رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبحت العناصر التي كانت تُعدُ من الكماليات بالنسبة للأجيال السابقة، مثل ملكية المنازل والسيارات الخاصة وقضاء العطلات في الخارج، من الأمور الشائعة لدى الأسر التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة في العديد من الاقتصادات خلال العقود الأخيرة، بما في ذلك منطقة الخليج العربي. وقد انعكس هذا الاتجاه بشكلٍ جزئيٍ خلال السنوات الأخيرة، وينطبق هذا الوضع بشكل كبير على ملكية السيارات الخاصة. وتبرز إحدى الإحصائيات من الولايات المتحدة الأمريكية أن المدفوعات الشهرية لصفقات تمويل السيارات الجديدة متوسطة المدى قد ارتفعت من حوالي 400 دولار إلى أكثر من 750 دولارًا بين عام 2019 وأوائل عام 2023، وحتى أن تكلفة اقتناء سيارة ثانية بحالة جيدة ستتجاوز 500 دولار شهريًا. علاوة على ذلك، يأتي هذا في وقت ترتفع فيه أسعار الفائدة والتضخم في السلع والخدمات الأخرى.
إنه اتجاه عالمي، لا يقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية، ويتبع مزيجًا من اضطرابات سلسلة التوريد ونقص الرقائق والتضخم على نطاقٍ أوسع منذ عام 2020. وفي بداية تفشي جائحة كوفيد-19 في عام 2020، تراجع الطلب على السيارات بسبب إجراءات الإغلاق، وكان لدى مصنعي السيارات مخزون كبير، وقدموا خصومات مرتفعة. كما حدوا من مستويات الإنتاج، لكن الطلب انتعش بعد ذلك بسرعة أكبر من المتوقع وأدى التوسع في الإنتاج إلى حدوث مشاكل في سلسلة التوريد. وكان النقص في الرقائق الدقيقة ملحوظًا للغاية، حيث أصبحت السيارات الحديثة مؤتمتة بشكل متزايد، إذ تتميز بوجود حوالي 100 متحكم دقيق. وتشكل تايوان والصين مراكز التصنيع الرئيسية للرقائق الدقيقة، وقد تم إغلاق المصانع لفترات طويلة بسبب الجائحة.
كما ارتفعت أسعار العناصر الأخرى في سلسلة التوريد مثل الشحن، والخدمات اللوجستية، والعمالة والكهرباء. وكانت هذه المجموعة من العوامل هي التي دفعت أسعار السيارات الجديدة إلى الارتفاع بشكل حاد بين عامي 2020 و2022. وبالتالي، ارتفعت أسعار السيارات المستعملة أيضًا بنسبة 20٪ في الإمارات العربية المتحدة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2022 على سبيل المثال. وفي بداية عام 2023، بات من الممكن بيع بعض أنواع السيارات التي تكون بحالة ممتازة في قطر بنفس سعر شراء السيارة الجديدة خلال الأيام الأولى من تفشي جائحة كوفيد-19. هذا وضع غير مسبوق في قطاع معروف بانخفاض الأسعار مع الاستعمال.
وبحلول بداية هذا العام، ومع انتهاء إجراءات الإغلاق واحتمال وصول مستوى التضخم إلى ذروته وتراجع النقص في الرقائق، كان هناك بعض المؤشرات على أن أسعار السيارات ستنخفض أو ستصل على الأقل إلى مستوى ثابت. ولكن ما حدث أيضًا خلال هذه المرحلة هو أن كبار مصنعي السيارات قد حققوا ارتفاعًا في الأرباح، وهناك دلائل على أنهم حريصون على الالتزام بنموذج العمل المعدل للحفاظ على انخفاض المخزون وتحقيق هوامش ربح مرتفعة. وقد ذكر ذلك كبار المصنعين مثل فورد، وتويوتا ونيسان، بحسب وكالة بلومبرج.
وقد انخفضت المخزونات من حوالي 60/100 يوما قبل انتشار الجائحة إلى حوالي نصف هذا الرقم بحلول أوائل عام 2023. وتتمثل الفائدة الإضافية للشركات المصنعة من جراء ذلك في خفض تكلفة التخزين. لذلك، رغم انخفاض مبيعات المركبات الخفيفة سنويًا في الولايات المتحدة من حوالي 17 مليونا إلى 14 مليون سيارة خلال الفترة من عام 2019 إلى عام 2023، إلا أن شركات صناعة السيارات حققت هوامش أرباح أعلى، مما يشجعهم على إبقاء الإنتاج بأعداد أقل وهوامش ربح أعلى.
وتوفر هذه الظروف إغراءات للمنافسين منخفضي التكلفة لمحاولة الحصول على حصة في السوق، وتمثل بعض السيارات المصنعة في الصين عامل جذب منخفض التكلفة. وهذه السيارات ليست رخيصة بالمعايير التاريخية، لكنها مع ذلك، اكتسبت شعبية متزايدة في قطر ودول الخليج الأخرى، حيث تقدم جودة عالية ومواصفات مرتفعة بحوالي نصف سعر السيارات الألمانية أو اليابانية الأكثر شهرة، رغم ملاحظة أن سعرها في قطر أعلى من الدول المجاورة بنسبة 10%، وذلك لسيارة بنفس المواصفات والضمان. وقد يكون ارتفاع سعر السيارات في قطر مبنيا على أن الكمية المباعة أقل من الأسواق المجاورة (بسبب حجم السوق المحلي) والحاجة إلى تحقيق ربحية أعلى لتغطية التكاليف.
وهناك أيضًا مشكلة تتعلق بتنظيم السوق، حيث ان هناك سوقًا "رماديةً" يستطيع بعض تجار السيارات المستعملة من خلالها شراء سيارات جديدة بكميات كبيرة من الوكيل المحلي في الدولة أو الدول المجاورة، مما يؤدي إلى الاحتكار ووجود السيارة لدى هؤلاء التجار وبيعها للمستهلك بهامش ربح مرتفع قد يتجاوز 30% من سعر السيارة الأصلي لدى الوكيل، خاصة في بعض أنواع السيارات الفارهة أو المطلوبة بشدة لدى المستهلك المحلي. وهناك الكثير من الخطوات التي اتخذتها الدول المجاورة للحد من الأثر على المستهلك وحمايته، عن طريق زيادة الرقابة على سياسات البيع، وزيادة الشفافية بنشر الأسعار وكميات السيارات المستوردة وتاريخ وصولها، وخطوات أخرى يجب على الجهات المعنية في الدولة دراسة تطبيقها في السوق المحلي لحماية المستهلك مع عدم الإضرار بالسوق المحلي واستقرار القطاع الخاص.
ولعقود طويلة، كان سوق السيارات مستقرًا نسبيًا، حيث أظهر ارتفاعات مطردة في المبيعات والأسعار على مستوى العالم بما يتماشى مع صعود الطبقة المتوسطة في العديد من الدول. وقد أدى تفشي جائحة كوفيد-19 بالإضافة إلى مشاكل سلسلة التوريد ذات الصلة والجهود الرامية لخفض الانبعاثات إلى حدوث تغييرات كبيرة خلال السنوات الأربع الماضية تجاوزت التغييرات التي حدثت خلال العشرين عام الماضية. وهناك اتجاهات ثابتة تشير إلى تزايد عمليات الأتمتة والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، ولكن من المرجح أن تكون الأسعار وديناميكيات السوق مضطربة وغير متوقعة على المدى المتوسط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5253
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3837
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026