رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أمور لا تستدعي مخاطبة سعادة الوزير عبدالله بن خالد القحطاني لأنها عادية، ويمكن أن تؤجل، ولا يترتب على تأخيرها إضرار بمصالح الناس، ولعل أهم مصالح الناس صحتهم، وهنا تصبح مخاطبة سعادة وزير الصحة ضرورية، أولاً لأن الأمر لا يحتمل التأجيل أو الانتظار، وثانياً لأن الأمر متكرر، والشكوى هي نفسها، وهنا أود عرض مشهد حدث في العيادات الخارجية بقسم السجلات والتقارير يوم 16/12/2012 حيث حضر شاب يبدو لأول وهلة أنه مريض جداً، يشي بذلك شدة إصفرار وجهه، ووقفته منحنياً من شدة الإنهاك، سأل الموظفة عن تقريره الذي من المفروض أن يتسلمه، قالت الموظفة بصوت خفيض (التقرير مش خالص) هنا رفع صوته المتعب ليقول لها (ثلاثة شهور أراجع وبعد مش جاهز، ما تشوفين حالتي، المحكمة ناطرة التقرير وأنا رايح جاي وما أسمع غير مش جاهز؟ متى يصير جاهز حرام عليكم) وانصرف الشاب وهو في غاية الغضب والاستفزاز يشد قدميه، ويشد تعاطف الواقفين معه!
انتهى المشهد المتكرر إذ ليست هذه حالة وحيدة تشكو من تأخير التقرير الطبي، وهنا نسأل ما أسباب تأخير التقارير؟ هل هو ضغط عمل؟ إن كان كذلك، فهناك حلول بالتأكيد، ثم لماذا يقال للمريض المراجع تعال بعد أسبوعين ثم يراجع شهرين دون تسلم تقريره الطبي، وقد يتعلق الأمر بعارض صحي عاجل، أو بموعد مع طبيب، أو بسفر لإجراء عملية مستعجلة، أو بصدور أحكام فاصلة فيها حقوق ناس؟ أعتقد أن الأمر لأصحابه في غاية الأهمية لأنه لا يخص نزهة بل يخص صحة، أما عن معاناة المراجعة فهذا أمر مؤلم آخر، فإذا كان الصحيح منا يتعب ويضجر وهو يلف ويدور طويلاً حتى يجد مركناً لسيارته إذا ما راجع في أمر صحي، فما بالنا بالمريض الذي أجرى عملية حديثة، أو المسن المنهك، أو ذي الاحتياجات الخاصة الذي قد يكون بلا مرافق وهو يجرجر أقدامه من سيارته حتى (كونتر) المراجعة ثم يقال له التقرير غير جاهز تعال بعد أسبوعين ليتكرر الإجهاد، والمشقة، والتعب؟
لأن الأمر إنساني جداً، ويشكل معاناة لأصحابه نرفع هذا المشهد لسعادة وزير الصحة ونحن على ثقة بأن مسألة تأخير التقارير ستحل رحمة بالمرضى، وتيسيراً على الموجوعين الذين اجتمع عليهم هم المرض وهم تأخير التقارير، والشكر الجزيل نقدمه سلفاً، ويا ريت تتشرف إدارات المستشفى المختلفة بزيارة تفقدية مفاجئة لسعادة الوزير دون الإعلان عنها ليرى بنفسه ما يشكو منه الناس على الطبيعة، فليس من سمع كمن رأى، مع خالص التقدير ووافر التحية.
• حكايات الناس
• كل يوم نرى مآسي موجعة للروح، ونستطيع دون جهد عد أضلاع المحرومين من النعمة وقد صدمتنا البوصات الملونة بصور غارقة في الفاقة، ونحن غارقون في ترف يجعلنا نرمي أكثر مما نأكل، كل يوم نرمي أشكالاً لا تعد ولا تحصى من نعم يتمناها الغارقون في جحيم الجوع، ولا ننتبه إلى أننا يمكن أن نطعم قبيلة بحالها مما نستغنى عنه في سرف لا نظن أننا سنحاسب عليه، قد تمر (لا مؤاخذة) بأي كوم فضلات، في أي مكان، ستلاحظ أن في تلك المخلفات (خبز) ألقاه الناس مع فضلات طعامهم، أحياناً ترى الخبز (مكسر) وأحياناً كامل الاستدارة، ويكون خلاصنا منه بالقمامة إما بطراً لأنه (بايت) أو (تالف) بفعل إهمال حفظه، أو لأنه بقية ما أكل الآخرون، ولا يروق لنا لمس ما فاض من الآخرين أو أكل منه أحد وهنا تكون (الزبالة) أولى به، صديقتي الجميلة لها شأن آخر مع بقايا الخبز سواء المكسر أو الذي تلف سهواً، إذ كلما تجمع عندها خبز من هذا النوع وضعته في كيس، ثم تذهب به مع أحفادها إلى بحيرات (اسباير) حيث تقطعه صغيراً صغيراً ليطعمه الأحفاد للبط الهائم سابحاً فوق البحيرة، أو يلقونه للأسماك التي تقترب من الحافة لالتهامه ليضج الصغار فرحاً وسعادة وابتهاجاً، يوماً قلت لها (ما أطول بالك شايلة الخبز من بيتك لحد اسباير عشان تأكلي البط والسمك؟) ابتسمت ابتسامة طيبة وهي تقول: أجد في هذا العمل البسيط سعادة غريبة، ومن يدري فربما كتب لي بهذا الإطعام عمل صالح رجح كفة الميزان في يوم صعب نحتاج فيه إلى الإحسان!!
• هل تعرفون أوجاع الحنين؟ سؤال لا يعرف وقعه على النفس إلا من اكتوى بمشاعر الشوق لأحبة فارقهم وفارقوه، تستطيع قطعاً أن تتصور الزحام، وصراخ الأطفال، وحالة الضجيج التي تجتمع في مساحة مركز تسوق، وتستطيع قطعاً أن تتخيل حجم ضغط العمل على أي كاشير يجلس أمام صندوق حاسبته مشدود الأعصاب، متخوفاً من أي خطأ سيكلفه كثيراً وهو يتعامل مع عشرات الآلاف بوقت وجيز، في هذا المشهد بأحد مراكز التسوق رأيتها تجلس أمام صندوقها تتسلم قيمة الفواتير وبتأن تعيد الباقي، لاحظتها، نحيلة، وجهها فارقته حيويته، عيونها خابية وكأنها باكية، عندما حان دوري لدفع فاتورتي سمعتها رغم كل هذا الضجيج والضغط العصي على الاحتمال تغني "آي نيد يو بسيد مي" أحتاجك إلى جانبي، مازحتها سائلة من هذا الذي تريدينه إلى جانبك؟ قالت حبيبي، عدت أسألها متزوجة؟ ردت وكأنها تفخر أنا أم لأربعة أطفال ثلاث بنات وولد كلهم في مانيلا مع أمي، حبيبي الصغير يعذبني فراقه، مازال يحتاجني، يوجعني حنيني له لكني أحتاج المال لأوفر لأطفالي طعاماً جيداً، وتعليماً جيداً، كل حرف قالته كان ينزف بأوجاع الحنين، وصلني جداً ما تقاسي منه وتتألم، إنها باختصار أم تتمزق حنيناً لوجه صغيرها الذي تفتقده، ربما لم يسألها أحد قبلي عن أحزانها، وضعتني في حالة شجن لكني ودعتها راضية ربما لإحساسي بأن حديثي السريع معها كان له وقع السلوى في نفس حزينة مغتربة.
• ملاحظة:
• في مقال الأسبوع الفائت بفقرة الطفلة التائهة التي سلمتها للبحث الجنائي وردت كلمة (المباحث الفيدرالية) والمكتوبة في أصل المقال (المباحث الجنائية) كلمة (فيدرالية) خطأ مطبعي لم اكتبه بمقالي، لذا لزم التنويه والاعتذار لمن يهمه الأمر.
• طبقات فوق الهمس
• ما لنا عندما نتصدق أحياناً نبحث عن أسوأ ما لدينا لنعطيه، هو جمع ألعاب أولاده المكسرة، الناقصة يد، ورجل، ورأس، وعجلة، وجهاز تشغيل وأهداها لأيتام جنوا بها فرحاً، في نفسي قلت ما ضره لو أسعد الأيتام بغير المكسور، والمبتور، والتالف؟ أتراه لا يحب أجراً ما خطر على بال بشر؟
• أعجبني جداً قول جواهر آل ثاني "للحزن وجه مبتسم لا يراه إلا المؤمن"!.. صدقت إذ كثيراً ما نضجر مما أصابنا فنشكو لطوب الأرض، وقليلاً جداً ما نسكت والحزن قاطع لنياط القلب واجدين أنساً حتى في الابتلاء!
• قرأت إعلاناً يقول (للبيع قصر لعظيم، الوسطاء يمتنعون) توقفت عند العظيم، وهمس خاطري لنفسه أما علم (المعلن) بضم الميم ألا عظيم إلا الذي خلقه وخلق ساكني القصر الفخيم؟!
• كثيراً ما يكون ردها على الهاتف بأن فلانة (المطلوبة) غير موجودة، أو في الحمام، أو نايمة، أو مشغولة في المطبخ، أو عندها ضيوف، رغم أن فلانة المطلوبة تجلس على بعد خطوات منها!.. أترانا ندرك أن هذه الأنواع من الكذب محسوبة علينا، وأنها من أبشع صور تمرين الصغار على الكذب عملياً بالصوت والصورة، على اعتبار أنه إذا كان رب البيت بالدف ضارباً.. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص!!
• تجرؤوا على منع طالبة محجبة من دخول قاعة الدرس، فهذا ما يناسب عاداتهم، (مفيش حاجة تتغطى) أما نحن فلم نجترئ ونوقف مساخر الملابس الفاضحة والشورتات، والمايوهات، وعري الصدر والظهر في المجمعات والكورنيش والشارع، لأن ما تقدم لا يناسب ديننا أولاً قبل عاداتنا وتقاليدنا، أليس الأمر يدعو للعجب؟
• يقول الشاعر: دقات قلب المرء قائلة له.. إن الحياة دقائق وثواني، نعرف كم مضى، لكن كم من العمر بقي على انتهاء الرحلة؟ سؤال يسأله الخائفون كل لحظة فيحسنون إعداد الزاد.
من يجده يتصل بنا!
* الشتاء يملك قدرة عجيبة على تجديد طعم الأحزان، وتجديد لسعة الألم، وحرقة الفقد! لي مع نهايات العام... اقرأ المزيد
1747
| 02 يناير 2017
هل نحفل حقا برؤوس الشباب المبدع
• كان يتحدث عن الشباب الهامد الخامد الذي ينام عن الابداع، قلت ياسيدي: الابداع ابن بيئته، أولا ارزع... اقرأ المزيد
1624
| 26 ديسمبر 2016
رسالة من قدم!!!
كم طائرة يا ترى تحركت من مطارات الدنيا وثكناتها لتطفئ حريق إسرائيل شفقة ورحمة بسارقي الأرض العربية؟ كم... اقرأ المزيد
3596
| 19 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
15174
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
4998
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3288
| 16 أغسطس 2026