رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتسابق وسائل الإعلام منذ فترة في تسليط الضوء على تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان بتوجيه ضربة "وقائية" ضد إيران لعرقلة التقدم الذي أحرزته في برنامجها النووي. هذه التغطية الإعلامية المتلاحقة، فضلاً عن شدة اللهجة الإسرائيلية المستخدمة، توحي بأن حربا حقيقية على الأبواب. ولكن التفحص المتمهل لهذه المادة الإعلامية الغزيرة، وقراءتها في ضوء الأبعاد المتداخلة للأوضاع في المنطقة لا تعطي نفس هذه النتيجة. فثمة معوقات كثيرة تحول بين إسرائيل وبين ترجمة تهديداتها إلى أفعال، كما أن أمريكا لن تكون سعيدة حال إقدام حليفتها على مثل هذه الخطوة.
فحسابات السياسة الواقعية لدى ساكني البيت الأبيض ترجح عدم مهاجمة إيران في هذه المرحلة، وذلك حفاظا على دورها كمصدر للتهديد في منطقة الخليج. فإيران القوية، المدججة بأسلحة الدمار الشامل، تبرر التواجد الأمريكي العسكري هناك، وتبرر الإنفاق الضخم على التسلح في الدول النفطية التي لا تمتلك عدوا صريحا، بعد اختفاء تهديدات الأنظمة القومية والشيوعية، سوى إيران. توجيه ضربة أمريكية/ إسرائيلية إلى إيران يعطل هذه الميزة الإستراتيجية الهامة، ويحرم أمريكا من مصادر هائلة للدخل القومي، ممثلة في مبيعات السلاح إلى دول المنطقة.
الأسوأ من الاحتمال السابق، بالنسبة للولايات المتحدة، أن القضاء على الخطر الإيراني عبر ضربة جوية حاسمة، يجعل المصدر الوحيد للتهديد في المنطقة هو إسرائيل، وهذا من شأنه أن يحرج الإدارة الأمريكية التي تريد أن تحتفظ بمظهر الصديق لأنظمة الخليج مع الاستمرار في دعم إسرائيل. ولا تتحقق هذه المعادلة إلا من خلال بقاء التهديد الإيراني النووي، بما يعفي الولايات المتحدة من عبء تبرير انحيازها المعيب لإسرائيل في الوقت الذي تستمر في التظاهر بالحرص على أمن دول الخليج.
أما إسرائيل فهي وإن كانت تخشى من التقدم في البرنامج النووي الإيراني، والذي سيقلل - حال اكتماله - من الميزة النسبية الأساسية التي تتمتع بها كدولة نووية وحيدة في محيط إقليمي خال من السلاح النووي، إلا أن كثيرا من الساسة الإسرائيليين يراهنون على أن براجماتية النظام الإيراني تفوق عقائديته، فإيران تعتبر كل ما من شأنه أن يخدم مصالحهم الإقليمية متوافقا مع موقفها العقائدي، وليس العكس. ويخشى كثير من المسؤولين الإسرائيليين أن أي ضربة ضد منشآت إيران النووية ربما تؤدي إلى تحول في الموقف الإيراني باتجاه توظيف الشعارات العقائدية بهدف دفع العدوان الإسرائيلي، وهذه الإستراتيجية يمكن أن تحظى بتعاطف الرأي العام في المنطقتين العربية والإسلامية، الأمر الذي لن يكون في صالح الإسرائيليين بطبيعة الحال.
من ناحية أخرى يدرك الساسة الإسرائيليون أن إيران لم تكن فعليا راغبة في الدخول في مواجهة شاملة مع الدولة العبرية في أي أزمة سابقة. فالهجوم الإيراني اللفظي ضد إسرائيل كان نادرا ما يترجم إلى أفعال، فيما ظل العداء مع إسرائيل مجرد ورقة تستخدمها طهران لمغازلة الرأي العام في المنطقة وللضغط على أنظمة الجوار المحافظة التي تقيم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بأكثر مما تستخدمه بغرض إحراج إسرائيل نفسها. ومن هنا يفهم معظم الساسة الإسرائيليين أن التنديد الإيراني المتكرر بإسرائيل هو شأن إيراني داخلي، أما ترجمة هذا التهديد إلى أعمال عدائية فليس من أولويات السياسة الإيرانية التي تحاول دائما أن تحتفظ بسقف منخفض للصراع مع الكيان الصهيوني.
ويذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك بالقول إن الطابع الأيديولوجي الذي يغلف الحرب اللفظية بين إيران وإسرائيل ما هو إلا غطاء لمشاكل لا تتعلق بالضرورة بالأيديولوجيا، فالثورة الإيرانية لم تمنع الساسة الإسرائيليين من محاولة التواصل مع إيران في الأعوام التي تلت الثورة، كما لم تمنع الإيرانيين من التواصل مع المخابرات المركزية الأمريكية ومع الإسرائيليين إبان احتياجهم للأسلحة الأمريكية خلال حربهم مع العراق.
وبعيدا عن الاعتبارات الإستراتيجية ووفقا للحسابات العملية البحتة يمكن القول إنه إذا كان من الصحيح أن إسرائيل تملك المقدرة على أخذ قرار الحرب بالإرادة المنفردة، كما حدث خلال حرب 1967 عندما شنت حربها ضد نظام عبد الناصر متجاهلة التحذيرات الأمريكية، إلا أن الاعتبارات العملية لا ترجح قيام إسرائيل بتكرار ذلك مع إيران، فأمريكا هذه المرة ربما لن تكتفي بالتحذير، فتوتر منطقة الخليج يعني إغلاق الخليج العربي بما يعني تعطل الشريان الأساسي لنقل النفط إلى أمريكا والغرب عموماً.
كما أن موسم الانتخابات الرئاسية يقلل من احتمال إقدام الإدارة الديمقراطية على دعم مثل هذه الخطوة المتهورة. فالرئيس باراك أوباما لا يريد أن يتورط في عمل من شأنه أن يقلل حظوظه الانتخابية في وجه المنافسة القوية التي يلاقيها من خصمه الجمهوري، خاصة أنها تتعارض مع الخط الذي اختطه لنفسه منذ بداية ولايته، والمتمثل في تقليل التدخل الأمريكي المسلح في الشرق الأوسط، من خلال سحب القوات الأمريكية من العراق، وتخفيض التواجد العسكري في أفغانستان تمهيدا للانسحاب الكامل منها خلال عامين.
وأخيرا وليس آخرا تدرك الإدارة الأمريكية أن قيام إسرائيل منفردة بتوجيه ضربة إلى إيران يعني تخفيف الضغط الدولي على نظام الأسد، وهو الملف الذي تحرص واشنطن على تسويته قبل أن يستغله الجمهوريون انتخابيا. فضربة إسرائيلية ضد طهران تعني رد فعل عكسيا من جانب حزب الله في لبنان، وهو ما سيقلل من التركيز على المجازر التي يرتكبها بشار، ويفقد المقاومة في سوريا قدرا كبيرا من الزخم الذي تتمتع به في مواجهة النظام.
لكل العوامل السابقة، وغيرها، يبدو الحديث عن ضربة إسرائيلية أو ضربة إسرائيلية/ أمريكية مشتركة ضد إيران مبالغا فيه، ولكن هذا التحليل مبني على اعتبارات السياسة الواقعية التي تفترض أن الدولة فاعل رشيد يقوم على إدارته طاقم عقلاني يتعامل مع القرارات السياسية بمنطق التكلفة والعائد، أما إذا سيطرت اعتبارات الأيديولوجيا أو اللا منطق على قادة نظام ما، كما يرجح البعض أن يكون عليه الحال بالنسبة لنتنياهو وليبرمان في إسرائيل، فإن التحليلات المنطقية قد لا تجدي نفعاً لفهم المسار الذي قد تأخذه الأحداث في المستقبل القريب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
16434
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3912
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026