رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ظل (جيفري لانج) مسيحيًا بحكم النشأة حتى بلغ الثامنة عشرة حيث تحوّل إلى ملحد؛ لعدم قدرة عقله على استيعاب فكرة الألوهية المثلَّثة، وفي سن الثامنة والعشرين قرأ كتابًا في تفسير القرآن، فوجد إجابات متماسكة ومنطقية دعته إلى إعلان إسلامه..
وهو بهذا يتفق مع ما يقوله (محمد أسد)؛ من أن فكرة التثليث والتجسد الإلهي لا تبعد الناس عن الكنيسة فحسب، بل عن الإيمان برمته.
عنوان الكتاب جاذب ومعبِّر وواقعي.. ففي "سورة البقرة" تجد الملائكة تسأل ربها عن الحكمة في خلق آدم..
وهذا إلهام للبشر أن يتأمَّلوا ويتفكَّروا في حكمة خلقهم، وفي أنفسهم، وفي الكون من حولهم.
حين يكون السؤال معنى متحركًا داخل الإنسان فهو لا يُطرح للاستعراض أو التعجيز أو التعنت أو الترف الفكري أو المغالطة أو التكلُّف.. ولا يتقحَّم ما لا سبيل له إليه من الغيوب والمتشابهات..
حين يكون السؤال ضرورةً معرفية وحقًا إنسانيًا بل وواجبًا إيمانيًا فلن يتوقف موسى عند شرط الخضر: {فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} (70: الكهف)، على أنه وعده ابتداءً بالكشف عما أشكل، ولكنه لم يصبر!
حين يكون السؤال استزادةً من الفهم، وتوسيعًا لدائرة الوعي؛ فهو منهج نبوي يسمع ولا يقمع، وقد سأل الصحابة رسول الله عن مسائل كثيرة وأجابهم عليها، ومنها ما جاء جوابه في القرآن: {يَسْأَلُونَكَ..}، وما أرشد الله نبيه إليه: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ..} (163: الأعراف)، {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} (94: يونس).
توجيهٌ مذهلٌ في معالجة الشك بالسؤال.. والغالب أن المراد به أمته - عليه الصلاة والسلام - ، وتقرير أن المعرفة الصادقة تؤخذ من أربابها مَنْ كانوا..
حين يكون السؤال كوَّةً ينبثق منها النور؛ لأنه بحث في الممكن والمقدور، وليس في المتشابهات والغيبيات؛ التي لا سبيل للعقل إليها.. فهو يستدعي الجواب الحكيم المناسب، ولا يجعل العالم رهينة الجاهل، ويبقي الباب مفتوحًا للمزيد من التحرّي والتدقيق والبحث، فختام الجواب: (والله أعلم)، وقد يكون الجواب كله: (لا أعلم.. لا أدري..).
من الخير أن تبقى بعض الأسئلة مفتوحة؛ لتنشيط حركة العقل، وترك فراغات معرفية تحفز على التزوُّد: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (114: طـه).
مشكلة العلم، ومشكلة الإيمان، ومشكلة الحياة هي: التقليد الأعمى، والتوقف عن النمو، والغرور بقليل المعرفة وظاهرها: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (7: الروم).
ثمَّ مسائل عويصة وشائكة من الغرور التسرُّع فيها بجواب يُغلق الباب ويشل الفكر، أو الخروج منها بحالة من الانسلاخ ونبذ الإيمان.
أبق للمستقبل حقًا.. وربما عثرت على الجواب، أو عدلت عن السؤال، أو نقلته إلى ميدان آخر..
أمر الله بالسؤال، وعَدَّه النبي شفاء للعِيِّ، وسمَّاه الخليل بن أحمد مفتاحًا لأقفال العلوم، وتواصى به العلماء حتى لحظ عبدالله بن المبارك طالبًا لا يسأل فمازحه وقال:
إن تلبثت عن سؤالك (عبد الله) ترجع غدًا بخفي حنينِ!
أعنت الشيخ بالسؤال تجده.. قلقًا يتقيك بالراحتين!
وإذا لم تصح صياح الثكالى..رحت منه وأنت صفر اليدين
شيوخ كانوا يُعلِّمون تلاميذهم كيف يلحُّون في السؤال، وليس التلقي والتلقين وهز الرؤوس و(السمسمة)!
ليس صحيحًا أن الله أحرق أولئك الملائكة الذين سألوا..
السؤال جاء منسوبًا لجميع الذين خوطبوا بالنبأ العظيم (خلافة آدم)، وسؤالهم كان قياسًا على مشهد آثار استغرابهم من قبل، وعلى الأرض ذاتها، فهم لا يدركون نوازع البشر ودوافعهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، ولا يعرفون معنى شهوة المال والرياسة والتسلط والوصال الجسدي، وما جبل الله عليه من يخلقون من الأرض ويخلقون لها؛ لأنهم منغمرون في حالة التقديس والتسبيح والذكر: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (20: الأنبياء).
وسؤالهم يفتح للإنسان ميدان البحث عن معناه، وسر كينونته، ومقصد وجوده.
لم يخلق آدم للتسبيح والتقديس المجرد كمَلَك، خُلِقَ ليعمر ويبني ويكتشف ويبدع ويحاول، ويحقق ذاته عبر السعي المتواصل للخير والحق والحب والعمل والعطاء، وصلته بـالله زاده ووقوده وعصمته من اليأس والضياع، ومن البغي والعدوان.
سؤال الملائكة يبدو اليوم، وعبر الأحقاب، مشيرًا إلى الفساد العريض والتظالم وسفك الدم تحت ذرائع شتى؛ الذي حفل به تاريخ الحضارة! ، فكيف بتاريخ التخلف والبدائية والجهل؟
والجواب الإلهي داعٍ للتأمل فيما هو أبعد، من المعاني الإيجابية، وقراءة الوجه الآخر في وجود الإنسان.. الوجه الذي ترجح مصلحته بيقين قاطع وإن كان ثمَّ مفسدة.
{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (30: البقرة)، فأنتم أعملتم القياس، وظننتم آدم في ميزان الأقوام المتخلفين المتوحشين ناقصي العقول، والله يعلم من فضله وذريته ومزيّته وتكريمه ورحمته ما لا تعلمون.
إنه عبد موصولٌ بـالله؛ معرفةً وحبًا وخوفًا ورجاء، وموصول بالأرض؛ إعمارًا واكتشافًا وإبداعًا.. خُلِقَ ليُضيف للأرض قيمةً، وللشمس وللقمر وللنجوم وللسماوات، فوجوده فيها كشف إعجازها، وأظهر تسخيرها، وجلَّى مقاصدها وحِكَمَها ومراميها، وفتق أسرارها.
عبر قرون متطاولة كان الأنبياء والأولياء والصديقون والشهداء، وكانت الصلوات والدعوات والخلوات والخشوع والدموع، وكان الابتلاء والصبر، والكرب والفرج، والضيق والأمل، والحزن والسرور، والمحاولة والخطأ والصواب، والذنب والمتاب، والوصل والصدّ والعتاب.. وكان وكان وكان!
عبر قرون متطاولة كان الكشف والتعلُّم، والمغامرة والإبداع، والنجاح والفشل، والمشكلة والحل، والبحث والتعثُّر، والوصول والخدمات، والتسهيل والتطور، والنظريات المعرفية..
لكل منّا أن يقرأ في حراك البشر وجهًا جميلًا طيبًا.. بعدما غلبت لغة التشاؤم، والتشاتم، والمؤامرة، والصراع، والقطيعة.. حتى نسينا نحن المسلمين، أو كدنا، حكمة الباري في خلق الحياة والبشر برهم وفاجرهم، خاطئهم ومصيبهم، مؤمنهم وكافرهم.
لكل منّا أن يستشعر شيئًا من أسرار خلقه تحت ظل هذا الجواب الرباني: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، بدل اليأس والقنوط، وطول المثول أمام مصاعب الحياة ومتاعبها، وإخفاقاتها وابتلاءاتها.. أو الرغبة في اختصار المسير، وانتظار المصير، واستعجال الرحيل.
لنؤمن بحكمة الحياة وجمالها؛ لأنها صادرة من الله الحكيم الجميل الطيب الصبور، وليكن هذا الإيمان دافعًا للاستمتاع بها وتذوق جمالياتها، دافعًا للإضافة الإبداعية علميةً أو أدبيةً، ولو كانت يسيرة، فالجود من الموجود، وليكن فعلنا للخير، وإحساننا لشركائنا فيها، وصبرنا عليهم تأويلًا حسنًا للجواب الإلهي العظيم.
ولنردد مع الملائكة، فيما أعيانا فهمه وإدراكه، جواب العجز عن معرفة الأسماء: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (32: البقرة).
ولنقتبس من آدم سر الإلهام والتفوق، والجرأة في عقله، والتواضع في خَلْقه وأصله، فلا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر.
المؤسسات المالية الخليجية وصياغة معادلة الثقة
تشهد الأسواق العالميّة تطوّرات مستمرّة في تغيّر أسعار الفائدة وتبدّل موازين الاقتصاد الدولي وتطور المشهد الجيوسياسي، ليتبلور بذلك... اقرأ المزيد
159
| 11 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. ما الذي يبقى في ذاكرة الطفل؟
ينتظر الأطفال الإجازة الصيفية بفرح كبير بعد عام دراسي مليء بالتعلم والالتزام، لكنها ليست مجرد وقت للنوم الطويل... اقرأ المزيد
384
| 11 يونيو 2026
الإنفوجراف الذكي والتحصيل الأكاديمي
في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد
90
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2625
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2580
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1104
| 07 يونيو 2026