رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما دخلت قوات دلتا الأمريكية واعتقلت مادورو واقتادته حياً إلى المحكمة وبثت هذه الصورة في الصحافة العالمية كانت توجّه رسالة مهمة، ولعلها بيان سياسي في المسرح الدولي بلا كلمات في مشهد مدروس بعناية مركزة وبشكل مكثّف لا علاقة له بالعدالة ولا بمحاربة الجريمة المنظمة بقدر ما يرتبط بحرب أكبر تُدار بصمت، بل إدارة ترامب دخلت مباشرة في قلب الصراع على شكل النظام الدولي المقبل، وتُكتب فصوله كما تشاء.
ومن هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل مادورو ليستحق هذا المشهد المهين الذي بثّته الإدارة الأمريكية على الملأ؟ لكن السؤال الأهم والأكثر دلالة، هو: لماذا أصرّ دونالد ترامب على سحبه حيّاً؟ ولماذا الآن؟ وعلى أيّ ملف سيُحاكم فعلياً؟
بل من السذاجة السياسية اختزال القضية في ملف مخدرات أو اتهامات جنائية تقليدية، لأن الدول العظمى لا تصنع مشاهد بهذا الحجم الرمزي من أجل قضايا يمكن تسويتها في أروقة القضاء بعيداً عن الكاميرات، وحين تُبثّ الصورة بهذه الطريقة المدروسة فذلك يعني أن الرسالة هي المقصودة قبل الحكم وأن السياسة تتقدم على القانون.
الولايات المتحدة لم تعد تخوض صراعاتها مع الدول باعتبارها كيانات مستقلة، بل مع أدوار هذه الدول داخل التحالفات الكبرى، لأنّ المعركة مع تموضعهما داخل الحلف الشرقي الصاعد بقيادة الصين، فالهدف لم يعد إسقاط الأنظمة بحد ذاته وإنما تحييدها أو تفريغها من وظائفها الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق يصبح المشهد الفنزويلي أكثر وضوحاً، لأنّ الدولة لم تسقط والحكومة لم تُحلّ والجيش لم يُفكك والمؤسسات لم تُمسّ، فلا انقلاب ولا فوضى ولا فراغ سياسي، وكل ما حدث هو إخراج رجل واحد من المعادلة، وهذا بحد ذاته كاشف؛ لأن السؤال هو لم يكن: كيف نُسقط فنزويلا؟ بل: كيف نُعطّل دورها داخل المشروع الصيني؟
وإذا كان جزء من المشهد هو تعطيل قدرتها استراتيجياً فلماذا أخذ مادورو تحديداً؟
والجواب ببساطة لا يوجد في تفاصيل السياسة الداخلية الفنزويلية بل في بكين، لأن وسائل الإعلام تناقلت أن آخر من استقبلهم مادورو قبل اعتقاله كان وفداً صينياً رفيع المستوى وفي توقيت بالغ الحساسية، حيث بلغت المواجهة بين واشنطن وبكين مرحلة إعادة تعريف خطوط الاشتباك العالمية وهذا اللقاء ليس لقاءً بروتوكولياً عابراً ولكن حلقة في سلسلة تفاهمات أعمق تتعلق بانتشار الصين في مناطق النفوذ الأمريكي التقليدي.
ذلك أن فنزويلا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية ليست دولة هامشية، وبحكم موقعها الجغرافي القريب واحتياطاتها النفطية الضخمة ومكانتها في أمريكا اللاتينية تجعلها نقطة ارتكاز حساسة في أي توازن دولي، وحين تدخل الصين إلى هذا الموقع الاستراتيجي المهم بثقل سياسي واقتصادي وأمني فإن الأمر يُقرأ في واشنطن كاختراق مباشر للخاصرة الغربية للولايات المتحدة.
ومن هنا تتضح دلالة الإصرار الأمريكي على إخراج مادورو حيّاً لا ميتاً، لأنه مهم عند ترامب وهو ليس هدفاً للتصفية، بل هدف للاستجواب وانتزاع المعلومات الصينية، ولم يُسحب إلى المحكمة بقدر ما نُقل إلى مساحة اعتراف سياسي، حيث لا تُطرح الأسئلة عن الماضي بقدر ما يُنقّب عن الحاضر والمستقبل، وما تريده واشنطن ليس صورة انتصار إعلامي بل بنك معلومات يُستخدم في معركة طويلة النفس مع الصين.
ومادورو بحكم موقعه كرئيس هو نقطة تقاطع لخطوط نفوذ معقدة، لأنه اطّلع على طبيعة التغلغل الصيني في أمريكا اللاتينية وعلى أساليب التفاوض وشبكات الوساطة وأشكال الدعم غير المعلنة وهذا النوع من المعلومات لا يُقدّر بثمن في صراع تُدار معظم فصوله بعيداً عن العلن.
أما ترامب الذي يفكر بعقلية الصفقة لا بعقلية الحروب المفتوحة فهو يدرك أن المواجهة مع الصين لا تُحسم بالقوة العسكرية المباشرة لأنّ الصين لا تُهزم بإسقاط نظام بل بإضعاف شبكاتها وكشف مسارات تمددها وتفكيك حلقات الوصل بينها وبين حلفائها، ومادورو كان إحدى هذه الحلقات الحساسة التي أصر ترامب على قطعها.
مادورو قاد دولة تقع على مقربة جغرافية مباشرة من الولايات المتحدة وعاش في قلب توازنات دولية دقيقة ويعرف ما يجري خلف الستار بين بكين وشركائها في النصف الآخر من العالم، لذلك كانت قيمته السياسية أكبر وهو حي لأنه يحمل ما لديه من معلومات من أن يُغلق الملف باغتيال أو إسقاط دموي.
وما نشهده هو ملامح حرب باردة بصيغة جديدة لا دبابات في الشوارع ولا أعلام تُنزل من فوق القصور ولكن عمليات دقيقة تستهدف الأشخاص لا الجغرافيا والمفاصل لا الواجهات عبر صراع يُدار في الظل، حيث تُسحب الشخصيات واحدة تلو الأخرى، وتُعاد صياغة الأدوار دون إعلان رسمي.
وفي ضوء هذا التحول هناك عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، أبرزها:
السيناريو الأول: يتمثل في توظيف ملف مادورو كورقة ضغط غير معلنة على الصين عبر رسائل محسوبة تُوجّه إلى حلفائها، مفادها أن التمادي في التموضع داخل المشروع الصيني قد يحمل كلفة شخصية على مستوى القيادات، وفي هذا السياق يتحول مادورو إلى نموذج ردعي أكثر منه قضية قانونية.
والسيناريو الثاني: يقوم على استخدام ما يتوافر من معلومات لإعادة رسم خريطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية، ثم العمل على تفكيكها تدريجياً عبر بدائل اقتصادية وسياسية وأمنية تقودها واشنطن، وهنا لا نتحدث عن مواجهة صدامية وإنما عن سباق نفوذ طويل يستهدف الدول المتأرجحة أكثر من الخصم المباشر.
أما السيناريو الثالث: وهو الأكثر تعقيداً، فيفترض أن بكين ستتعامل مع ما جرى باعتباره إنذاراً استراتيجياً فتُعيد تقييم أدواتها الخارجية وتقلّص اعتمادها على شخصيات سياسية بعينها لصالح شبكات أعمق وأقل قابلية للاختراق، وعندها قد يتحول الصراع إلى لعبة صبر طويلة بلا انتصارات سريعة ولا هزائم معلنة.
وفي كل الأحوال فإنّ ما جرى مع مادورو يؤكد أننا دخلنا زمناً مختلفاً في إدارة السياسة الدولية وهذا الزمن تُقاس فيه القوة بامتلاك المفاتيح الخفية لا باستعراض القوة وتُحسم فيه المعارك عبر الملفات والعقول لا عبر الجبهات ومن يقرأ هذه التحولات بأدوات قديمة سيبقى أسير تفسير قاصر لعالم يُعاد تشكيله بهدوء ولكن بصرامة لا تخطئها العين.
مبادرة الأضاحي.. ومعاناة المضحين
تبذل حكومة بلادنا الرشيدة جهودا مقدرة ومشكورة، تثبت من خلالها اهتمامها وحرصها على تقديم أفضل وأجود الخدمات للمواطنين... اقرأ المزيد
93
| 26 مايو 2026
يوم عرفة.. حيث تتحقق الأمنيات
ثمة يومٌ في العام لا يشبه سائر الأيام، يوم تنزل فيه الرحمات كالمطر، وتُفتح فيه أبواب السماء. إنه... اقرأ المزيد
63
| 26 مايو 2026
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟
في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة بين القوى المتصارعة، لم تعد الوساطة السياسية مجرد طاولة تفاوض... اقرأ المزيد
72
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1521
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026