رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أن نشبت ثورات الربيع العربي، ونظرية المؤامرة تتمتع برواج كبير، خصوصا في أوساط الدولانيين statists، المسكونين بهاجس تفكك الدولة كمشروع سياسي، والذين استقر في وجدانهم أن هذه الثورات لم تقم إلا بغرض الإجهاز عليها وتفكيكها تنفيذا لمخططات الفوضى الخلاقة.
أنصار هذه النظرية يعتبرون أن الثورات هي عملية مفتعلة، نفذتها أذرع الخارج في المنطقة بغرض الثأر من المشروع القومي الذي انتصر في صراعه مع الإمبريالية في منتصف القرن الفائت، إبان حروب التحرر من الاستعمار، وكأن الأمر هنا يتعلق بتصحيح خطأ تاريخي، فالفكرة القومية التي شجعها المستعمر لتفكيك الإمبراطوريات التي كان يسعى لغزوها، أصبحت بعد ذلك أداة أساسية من أدوات التحرر الوطني وطرد المستعمر، الأمر الذي مثل طعنة للقوى الكبرى تحاول الآن ردها من خلال العمل على تفكيك هذه الدول.
وفضلا عن هذا الثأر التاريخي، فإن الإمبريالية المعاصرة — وفقا للنظرية — لم تعد بحاجة إلى التظاهر بالاستمرار في دعم الدول ذات السيادة. صحيح أن هذا الدعم كان ضروريا في أعقاب الحرب العالمية الثانية لإشعار الدول الضعيفة والمهزومة بأنها على قدم المساواة مع الدول الكبرى المنتصرة، ومن ثم تقليل احتمالية مقاومتها للتنظيم الدولي القائم وقتها، إلا أن هذه الأفكار قد استنفدت أغراضها، وأصبح من الممكن إعادة تخطيط العالم وفقا لكيانات أولية صغيرة، ليس لها قوة الدولة ولا استقلاليتها، كيانات مشغولة طوال الوقت بالتنافس الدائم والصراع المستمر فيما بينها، لا تحتكر القوة ولا تشكل من ثَمَّ خطرا محتملا على مصالح القوى الكبرى.
صحيح أن العالم المكون من مثل هذه الوحدات الأصغر سيكون أكثر فوضوية، إلا أن حالة التفكك والضعف الإجمالية التي ستكون عليها هذه الوحدات الصغيرة سوف توفر درجة عالية من الاستقرار بالنسبة لمصالح القوى الكبرى، والتي سوف تنتقل من مرحلة حماية الاستقرار (الذي كانت توفره الدول القومية) إلى مرحلة إدارة الفوضى (المقترنة بهذه الثورات) كما يؤكد أنصار النظرية.
ووفقا لهذا التفكير فإن قيام القوى الكبرى بتحفيز سيناريوهات التفكيك والفوضى الخلاقة يعد ضروريا للحفاظ على أمنها، وإطالة أمد بقاءها في زعامة العالم. فالتفكيك المتعمد هو شرط للقضاء على الأفكار الوحدودية التي تهدد استمرار الإمبراطورية الغربية، كما أن نشر حالة من الفوضى يحول دون نشوء زعامات متنمرة تتحدى القوى المهيمنة.
وتذهب النظرية إلى القول إن تفكيك الحدود وتكوين شعب عالمي صار أمرا محتملا بعد أن تطورت إمكانات التغلغل العابر للحدود، عبر قنوات الإعلام الفضائي وشبكات الاتصال وثورة المعلومات، والتي ترتب عليها نشوء نسخة حديثة من "المواطنة" يتواصل أفرادها عبر وسائل الفضاء الافتراضي، وليس عبر وجودهم على نفس الإقليم.
ولهذا يؤمن أنصار نظرية مؤامرة الفوضى الخلاقة أن الاسم الصحيح لثورة المعلومات التي مهدت الطريق أمام ثورات الربيع العربي، هو "فوضى المعلومات"، وأن إتاحة تكنولوجيا الاتصال بعرض العالم لم تكن سوى خطوة مشبوهة قامت بها الدول الكبرى بغرض تمهيد المسرح الداخلي في الدول المستهدفة وإيجاد الظروف المناسبة التي تؤهل لصنع هذه الحالة من الفوضى.
والمخطط الأساس لهذا السيناريو — وفقا للنظرية — هو الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها راعية الفوضى الدولية. فيما تقف لها روسيا بالمرصاد، بوصفها راعية التكامل الإقليمي. ولهذا تسارع الأنظمة المعادية لثورات الربيع العربي إلى مد جسور التفاهم مع الروس، فيما تؤكد تصريحا أو تلميحا وعيها بمؤامرات الأمريكان.
قد تبدو الافتراضات السابقة كما لو كانت تحوي قدرا من المنطق، ولكن المواجهة التي تدور رحاها الآن بين الدولتين المذكورتين، الولايات المتحدة "راعية الفوضى الخلاقة"، وروسيا "نصيرة الدول القومية"، بمناسبة الأوضاع في أوكرانيا، توفر لأصحاب نظرية المؤامرة فرصة لإعادة النظر في مقولاتهم والتوقف قليلاً لمراجعة ما يؤمنون به.
ففي هذه الأزمة تبدو المواقف معكوسة، فروسيا التي لم تعترض على خطوة الإطاحة بالرئيس المنتخب في مصر، وسارعت بالاعتراف بالتطورات الجديدة فيها بوصفها تصب في مصلحة التكامل ومقاومة الفوضى، هي نفسها التي ترفض الاعتراف بالتطورات السياسية المماثلة التي شهدتها أوكرانيا، وتحاول استقطاع شبه جزيرة القرم منها، بعد استفتاء يتوقع أن يكون صوريا، أما أمريكا التي يفترض أن تكون وراء سيناريو الفوضى الخلاقة عبر العالم فتشدد على التكامل الإقليمي لأوكرانيا وترفض منطق التفكيك الذي يلوح به الروس، وتتهددهم بعقوبات إن هم مضوا قدما فيه.
صحيح أن فهم الوضع في أوكرانيا يتطلب مساحة أكبر وتحليل أعمق، ولكن المقصود من استدعائه كشاهد هنا هو التأكيد على أن افتراضات الدولانيين قد لا تصلح لفهم الواقع، خاصة افتراضهم أن أمريكا وراء ثورات الربيع العربي بهدف نشر الفوضى، فالدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا، مازالت تراهن على استقرار حلفائها، وكان يناسبها أكثر ألا تنشب الثورات من الأساس، وسوف تسارع متى سنحت الفرصة للاعتراف بأي انقلاب تم أو سيتم على انظمة الربيع العربي. فالفوضى ليست بديلا مأمونا يمكن الرهان عليه، خصوصا بالنسبة لدولة لها مصالحها الثابتة التي لا يمكن ضمان استمرار تدفقها من دون "أنظمة مستقرة" تدور في فلكها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026