رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هبة خالد إبراهيم

- كاتبة وباحثة قانونية

مساحة إعلانية

مقالات

294

هبة خالد إبراهيم

لماذا نحتاج لمسار قانوني في مناهجنا الثانوية؟

12 أغسطس 2025 , 01:44ص

في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية، وتزداد فيه التحديات القانونية التي تواجه الأفراد منذ سن مبكرة، بات من الضروري أن نُعيد النظر في خريطة المناهج التعليمية في مدارسنا، لا سيما في المرحلة الثانوية. فكما نُهيئ طلابنا لمسارات الطب والهندسة، لماذا لا نُعدّهم أيضًا لمسار القانون، ليس فقط كمهنة مستقبلية، بل كضرورة حياتية؟

نحن نعلّم أبناءنا كيف يكتبون معادلة رياضية، وكيف يرسمون خريطة جغرافية، لكننا لا نعلمهم كيف يحمون أنفسهم من خطأ قانوني بسيط قد يكلّفهم مستقبلهم.

القانون ليس للمحامين فقط، بل لكل إنسان يعيش في هذا المجتمع.

كيف ننتظر من شاب أن يختار الطريق الصحيح، وهو لا يعرف الفرق بين حقه وواجبه؟

كيف نطلب من فتاة أن تدافع عن نفسها، وهي لا تعرف ما الذي يضمنه لها القانون؟

الوعي القانوني لا يصنعه الخوف من العقوبة، بل يصنعه التعليم منذ الصغر.

لهذا السبب، يجب أن يكون القانون في المدارس لأنه يحمي، ويوجّه، ويبني جيلًا يعرف كيف يعيش بوعي ومسؤولية.

كما أن تدريس القانون في هذه المرحلة لن يقتصر على التعريف بالمصطلحات، بل سيزرع في نفوس الطلاب الوعي بعواقب الأفعال، وسيمكنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، والقدرة على التمييز بين الخطأ والجريمة، بين الخلاف والنزاع القانوني، بين الحرية الشخصية والتعدي على الآخرين وإدراك تبعات التجاوزات القانونية. ففهم القانون في سن مبكرة سيمنحهم القدرة على تجنب الوقوع في المشكلات القانونية، وسيساهم بشكل مباشر في خفض معدلات الجريمة والشكاوى الناتجة عن الجهل بالأنظمة.

لنأخذ على سبيل المثال قانون الأسرة والطلاق، وهو من أكثر المجالات ارتباطًا بالحياة اليومية. كم من شاب وشابة يدخلون الحياة الزوجية دون معرفة حقيقية بحقوقهم أو واجباتهم! وكم من حالات الطلاق تنتهي بصراعات قانونية مؤلمة، فقط لأن أحد الطرفين لم يدرك ما تترتب عليه تلك الخطوة من نفقة، حضانة، رؤية، والتزامات مدنية وقانونية!.

إن تدريس هذه المفاهيم ضمن مسار قانوني متكامل في الثانوية، سيمنح الطلاب فرصة لفهم الزواج والطلاق لا كعلاقة عاطفية فقط، بل كعقد قانوني له تبعات ومسؤوليات. سيتعلمون أن الطلاق ليس نهاية العلاقة فحسب، بل بداية لمسؤوليات جديدة تجاه الأبناء والمجتمع، وسيدركون أن الجهل بالقانون لا يُعفي من المسؤولية، بل قد يكون سببًا لضياع الحقوق. كما أن هذا المسار سيساعد على إعداد جيل واعٍ، قادر على خوض الدراسة القانونية الجامعية، أو على الأقل تكوين مواطنين مدركين لحقوقهم وواجباتهم في كافة مجالات الحياة، من التعاقدات البسيطة إلى قضايا الشرف والمال والحياة الأسرية.

وما لا يُدرَك في المنزل أو المجالس العامة، يمكن أن يُدرّس بعمق وبساطة في فصول المدرسة. فكما نُعلّم أبناءنا الرياضيات لحساب المال، علينا أن نُعلمهم القانون لحساب الكرامة، والعدالة، والمسؤولية. إن القانون ليس مادة نخبوية، ولا ترفًا فكريًا يُقدَّم لمن اختار التخصص فقط، بل هو ضرورة حياتية تحكم كل قول وفعل وعلاقة في حياتنا اليومية. من هنا، فإن إدراج مسار قانوني في مناهجنا الثانوية هو ضرورة وطنية عاجلة تفرضها مسؤولية إعداد جيل يعرف أين يقف، ومتى يتكلم، وكيف يُطالب بحقه. فليس من المقبول أن يُلقى بشبابنا في معترك الحياة وهم يجهلون القواعد التي تُنظمها، ولا يملكون الحد الأدنى من الوعي القانوني الذي يحميهم من الوقوع في الأخطاء، أو التورط في أفعال قد تجرّ عليهم عواقب لم يتصوروا تبعاتها. القانون ليس حكرًا على المحاكم، بل هو حاضر في كل عقد نوقعه، وكل التزام نُبرمه، وكل قرار نتخذه. إن تدريس «مدخل إلى القانون» في هذه المرحلة المبكرة، هو غرسٌ للوعي، وتحصين للعقل، وبناء لمواطن يحترم النظام لأنه يعرفه، لا لأنه يخافه.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية هذا المسار ليس فقط في أثره على الطالب، بل في دوره في إعادة توجيه الطاقات القانونية الوطنية، إذ يفتح بابًا جديدًا أمام خريجي كليات القانون ليمارسوا دورهم التربوي والوطني في تشكيل الوعي القانوني للجيل القادم، لا من منابر القضاء وحدها، بل من داخل الفصول، حيث تبدأ صناعة الوعي من جذوره. نحن لسنا أمام مادة دراسية، بل أمام مشروع استراتيجي لصناعة الإنسان القانوني: إنسان يعرف أن كل فعل له عاقبة، وأن الجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، وأن الحقوق لا تُمنح لمن لا يعرف كيف يطالب بها. إنني أطرح هذا المقترح من باب المسؤولية الوطنية، لا الترف الأكاديمي؛ ومن باب الخوف على مجتمعنا وشبابنا، لا مجرد النقاش النظري، بل هو استثمار استراتيجي في بناء وعي قانوني راسخ لدى الشباب، يمكّنهم من فهم الحياة من منظور الحقوق والواجبات، والمسؤوليات المدنية والجنائية.ففي عصر يتزايد فيه التعقيد القانوني، لا يمكن التقليل من أهمية الوعي القانوني،

فإذا كان الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية، فالوعي بالقانون قد يُنقذ حياة.

 

اقرأ المزيد

alsharq مغازل الغيب !

يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد

180

| 19 مايو 2026

alsharq الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية

انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد

96

| 19 مايو 2026

alsharq المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري

في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد

234

| 18 مايو 2026

مساحة إعلانية