رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بقيت لساعات طويلة الأحد الماضي أمام شاشة تلفزيون فرنسا 24 أتابع أحداث وترتيبات المسيرة الكبرى التي احتشدت في باريس تعلن رفضها للإرهاب وفي جوهره "الإسلام والمسلمين والمهاجرين إلى أوروبا" احتشد في ميدان الجمهورية ومداخله السبعة كما قالت وسائل الإعلام الفرنسي ما يقارب 3 ملايين وسبعمائة إنسان وشارك في تلك المظاهرة الضخمة رؤساء دول وحكومات بما في ذلك دول عربية كان أعلاها مقاما ملك الأردن وحرمه الذين لم يسلما من مزاحمة محمود عباس ليصل إلى الصف الأول على مقربة من نتنياهو.
استوقفني المنظر الجماهيري الكثيف وراحت بي الذاكرة إلى الإعلام المصري ورديفه العربي في 3 يوليو 2013 عندما أعلن أن المظاهرة الاحتجاجية التي أُخرجت إلى ميدان التحرير في القاهرة للمطالبة بسقوط الرئيس المنتخب محمد مرسي أنها بلغت 30 مليون إنسان، سألت نفسي ماذا كان سيقول الإعلام المصري عن عدد المشاركين في المظاهرة الباريسية لو أنها حدثت في القاهرة، حتما سيقولون إنها أكثر من ستين مليون إنسان.
(1)
لاشك بأن ما حدث لصحيفة شارلي ايبدو الفرنسية ومحرريها أمر مرفوض بكل المعايير ولا يجيزه الإسلام، وقد أحسنت الدول العربية مجتمعة ومنفردة عندما استنكرت ذلك الفعل وأدانته، كما أن منظمات حقوقية عربية، ومؤسسات دينية إسلامية مثل الأزهر وغيره أدانوا ذلك العمل المشين الذي أودى بحياة 12 إنسانا في باريس، وتبادل بعض الرؤساء العرب المكالمات الهاتفية مع الرئيس الفرنسي وأركان حكومته معبرين عن سخطهم وإدانتهم واستنكارهم لما حدث، وهذه الاتصالات تعبر عن خلق العربي تجاه من تحل به نازلة وأعظم النوازل عندي هو قتل الإنسان والمس بكرامته وكبريائه ومعتقداته.
لكن يجب ألا يصرفنا ذلك الحدث المقيت عن تذكير إخواننا في الإنسانية من الأمريكان والأوروبيين بأننا نحن العرب نتعرض لإرهاب منظم، أعني إرهاب دول، إسرائيل تحاصر أهلنا في قطاع غزة منذ عام 1996وذلك عمل إرهابي مقيت وتمارس على أهلنا في فلسطين أقسى وأعظم أنواع الإرهاب، قتلت في خلال 55 يوما من العام المنصرم ما يزيد على 1200 إنسان في غزة ناهيك عن الجرحى والمصابين إصابات مقعدة، وأكثر من 60 إنسانا في الضفة الغربية والقدس، وقتلت وزيرا من وزراء السلطة الفلسطينية في الشهر الماضي وتقوم بعمليات تجريف أراض زراعية وتحرق وتجتث أشجار الزيتون وتمنع أصحابها من حصاد ثمار تلك الأشجار، هدمت منازل وأحرقت مزارع في قطاع غزة والضفة الغربية ولم يقل قادة أوروبا وزعماها كلمة لصالح الشعب الفلسطيني بل قامت أمريكا وبعض الدول الأوروبية الأعضاء في مجلس الأمن باستخدام الفيتو لمنع صدور قرار إدانة للإرهاب الإسرائيلي وفي أحسن الأحوال تمتنع تلك الدول عن التصويت، ولم نر المجتمع الدولي يحتج على حصار مصر لقطاع غزة بلا ذنب اقترفه أهل غزة ضد مصر.
(3)
الاعتداءات تتزايد على المسلمين خاصة العرب في أوروبا، أذكر من تلك الدول على سبيل المثال هولندا والدنمرك والسويد وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وغير ذلك. في بريطانيا قُتلت طالبة سعودية وهي خارجة من جامعتها العام الماضي، وقتل أربع سيدات من دولة الإمارات في سكنهن في مدينة لندن ولم نسمع احتجاجا أو القبض على الجناة من أي جهة رسمية. في كل يوم يقتل العشرات من العرب المسلمين في أوطانهم بآلة حرب أوروبية أمريكية في كل من العراق وسوريا ولبنان، وآخرون يقتلون في اليمن بواسطة طائرات أمريكية دون طيار ولا أحد يثير تلك الأعمال الإرهابية التي تديرها دول.
لن ننسى مذبحة الحرم الإبراهيمي بقيادة العنصري الرهيب جولد شتاين الطبيب اليهودي منفذ عملية المذبحة في الحرم الإبراهيمي والناس سجدا في صلاة الفجر في 1994 وقتل في تلك الجريمة 29 مصليا وجرح أكثر من 150 آخرين تمت تلك الجريمة تحت حراسة الجيش والشرطة الإسرائيلية وماذا كان رد فعل المجتمع الأوروبي؟ هل كان بنفس مستوى ردة فعل المجتمع الأوروبي والدولي لما حدث في باريس؟ لن أستعرض كل الأعمال الإرهابية التي مورست ضد العرب في أوطانهم وخارجها فالسجل يطول والمساحة محدودة في هذه الصحيفة.
(3)
في الولايات المتحدة الأمريكية جاءت كلمة حق من مواطن أمريكي له مكانته إنه السيد بيل دونوهيو رئيس رابطة الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية الذي استنكر المسار السائد في جميع وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية حول هجوم باريس (صحيفة شارلي ايبدو) الساخرة، وقال: "من حق المسلمين العرب أن يغضبوا" واتهم وسائل الإعلام في برنامج (نيل كافيتو) بأنها استفزازية للغاية. وقال إن رسامي كاريكاتير الصحيفة المعنية تصرفوا مثل حفنة من البلطجية الفاجرين. وقال أيضاً:"أنا أدين، أولئك الذين يفتقدون لضبط النفس ويحرفون حرياتهم عن طريق اختيار تصويرات فاحشة وبذيئة للنبي محمد، مما يدل على نوايا بالإهانة. وراح يقول: إني متعب من هؤلاء الصعاليك الذين يطالبون المسلمين بتحمل كل ما يوجه إليهم، لماذا لا تختلف مع المسلمين بطريقة حضارية بدلا من التصرف كحفنة من الفاجرين البلطجية" (القدس العربي 9 / 1 /2015).
(4)
إن الحشد الفرنسي الكبير (الأحد) للتظاهر احتجاجا للأحداث التي حدثت في باريس ضد صحفيي صحيفة شارلي ايبدو، وشارك في ذلك الحشد الكبير قيادات سياسية أوروبية وأمريكية وعربية وإفريقية قد يفسره البعض أن هذه المظاهرات حدثت لتأليب الرأي العام الأوروبي ضد الإسلام والمسلمين استباقا لاتخاذ إجراءات قاسية ولو بالشبهة ضد كل مسلم وعربي يعيش في أوروبا. قد يقول البعض الآخر إن تلك المسيرات تهدف إلى تطهير أوروبا من المهاجرين العرب تحت مبدأ محاربة الإرهاب وقد يقول ثالث إن الحكومة الفرنسية الحالية تعاني أزمة داخلية فجاءت هذه الكارثة وأرادت الحكومة استغلالها لتقوية مكانتها الداخلية، ولعلها تردد الحكمة العربية "رب ضارة نافعة".
آخر القول: يا حكام العرب الميامين.. لا تقبلوا الدنية في دينكم ولا تقبلوا المساس بمقدساتكم، واحذروا مما يراد بكم، ونحن جميعا جنود صادقون لمحاربة الإرهاب أيا ما كان مصدره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3321
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026