رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ساهم الوقف باعتباره صدقة جارية في تنمية شتّى مناحي الحياة الاجتماعية والعلمية والثقافية، كان الوقف هو الحجر الأساس الذي قامت عليه كل المؤسسات الخيرية ومن هذه المؤسسات:
1- التكافل الاجتماعي
فرض الإسلام نفقات معينة على الموسورين لأقربائهم المحتاجين تحقيقا لمبادئ التكافل الاجتماعي وجاءت مؤسسة الوقف زيادة على ذلك لتهتم بهذا الجانب اهتماما كبيرا، فقد تضمنت وثيقة السلطان حسن الوقفية في العهد المملوكي: خلاص المسجونين، وتسبيل الماء العذب، والصدقة على الفقراء والأرامل والعميان وأرباب العاهات، وكذلك رعاية النساء المطلقات، وفي عهد السلطان صلاح الدين خصص وقف لإمداد الأمهات بالحليب اللازم وجعل هذا في أحد أبواب قلعة دمشق ميزابا يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المذاب بالسكر، ومن هذه الخدمات الاجتماعية بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين، ومساعدة الفقراء على الزواج، والأوقاف الخاصة بإنارة الدروب المظلمة، وإصلاح الطرقات والجسور.
2- الرعاية الصحية
خصص أهل الخير وأغنياء المسلمين الأوقاف الواسعة لإنشاء المستشفيات، وتطوير مهنة الطب والصيدلة، ومن الأمثلة على ذلك: المستشفى المنصوري في مصر، والمستشفى النوري في دمشق، كان العلاج والدواء مباح لكل مريض يقصده، وهذه المشافي مزودة بالخدم وإطعام المرضى، وزيادة على ذلك إذا برئ المريض يتلقى منحة وكسوة وقد أوقفت زوجة السلطان سليمان القانوني العديد من المحلات التجارية للإنفاق على المستشفيات. وقد وصلت الرعاية الصحية للحيوانات، ففي مدينة فاس أسس مشفى لعلاج الطيور، وفي دمشق خصصت أوقاف لتطبيب الحيوانات المريضة وأراض لرعي الحيوانات المسنة العاجزة التي تخلى عنها أصحابها. ومنها أرض المرج في دمشق (الملعب البلدي وساحة المرجة اليوم).
3- المدارس
كان بناء المدارس من أهم المؤسسات الخيرية، ومن أفضل ما قدمته مؤسسة الوقف، ومن أشهر المدارس تلك التي أنشأها وأوقف عليها الوزير القدير (نظام الملك) فلم يترك مدينة إلا وأسس فيها (نظامية) وأشهرها نظاميّة بغداد (جامعة) وقد درّس فيها الإمام الغزالي، ونظامية نيسابور ودرّس فيه شيخ الغزالي الإمام الجويني. ومن الجامعات المشهورة المستمرة حتى الآن جامعة الأزهر وأوقافها كثيرة (سرقت في عهد الضباط) وكذلك جامعة القرويين في المغرب وجامعة الزيتونة في تونس. ففي عصر الموحدين كانت معظم مباني مدينة فاس وقفا على جامعة القرويين.
4- المكتبات
عن هذه الروح الحضارية انتشرت المكتبات في شتى أنحاء العالم الإسلامي، فمن النادر أن نجد مدرسة ليس بجوارها مكتبة، ونتكلم عن المكتبات العامة التي ينشئها أهل الخير وتكون وقفا على طلبة العلم وعموم الفقراء وليس عن المكتبات الخاصة التي توجد في غالب البيوت كما كان الحال في مدينة قرطبة، كانت هذه المكتبات العامة تحتوي على غرف للمطالعين، وقاعة للدراسة والبحث العلمي، وخازن للمكتبة يكون عادة من العلماء، وطائفة من النساخ الذين ينسخون الكتب المهمة، ومجلدون يهتمون بالكتاب حتى يحفظ لمدة طويلة. وكان في قرطبة وحدها عشرون مكتبة عامة، أما الخاصة فيكفي أن نذكر مكتبة الخليفة الأموي الحكم بن عبد الرحمن الناصر التي بلغت أربعمائة ألف مجلد، وبلغت خزانة الكتب في عهد الدولة الحفصية في تونس ستة وثلاثين ألف مجلد، وقد أتلف الأسبان عندما احتلوا مدينة غرناطة، أتلفوا مليوني مجلد حسب تأكيد أحد المستشرقين الأسبان المعاصرين.
هذه أمثلة عن الوقف، والحقيقة أنه تعدّى إلى كل مجالات الحياة مثل الرباطات للمجاهدين والقرض الحسن للتجار...إلخ.
مصادر الاهتمام بالوقف
المصدر الأول هو القران الكريم، فالسور المكية التي كانت من أوائل ما نزل تتحدث عن الذين يمنعون الماعون ولا يحضون على طعام المسكين (أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين) وقوله تعالى (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) أي أن الأموال التي في أيديكم، إنما جعلكم خلفاء في التصرف فيها فأنفقوا منها في حقوق الله. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنها كربة من كرب يوم القيامة.) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من مات وترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ).
هذه الآصرة من الأخوة والألفة والقرب نتج عنها خلق المواساة بين المهاجرين والأنصار، ونتج عنها الصدقة والعارية والهبة والمنحة، يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر "لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذه المسجد شهرا".
هذا الدين هو الذي يقول نبيه صلّى الله عليه وسلم (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع بجنبه وهو يعلم) ويقول: (إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ويقول الإمام ابن حزم أحد علماء هذا الدين الذين هم ورثة الأنبياء: "فرض على الأغنياء إن لم تقم الدولة بذلك ألا يبيت مسلم جائع وأن يكسى في الصيف والشتاء، وأن يكون له منزل يؤويه".. ولعل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عن حين أراد التصدق بأرض له في خيبر: (حبّس الأصل وسبّل الثمرة) كان أول وقف في الإسلام. كما أن فقه المسلمين لموضوع فروض الكفايات، وأنه لا بد من قيام البعض بها لتسقط عن الآخرين، مما شجع وساعد على قيام المؤسسات الكبيرة من أموال الوقف.
مقاصد الشريعة
تكلم العلماء عن الضروريات الخمس التي هي من مقاصد الشريعة وهي حفظ: الدين والنفس والمال والنسل والعقل، وقالوا هذا من استقراء الشريعة، وهذا الضروريات مما اتفقت الأمة عليها، لأن هذه المصالح لا بد منها لقيام أمور الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل ينخرم أصل التكليف، فلو عدم الدين لعدم الجزاء المرتجى في الآخرة. ولو عدم النفس لعدم ممن يتدين. ولو عدم العقل لارتفع التديّن.. وهكذا، والإسلام توجه بالخطاب إلى الإنسان من حيث كونه إنسانا، ولذلك قرر أن هناك ما يشترك فيه البشر من حفظ النفس وحرية المعتقد.
أما الذين استجابوا لهذا الدين فنشأت بينهم صلة خاصة (الأخوة الدينية) ونشأ مجتمع ديني قوي، وعندما فقه المسلمون هذه المقاصد الشرعية وما يتبعها مما يحفظ بها، كان هذا دافعا لهم لتطبيقها، فحفظ العقل مثلا لا يعني منع المسكرات والمخدرات وحسب ولكن هناك الجانب الآخر وهو حفظه بالعلم والمدارس والتفكر في خلق الله، وحفظ النفس ليس بمنع القتل وتشريع القصاص فحسب ولكن أيضا بتأمين الحياة الكريمة لهذه النفس، وحفظ المال بمنع السفه والتبذير وكذلك بإنفاق المال في وجوه الخير واستثماره بما ينفع الأمة. فهذه الشريعة تحمي الإنسان وكل إنسان من أن ينتهب ماله أو يقتحم مسكنه أو أن يخرج من وطنه... وبعض هذه الأوقاف استمر إلى عهد قريب، ففي دمشق كانت تكية السلطان سليم توزع الطعام على الفقراء.
ظهر في السنوات الأخيرة مؤسسات خيرية كثيرة، بدأت تنظم أمورها وتعتمد على الوقف وليس على الدعم من الأفراد فقط وبدأ الحديث قويا عن العمل الخيري وعن الوقف الذي سيكون له الدور الأكبر في الواقع لأن متطلبات الحياة تشعبت وكثرت والدولة تعجز – إذا ماتت دولة صالحة ومستقيمة – عن إيفاء الخدمات الأساسية للناس.
نحن اليوم بحاجة ماسة لإحياء دور الأوقاف في بلاد المسلمين واستخدام مداخيلها في تنمية المجتمعات وإحياء رسالة الإسلام في التعاون على الخير، بعد أن حارب الاستعمار المؤسسات الوقفية وأكمل نهبها الذين جاءوا بعده من العساكر الذين حكموا بلاد المسلمين. والحديث عن الطريق الثالث ما بين العمل الفردي والعمل الحكومي أصبح حديثا عاما، والغربيون يتحدثون عنه ويكتبون عنه، وهم يمارسونه بقوة، فكثير من المؤسسات الغربية العلمية وراءها تبرعات وأوقاف على طريقتهم وأعرافهم. بل إن أغنياء الغرب يتبرعون بسخاء للمؤسسات الطبية وغيرها، وبعضها للتبشير بالنصرانية، ويكفي أن نذكر ما تبرع به صاحب شركة (مايكروسوفت) إلى المؤسسة الخيرية التي أنشأها هو وإلى مؤسسات أخرى وكان التبرع بآلاف الملايين من الدولارات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1254
| 28 سبتمبر 2026