رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

العزب الطيب الطاهر

العزب الطيب الطاهر

مساحة إعلانية

مقالات

944

العزب الطيب الطاهر

رحيل الأحبة مر

13 يناير 2014 , 01:26ص

هو صديق عمر ممتد إلى نحو 39 عاما منذ التحقنا سويا بكلية الإعلام جامعة القاهرة في العام الدراسي 1974 \ 1975 قادمين من أقصى الجنوب في مصر، هو من مدينة أدفو التابعة لمحافظة أسوان وأنا من مدينة الأقصر والتي كانت تتبع محافظة قنا في ذلك الوقت، ثم استقلت عنها وأضحت محافظة قبل بضع سنوات وفي الأسبوع الأول من الدراسة تعارفنا ثم تداخلنا كصديقين حميمين ثم سرعان ما انضم إلينا صديق ثالث بعد أن اقتربت الأرواح والأفكار وشكلنا مثلث صداقة شهيرا في الكلية وبالطبع انضم إلينا كثيرون. غير أننا جعلنا مثلثنا مغلقا علينا نحن الثلاثة، لكن وفق قاعدة من المحال بقاء الحال على ما هو عليه فإن الضلع الذي كنا نعتبره الأساسي لمثلثنا غادرنا وتركنا وحيدين نبكيه من أعماق الروح وندعو له بالغفران بعد أن أضحى في ذمة الله.

كان أنموذجا للإنسان الذي يمتلك مهارة العطاء من دون انتظار مقابل، يعطي من وقته ومن ماله ومن سداد نصحه، لا يبخل أبداً، كان هاتفه مفتوحا طول الوقت، لم يغلق بابا أمام محتاج في أي زمان ومكان يقيم فيه.

عاش في الدوحة نحو ستة عشر عاما، كان خلالها موضع إجماع على نبل شخصيته، تجده معك في الملمات، فضلا عن مشاركته بهجتك، إن غبت عنه يسأل بإلحاح، إن مرضت يكون أول الزائرين لك، إن توفي أحد يكون من أوائل المعزين والمواسين.

كان سمته الهدوء والابتسامة الصافية وعندما يضحك كانت تنبع الضحكة من الأعماق لم يكن يجيد فنون النفاق، كان مخلصا في العمل ويركز على الجودة، كان عاليا في إجادته عمله ويقدم خبرته للأجيال التالية له.

هو صديق العمر الصحفي سيد أحمد محمد سليمان، والذي رحل عن دار الفناء إلى دار البقاء صباح الجمعة الفائتة، والذي هزني بعنف، فقد كنت نائما بمنزلي وأيقظتني رنة الهاتف المحمول وظهر اسمه على الشاشة فسارعت بالرد، لكن صوت الطرف الآخر لم يكن صوته، سيد أحمد، لكنه كان مفعما بالحزن ثم فاجأني: عمو، الوالد تعيش أنت، لم أصدق في بادئ الأمر، قلت له من أنت؟ من أنت؟ لكنني سرعان ما أدركت أن المتكلم هو ابنه الأكبر ناصر الصحفي بجريدة الجمهورية وأبلغني بوفاته وأنهم أدوا صلاة الجنازة على جثمانه وهم في طريقهم إلى مسقط رأسه أدفو وانهارت مقاومتي أمام زوجتي وبناتي واللاتي شاطرنني حزني ووجعي، فهن يعرفنه خير المعرفة وكان يحبهن ويتابعهن وكثير السؤال عليهن.

وسارعت بالاتصال بالضلع الثاني في مثلث صداقتنا، وهو جلاء جاب الله، والذي اختير قبل أيام رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير التي تصدر صحيفتي الجمهورية والمساء ومطبوعات أخرى، فلم يكن قادرا على الرد إلا ببعض كلمات من فرط حزنه على "سيد" واتفقنا أن نتكلم فيما بعد.

بالطبع الموت هو الحقيقة المطلقة في الحياة ولا راد لقضاء الله ولكن الحزن على سيد شديد الوطأة على نفسي، فقد شعرت بأنني فقدت أخي الذي لم تلده أمي، بكيت عليه طوال اليوم واتصلت بأصدقائنا المشتركين لأعزيهم خاصة خريجي كلية الإعلام قسم الصحافة من دفعة 1978 والمفارقة أننا كنا نتحدث في مكتب جلاء في أول يوم مارس فيه عمله رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير عن تاريخ التقاعد عن العمل، فقال لنا سيد إنهما، أي هو وجلاء، سيخرجان إلى المعاش في العام 2016 ولكني أبلغتهما أنني سأسبقهما بعام وضحكنا ولم يعلم أنه سيغادر هذه الدنيا في مطلع 2014.

ولا أود أن أكشف سرا، فقد كان سيد من المرشحين بقوة لتولي رئاسة تحرير المساء وكانت أسهمه قوية في الفوز بهذا المنصب، ليس بحكم كفاءته المهنية التي لا يمكن لأحد في المساء أو في دار التحرير أن يشكك فيها، وإنما من باب عمق البعد الإنساني في شخصيته، وهذا العمق جعله كما ذكرت موضع تقدير واحترام في الدوحة، سواء من رؤساء التحرير الذين عمل معهم خلال السنوات الست عشرة بالزميلة الراية والتي بدأ فيها منذ انبثاقها وكان مشرفا على قسم الإخراج بها أو من قبل زملائه الصحفيين والعاملين بمختلف إدارات الصحيفة.

كان يلجأ إليه الزملاء من كل الجنسيات لحل مشكلاتهم ومعاضدتهم وأتذكر بعد أن جئت إلى الدوحة بعد أن أصر هو على أن ألتحق بالعمل معه في الراية أنه لم يتركني في الأشهر الأولى لي وحيدا، كان يصر على أن يصحبني بسيارته من سكني قرب شارع الكهرباء ومعي نفر من القادمين الجدد إلى مقر الصحيفة في المنطقة الصناعية، يمر علينا واحدا بعد الآخر كل عصر يوم دون أن يبدو على قسمات وجه كدر.

كان يمتلك قدرة هائلة على احتواء الآخرين والتضحية بوقته من أجلهم وأظن أن جريدة الراية تدين له بالكثير من عطائه لها، فقد كان يعمل فيها من الساعة الثالثة عصرا حتى الثانية وربما الثالثة صباح اليوم التالي، أسهم بعقليته المهنية المتميزة في تطورها وقرر العودة إلى الوطن رغم إلحاحي أنا وزملاء آخرين على أن يبقى، لكنه كان قد اتخذ قراره دون العودة فيه وعندما سافر وغادر الدوحة شعرت بأنني فقدت السند فيها، خاصة أن "جلاء" كان قد غادر الدوحة قبله، فبت مجردا من ضلعين كانا بالفعل سندين لي.

سيد أحمد كان بالنسبة لي الخيمة التي ألجأ إليها عندما تحاصرني الثلوج أو العواصف، كنا، هو وجلاء وأنا، نسعى إلى اللقاء كل فترة لنتجاوز فيه أحزاننا وأوجاعنا ونطرح ما يواجهننا من مشكلات، كنا نتقاسم الهموم ونتشاور في كيفية التغلب عليها وإزاحتها عن طريقنا. لم يكن أحدنا يتخذ قرارا إستراتيجيا من دون مشاورة الضلعين الآخرين وكان كل منا صادقا مع الآخر إلى أقصى حدود الصدق، لم نخجل يوما من مشكلة واجهتنا حتى في حياتنا العادية بعيدا عن الصحافة وهمومها في المحروسة.

ولم تغب قضايا الوطن وأوجاعه أيضاً عن لقاءاتنا، كانت تسكننا ونتبادل الأفكار في كيفية تجاوزها والتعامل معها، ابتهجنا بثورة الخامس والعشرين من يناير واعتبرناها امتدادا لثورة الثالث والعشرين من يوليو من العام 1952 بحكم انتمائنا إليها فكريا دون أن ننتمي إلى الأحزاب التي ترفع شعاراتها وأصابنا حكم الإخوان المسلمون بالقلق على المحروسة بعد الارتباك الذي أصابها عقب الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المعزول محمد مرسي بعد أشهر من توليه الحكم، لكننا استعدنا بهجتنا بعد ثورة الثلاثين من يونيو وإن ألقت أحداث العنف التي أعقبتها بظلال من الحزن علينا خوفا على مصير الوطن.

وثمة سمة مهمة كان يتميز بها الراحل سيد، فقد كان ماهرا في فن صلة الرحم والارتباط بأسرته وأهله في أدفو وكان بيته في القاهرة مفتوحا لهم يوجه لهم الدعوات في كل المناسبات ويحرص على مشاركتهم مناسباتهم في بلدته التي تبعد عن القاهرة بأكثر من 800 كيلو متر.

رحل سيد أحمد بعد أن أدى رسالته تجاه أسرته كأحسن ما يكون الوالد المسؤول وأستطيع أن أقول بارتياح إنه أحسن تربية ابنيه عبد الناصر الصحفي ومحمد الطبيب وابنته أميرة خريجة كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر والتي تزوجت قبل وفاته بنحو أسبوعين.

لدي الكثير الذي بوسعي أن أقوله عن حبيب وصديق العمر، ولكن ما أقوله في الخاتمة هو أن رحيل الأحبة مر مر مر، رحمه الله وأسكنه جناته ومنح أسرته الصبر.

مساحة إعلانية