رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هو صديق عمر ممتد إلى نحو 39 عاما منذ التحقنا سويا بكلية الإعلام جامعة القاهرة في العام الدراسي 1974 \ 1975 قادمين من أقصى الجنوب في مصر، هو من مدينة أدفو التابعة لمحافظة أسوان وأنا من مدينة الأقصر والتي كانت تتبع محافظة قنا في ذلك الوقت، ثم استقلت عنها وأضحت محافظة قبل بضع سنوات وفي الأسبوع الأول من الدراسة تعارفنا ثم تداخلنا كصديقين حميمين ثم سرعان ما انضم إلينا صديق ثالث بعد أن اقتربت الأرواح والأفكار وشكلنا مثلث صداقة شهيرا في الكلية وبالطبع انضم إلينا كثيرون. غير أننا جعلنا مثلثنا مغلقا علينا نحن الثلاثة، لكن وفق قاعدة من المحال بقاء الحال على ما هو عليه فإن الضلع الذي كنا نعتبره الأساسي لمثلثنا غادرنا وتركنا وحيدين نبكيه من أعماق الروح وندعو له بالغفران بعد أن أضحى في ذمة الله.
كان أنموذجا للإنسان الذي يمتلك مهارة العطاء من دون انتظار مقابل، يعطي من وقته ومن ماله ومن سداد نصحه، لا يبخل أبداً، كان هاتفه مفتوحا طول الوقت، لم يغلق بابا أمام محتاج في أي زمان ومكان يقيم فيه.
عاش في الدوحة نحو ستة عشر عاما، كان خلالها موضع إجماع على نبل شخصيته، تجده معك في الملمات، فضلا عن مشاركته بهجتك، إن غبت عنه يسأل بإلحاح، إن مرضت يكون أول الزائرين لك، إن توفي أحد يكون من أوائل المعزين والمواسين.
كان سمته الهدوء والابتسامة الصافية وعندما يضحك كانت تنبع الضحكة من الأعماق لم يكن يجيد فنون النفاق، كان مخلصا في العمل ويركز على الجودة، كان عاليا في إجادته عمله ويقدم خبرته للأجيال التالية له.
هو صديق العمر الصحفي سيد أحمد محمد سليمان، والذي رحل عن دار الفناء إلى دار البقاء صباح الجمعة الفائتة، والذي هزني بعنف، فقد كنت نائما بمنزلي وأيقظتني رنة الهاتف المحمول وظهر اسمه على الشاشة فسارعت بالرد، لكن صوت الطرف الآخر لم يكن صوته، سيد أحمد، لكنه كان مفعما بالحزن ثم فاجأني: عمو، الوالد تعيش أنت، لم أصدق في بادئ الأمر، قلت له من أنت؟ من أنت؟ لكنني سرعان ما أدركت أن المتكلم هو ابنه الأكبر ناصر الصحفي بجريدة الجمهورية وأبلغني بوفاته وأنهم أدوا صلاة الجنازة على جثمانه وهم في طريقهم إلى مسقط رأسه أدفو وانهارت مقاومتي أمام زوجتي وبناتي واللاتي شاطرنني حزني ووجعي، فهن يعرفنه خير المعرفة وكان يحبهن ويتابعهن وكثير السؤال عليهن.
وسارعت بالاتصال بالضلع الثاني في مثلث صداقتنا، وهو جلاء جاب الله، والذي اختير قبل أيام رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير التي تصدر صحيفتي الجمهورية والمساء ومطبوعات أخرى، فلم يكن قادرا على الرد إلا ببعض كلمات من فرط حزنه على "سيد" واتفقنا أن نتكلم فيما بعد.
بالطبع الموت هو الحقيقة المطلقة في الحياة ولا راد لقضاء الله ولكن الحزن على سيد شديد الوطأة على نفسي، فقد شعرت بأنني فقدت أخي الذي لم تلده أمي، بكيت عليه طوال اليوم واتصلت بأصدقائنا المشتركين لأعزيهم خاصة خريجي كلية الإعلام قسم الصحافة من دفعة 1978 والمفارقة أننا كنا نتحدث في مكتب جلاء في أول يوم مارس فيه عمله رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير عن تاريخ التقاعد عن العمل، فقال لنا سيد إنهما، أي هو وجلاء، سيخرجان إلى المعاش في العام 2016 ولكني أبلغتهما أنني سأسبقهما بعام وضحكنا ولم يعلم أنه سيغادر هذه الدنيا في مطلع 2014.
ولا أود أن أكشف سرا، فقد كان سيد من المرشحين بقوة لتولي رئاسة تحرير المساء وكانت أسهمه قوية في الفوز بهذا المنصب، ليس بحكم كفاءته المهنية التي لا يمكن لأحد في المساء أو في دار التحرير أن يشكك فيها، وإنما من باب عمق البعد الإنساني في شخصيته، وهذا العمق جعله كما ذكرت موضع تقدير واحترام في الدوحة، سواء من رؤساء التحرير الذين عمل معهم خلال السنوات الست عشرة بالزميلة الراية والتي بدأ فيها منذ انبثاقها وكان مشرفا على قسم الإخراج بها أو من قبل زملائه الصحفيين والعاملين بمختلف إدارات الصحيفة.
كان يلجأ إليه الزملاء من كل الجنسيات لحل مشكلاتهم ومعاضدتهم وأتذكر بعد أن جئت إلى الدوحة بعد أن أصر هو على أن ألتحق بالعمل معه في الراية أنه لم يتركني في الأشهر الأولى لي وحيدا، كان يصر على أن يصحبني بسيارته من سكني قرب شارع الكهرباء ومعي نفر من القادمين الجدد إلى مقر الصحيفة في المنطقة الصناعية، يمر علينا واحدا بعد الآخر كل عصر يوم دون أن يبدو على قسمات وجه كدر.
كان يمتلك قدرة هائلة على احتواء الآخرين والتضحية بوقته من أجلهم وأظن أن جريدة الراية تدين له بالكثير من عطائه لها، فقد كان يعمل فيها من الساعة الثالثة عصرا حتى الثانية وربما الثالثة صباح اليوم التالي، أسهم بعقليته المهنية المتميزة في تطورها وقرر العودة إلى الوطن رغم إلحاحي أنا وزملاء آخرين على أن يبقى، لكنه كان قد اتخذ قراره دون العودة فيه وعندما سافر وغادر الدوحة شعرت بأنني فقدت السند فيها، خاصة أن "جلاء" كان قد غادر الدوحة قبله، فبت مجردا من ضلعين كانا بالفعل سندين لي.
سيد أحمد كان بالنسبة لي الخيمة التي ألجأ إليها عندما تحاصرني الثلوج أو العواصف، كنا، هو وجلاء وأنا، نسعى إلى اللقاء كل فترة لنتجاوز فيه أحزاننا وأوجاعنا ونطرح ما يواجهننا من مشكلات، كنا نتقاسم الهموم ونتشاور في كيفية التغلب عليها وإزاحتها عن طريقنا. لم يكن أحدنا يتخذ قرارا إستراتيجيا من دون مشاورة الضلعين الآخرين وكان كل منا صادقا مع الآخر إلى أقصى حدود الصدق، لم نخجل يوما من مشكلة واجهتنا حتى في حياتنا العادية بعيدا عن الصحافة وهمومها في المحروسة.
ولم تغب قضايا الوطن وأوجاعه أيضاً عن لقاءاتنا، كانت تسكننا ونتبادل الأفكار في كيفية تجاوزها والتعامل معها، ابتهجنا بثورة الخامس والعشرين من يناير واعتبرناها امتدادا لثورة الثالث والعشرين من يوليو من العام 1952 بحكم انتمائنا إليها فكريا دون أن ننتمي إلى الأحزاب التي ترفع شعاراتها وأصابنا حكم الإخوان المسلمون بالقلق على المحروسة بعد الارتباك الذي أصابها عقب الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المعزول محمد مرسي بعد أشهر من توليه الحكم، لكننا استعدنا بهجتنا بعد ثورة الثلاثين من يونيو وإن ألقت أحداث العنف التي أعقبتها بظلال من الحزن علينا خوفا على مصير الوطن.
وثمة سمة مهمة كان يتميز بها الراحل سيد، فقد كان ماهرا في فن صلة الرحم والارتباط بأسرته وأهله في أدفو وكان بيته في القاهرة مفتوحا لهم يوجه لهم الدعوات في كل المناسبات ويحرص على مشاركتهم مناسباتهم في بلدته التي تبعد عن القاهرة بأكثر من 800 كيلو متر.
رحل سيد أحمد بعد أن أدى رسالته تجاه أسرته كأحسن ما يكون الوالد المسؤول وأستطيع أن أقول بارتياح إنه أحسن تربية ابنيه عبد الناصر الصحفي ومحمد الطبيب وابنته أميرة خريجة كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر والتي تزوجت قبل وفاته بنحو أسبوعين.
لدي الكثير الذي بوسعي أن أقوله عن حبيب وصديق العمر، ولكن ما أقوله في الخاتمة هو أن رحيل الأحبة مر مر مر، رحمه الله وأسكنه جناته ومنح أسرته الصبر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43512
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7134
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5394
| 13 سبتمبر 2026