
التحدي الذي تشهده مصر هذه الأيام يمثل المحطة الثالثة ضمن محطات كثيرة لعرقلة توجهها الحضاري الإسلامي، فبعيدا عن التفاصيل السياسية المربكة، يمكن القول أن حاملي لواء الهجمة التي تشهدها مصر حاليا هم من صفوف النخبة المتغربة التي تحاول صبغ البلاد بصبغتها، والانحراف بها عن توجهها الحضاري الإسلامي. ففي أعقاب ثورة شعبية سلمية، أتيح للمصريين بعدها أن يمارسوا الاختيار الحر لتحديد هويتهم الحقيقية، وظهر أنهم يميلون لاستعادة شخصيتهم الحضارية المصبوغة بالدين مرة أخرى، ثارت ثائرة النخبة العلمانية، التي تتخفى خلف شعارات الدولة المدنية، وبدأت جهودها الممنهجة للحيلولة دون هذه الصحوة، ووضعت في سبيلها كل العراقيل الممكنة، بما فيها ما يمكن أن يدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية؛ من مثل استعداء الخارج، تحطيم سمعة الاقتصاد الوطني، إثارة بواعث الفتنة الطائفية، تأجيج العنف الشعبي، وربما مباركة الاقتتال الداخلي بين أبناء الوطن الواحد.
ولكن ما تقوم به هذه النخبة في مصر من احتجاجات مشوبة بالعنف لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الثورة الحقيقية، فالمشهد السياسي على ما به من عثرات ليس مشهدا استبداديا أو طغيانيا، كما كان الحال منذ عامين مضيا، الأمر الذي يوحي أن هذه النخبة تحاول الالتفاف على الإرادة الشعبية التي تبلورت لصالح الهوية الإسلامية. وما محاولة إفشال الدولة وجرها إلى العنف إلا بهدف الحيلولة دون نجاح هذا الخيار واستوائه على سوقه. فالنخبة التي تبارك هذا العنف لا تريد أي ارتباط للدولة بدينها، وتعارض أي نص يشير إلى هذه الهوية ولو تلميحا فى دستورها، وترفض أى دور لمؤسساتها الدينية فى الحياة العامة.
ولكن كما تخطت مصر تحدي المذهب وتحدى اللسان، فإنها يرجى بإذن الله أن تتجاوز تحدي الهوية. فقد تحرك قطار الوعي الحضاري في مصر، ولن يوقفه بمشيئة الله إرجاف نخبة صاخبة أو إعلام مدلس أو بقايا نظام سابق يستميتون من أجل تثبيت عجلة التاريخ عند لحظة قد تجاوزها الزمن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2547
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026