رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أننا بصدد الدخول في متاهة فتنة جديدة في مصر. إذ بعدما مررنا بفتنة الوقيعة بين المسلمين والأقباط، وتفجير العلاقة بين السلفيين والمتصوفة، فها نحن نشهد إذكاء لفتنة جديدة تستهدف إفساد العلاقة بين الجيش والشعب، الأمر الذي يستوجب الاستنفار والإنذار.
(1)
الذي حدث يوم الجمعة الماضي في ميدان التحرير بالقاهرة لا يصدقه عقل. إذ لم يخطر على بال أحد أن تتحول جمعة محاكمة رأس النظام السابق وتطهير البلاد من ذيول نظامه وأتباعه، إلى تشهير البعض بقيادة القوات المسلحة ومطالبة بإسقاط المشير طنطاوي. ولا أفهم كيف وبأي منطق يظهر بين المتظاهرين أشخاص لا يزيد عددهم على أصابع اليدين يرتدون الزي العسكري ويقولون إنهم ضباط في الجيش، ثم يقرأ أحدهم ما أسماه البيان الأول، داعيا إلى ما بدا أنه ثورة على الثورة. ولا أعرف كيف تطورت الأمور بحيث احتمى هؤلاء ببعض المتظاهرين المعتصمين حتى لا تستجوبهم الشرطة العسكرية، ثم تحول الشد والجذب إلى هجوم، تخلله إطلاق الرصاص المطاطي والنيران، مما ترتب عليه سقوط قتيل وعدد من الجرحى.
هذا المشهد طرح أسئلة كثيرة حول هوية الذين نادوا بالاعتصام والمبيت في الميدان رغم حظر التجول، وحقيقة الذين استجابوا للنداء، وما هي نسبة الذين ينتمون حقا إلى ثوار 25 يناير، ونسبة المزايدين عليهم، ونسبة اليساريين الذين رفعوا السقف عاليا وأرادوا أن يقرروا مستقبل مصر من الميدان، وما هي نسبة العاطلين الذين اعتبروا الميدان ملاذا لهم والبلطجية الذين اعتبروا التظاهرات فرصة لتنشيط الشغل والاسترزاق.
من تلك الأسئلة أيضا: هل اتفقت المجموعات التي تمثل ثوار 25 يناير على التنسيق فيما بينها في تنظيم جمعة المحاكمة والتطهير؟ وهل كان ظهور أولئك الضباط ضمن ذلك التنسيق أم أنهم فوجئوا بهم؟ ومنذ متى كان ضباط الجيش ــ أي جيش ــ يظهرون بثيابهم العسكرية في تظاهرات الاحتجاج ثم يقفون أمام الملأ لكي يحرضوا الناس ضد القوات المسلحة وقياداتها؟ وما ملابسات إطلاق النار على بعض المتظاهرين، وإذا صح أن الشرطة العسكرية أرادت أن تصل إلى أولئك الضباط المتمردين لاستجوابهم، فهل بذل جهد قبل ذلك لتحقيق هذا المطلب دون استخدام العنف وإطلاق الرصاص؟ وبأي صفة يطالب البيان الضباط بإقصاء هذا القائد أو ذاك. أو بتشكيل مجلس رئاسي يدير البلاد؟ وهل يجوز في التقاليد الديمقراطية أن توافق الأغلبية على التعديلات الدستورية التي تحدد مسارا لتسليم الحكم للمدنيين في آجال محددة، ثم تخرج علينا أصوات داعية إلى قلب الطاولة ورافضة موقف الأغلبية؟
(2)
ثمة حقائق ينبغي أن تكون واضحة في الأذهان ونحن نتعامل مع إرهاصات الفتنة هي:
< إن الجيش ينبغي أن يظل خطا أحمر لا يجوز المساس به، ليس لأنه معصوم ومنزه عن الخطأ، ولكن لأن ثمة مصلحة وطنية ضرورية تقتضي ذلك في الوقت الراهن. علما بأن أي انتقاص من دور الجيش أو مساس به يصب مباشرة في صالح الثورة المضادة، التي تسعى لإعادتنا إلى حظيرة الحقبة السوداء التي مر بها الوطن. ولأنه ليس معصوما أو منزها، فلنا أن نعاتبه ونحاسبه ونعارض مواقفه. وذلك كله انطلاقا من الحرص على تصويب مسيرته وإنجاح مهمته. على العكس تماما مما استهدفته الهتافات المسيئة التي رددها البعض.
< إن ثمة أمورا حدثت بعد الثورة لم يجد لها المجتمع المصري تفسيرا مقنعا، الأمر الذي حير كثيرين ودفع آخرين إلى إساءة الظن. من ذلك مثلا أن أبرز ركائز النظام السابق الذين يحملهم المجتمع مسؤولية الفساد السياسي طوال عهد مبارك ظلوا مطلقي السراح طوال الوقت، ولم تتخذ ضد بعضهم إجراءات تذكر إلا بعد شهرين من تنحي الرئيس السابق، وفي أعقاب ضغوط قوية مارسها الشارع. وفي حين اهتمت السلطة القائمة بملاحقة المشتبه في ضلوعهم بالفساد الاقتصادي، فإنها لم تول الفساد السياسي نفس القدر من الأهمية، وكان غريبا أيضا أننا وجدنا مثلا أن وزير الداخلية الذي يفترض مسؤوليته عن التعذيب والقتل وتزوير الانتخابات قدم إلى المحاكمة بتهمة غسيل الأموال، ولم يفتح بعد ملف جرائمه وجناياته الأخرى، الأخطر والأفدح. وجدنا أيضا أن من ذكرت اسمه في واقعة إطلاق الجمال والخيول على المتظاهرين في 2 فبراير الماضي، ظهر اسمه مرة أخرى متهما بالضلوع في فوضى ميدان التحرير يوم 8 أبريل الحالي، وحينئذ فقط ــ بعد شهرين تقريبا ــ صدر قرار النائب العام بضبطه وإحضاره. وجدنا كذلك أن المسؤول الذي فتح الباب على مصراعيه لتبديد الثروة العقارية ونهبها في مصر، والذي أغرق الجميع في بحر الفساد الواسع، ظل مطلق السراح أيضا ولم يفكر أحد في مساءلته إلا أخيرا جدا.
< يثير الانتباه في هذا السياق أن المجلس العسكري تعامل بسرعة وحزم مع بعض الذين ألقى القبض عليهم أثناء المظاهرات، إذ قدم هؤلاء خلال أيام قليلة إلى المحاكمة العسكرية، التي سارعت بدورها إلى إصدار أحكام بحبسهم لمدد تراوحت بين عدة أشهر وثلاثة سنوات، في حين أن مساءلة رؤوس الفساد ورموزه اتسمت بالتمهل والبطء الشديدين.
< إن وجود الرئيس السابق في شرم الشيخ واستمرار ممارسة رئيس ديوانه وكاتم أسراره لعمله في مكتبه بالقاهرة (حتى الخميس 7/4)، وما قيل عن خطوط مفتوحة بين مقره في شرم الشيخ وآخرين من أعوانه في العاصمة، كان مصدرا آخر للبلبلة التي فتحت الشهية لإطلاق شائعات أثارت مخاوف كثيرين وقلقهم على مصير الثورة، ناهيك عن أن كثيرين لم يفهموا كيف أن مصر شهدت كل ذلك الفساد المروع الذي تتكشف وقائعه يوما بعد يوم، ثم لا يساءل أو يحاسب المسؤول الأول عن تلك المرحلة.
< إن اتصال المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالمجتمع لم يكن بالكفاءة المرجوة. فالإعلام الرسمي المتمثل في التلفزيون والإذاعة كان مرتبكا، حتى أنه تجاهل تقريبا التعديلات الدستورية التي طلبها المجلس، أما الصحف القومية التي كانت لسان حال نظام مبارك فقد شغلت بتبييض صفحتها وبالمزايدة على ثورية الآخرين. ومن ثم شغلت بإدانة النظام السابق بأكثر من انشغالها بالتفاعل مع النظام الجديد. وكانت النتيجة أن الناس لم يفهموا كثيرا من التطورات التي حدثت، الأمر الذي أوقعهم في حبائل البلبلة والشك. وفي حين ظل البعض يعاني الحيرة ويردد الأسئلة المعلقة، فإن آخرين سارعوا إلى تفسير بعض الوقائع باعتبارها تعبيرا عن «التواطؤ» مع النظام السابق. وحين أصدرت الشؤون المعنوية للقوات المسلحة الملحق المجاني الذي وزع مع جريدة الأهرام يوم الجمعة (8/4) وأرادت به الدفاع عن موقف المجلس العسكري، فإن الوقت كان متأخرا ناهيك عن أن المرافعة كانت خطابية وإنشائية، وكان الرنين فيها أقوى من الإقناع.
(3)
إذا كان هناك ما يمكن أن يقال بحق ممارسات المجلس العسكري الذي ربما التمسنا له أعذارا في بعض المواقف، فإن الكثير يمكن أن يقال بحق «الثوار» الذين تعددت مجموعاتهم وتباينت مواقفهم حتى ظهر بينهم من زايد على الجميع.
في هذا الصدد، فإننا ينبغي أن نذكر بثلاثة أمور أولها أن الثوار كانوا يعرفون جيدا هم ضد ماذا، لكنهم لم يكونوا يعرفون هم مع ماذا. وإذا كانوا قد تحدثوا عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فإن الأغلبية لم تكن تعرف كيف؟ ثانيها أنهم كانوا قبل انفراط عقدهم يمثلون كل الاتجاهات الوطنية في مصر، باختلاف مشاربها ومقاصدها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إضافة إلى آخرين لم يكونوا إلى جانب هؤلاء أو هؤلاء. الأمر الثالث الذي سبق أن نبهت إليه هو أنهم كانوا يمثلون الشعب المصري في مجمله وليس الشباب وحدهم الذين كان دورهم فاعلا حقا ولا ينكر، لكن دور غيرهم كان لا غنى عنه وبغيره ما كان للثورة أن تحقق أهدافها.
رغم أننا لا نستطيع أن نعمم على كل الشباب، لكننا لا نستطيع أيضا أن نتجاهل ممارسات كثيرة صدرت عنهم ونسبت إليهم، أساء فيها بعضهم فهم حفاوتنا بهم وتقديرنا لهم. وكانت النتيجة أن أولئك البعض تصوروا أن البلد يجب أن يسلم إليهم بحيث تدار الدولة من الميدان أو الشارع. ولم أفهم مثلا مطالبة بعضهم بكتابة الدستور في ميدان التحرير وليس من قبل، رجال القانون والسياسة والفكر الذين اعتبروا أن قيامهم بهذه المهمة سرقة للثورة. وبدلا من وقوفهم وراء انتخاب مجلس تشريعي نزيه يصدر القوانين ويراقب أداء الحكومة، وجدناهم يطالبون رئيس الوزراء بالمشاركة في إصدار القرارات، واستغربنا أن يخصص لهم الرجل غرفة في مقر الحكومة. أما الأكثر غرابة فقد كان مطالبة بعضهم بالاشتراك في انتخابات عمداء الكليات والإشراف على «الكنترول» الذي تودع فيه أوراق الامتحانات ونتائج رصد الدرجات، ومطالبتهم بمراقبة عمل المحافظين وتولي مهام مجالس المحافظات... إلخ.
هذا الشطط ينبغي أن يوضع له حد خصوصا أن رياحه تكاد تعصف بقطاع الإنتاج في مصر، إذ كما أن بعض الشبان يريدون إدارة البلد، فلماذا لا يتولى العمال إدارة المصانع وطرد مديريها وأصحابها، وهذه وتلك من قبل الممارسات التي يظن البعض أنها تفعيل للثورة، في حين أنها تمهد الطريق لنجاح الثورة المضادة.
(4)
صحيح أن التظاهرات شكلت عنصرا ضاغطا دفع المجلس العسكري إلى التحسب له، بدليل أن بعض قراراته المهمة أصبحت تتخذ يوم الخميس وقبل حلول يوم الجمعة، إلا أننا ينبغي أن نعترف بأننا ما زلنا نفتقد قيادة واضحة المعالم والأفكار تعبر عن الثورة، الأمر الذي فتح الباب لكي ينتسب إليها ويزايد عليها البعض، ومما يؤسف له أن التجمعات التي برزت معبرة عنها لم تنجح لا في التنسيق بينها ولا في ضبط وتنظيم التظاهرات التي لم تعد تعرف من يدعو إليها ومن يشارك فيها.
في الوقت ذاته فإننا صرنا ندفع ثمن غياب مؤسسات المجتمع المدني في مصر. فالأحزاب التي خلفها النظام السابق أشهرت إفلاسها، والنقابات المهنية لا تزال أسيرة حالة الشلل التي فرضت عليها منذ أكثر من 15 عاما، والنقابات العمالية في غيبوبة كاملة، والمنظمات الأهلية الممولة أغلبيتها من الخارج ضعيفة التأثير ولا يكاد يسمع لها صوت.
كأننا بإزاء ثورة لها جسم دون رأس، ومجتمع يعاني الفراغ وهشاشة بنيانه الداخلي، وإذا أضفت إلى ذلك أن النخبة باتت مشغولة بانقساماتها واحترابها الداخلي بأكثر من انشغالها بهم الوطن وإنقاذ سفينته المنهكة والموشكة على الغرق.
إذا صح ذلك التحليل فإنه يصور لنا كيف أن المسؤولية التي يتحملها المجلس العسكري وحيدا أشد جسامة مما نتصور، كما أنه ينبهنا إلى خطورة الحملة المشبوهة التي تشكك فيه وتسعى للوقيعة بينه وبين الشعب. وهو ما يدعوني إلى القول بأنه إلى أن تقوم للحكم المدني أية قائمة، فينبغي أن يتوافق الوطنيون الغيورون على البلد على أن استمرار المجلس هو الحل.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
582
| 12 أكتوبر 2026