رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لذا استحضر الكاتب شخصية (حنون) والاسم له أكثر من دلالة، حنون في دار الآخرة ومنكر ونكير يحاسبانه وهو في تلك الحالة يستحضر واقع الربيع العربي عبر استحضار سيرة (بو عزيزي) ذلك التونسي الذي أشعل النار في الجسد فأشعل فتيل الثورة في تونس الخضراء. ولقد وفق المخرج في تجسيد معاناة الإنسان العربي عبر العربانه. حيث يعيش في بؤس وشقاء مع أن نهرين يغذيان وطنه (دجله والفرات) بجانب الغاز والنفط ولكن المخرج كان ذكياً وهو يطرح أكثر صور البؤس عبر هذه الأسرة ومعاناته وان اتخذ من الآخرة محوراً للأحداث، للعربة الخشبية دلالات عدة، وكان بحق عنصراً مكملاً لأداء الفنان عزيز خيون، في كل أجزاء العمل، عربانه مع هذا عرض تصادمي وإن غلف في أجزائه بالمباشرة. ولكن لم تكن مباشرة فجة, بل عميقة الدلالات.
لا أدري لماذا تذكرت برخت ورائعته الأم شجاعة وويلات الحرب والدمار، ومع التشابه في تجسيد ويلات الحرب. فإن الأم شجاعة الأكثر تأثيراً على النفس مع أن المنهج البرختي لا يطرح هذا الإطار كجزء من اللعبة الدرامية. أعود فأقول إن عربانه – العراقي – كانت صرخة احتجاج على واقع مأساوي يعيشه المواطن العربي، سواء كان في العراق، سوريا، ليبيا، مصر، تونس أو غيرها من المدن العربية المضمخة برائحة التاريخ والحضارة. عرض جميل والأجمل لو تخلص من المباشرة. ولكن كل شيخ وله طريقته، واعتقد أن الهدف طرح معاناة الإنسان العربي في بغداد الرشيد. لعل أحدهم يصحو من غفلته، فلا يفجر ذاته ويقتل الأبرياء. نعم المباشرة والوعظ قد همشا جماليات العرض. ولكن ما يشفع للعرض اختيار هذه الكوكبة من المؤدين وعلى رأسهم فارس المسرح عزيز خيون.
80 درجة (لبنان): هذا العرض أقرب إلى الأعمال النفسية حيث استبعدت الشخصيات من الإطار التقليدي والمتعارف عليه إلى عالم الحلم. وأكثر ما في العرض الأداء المتناغم من فريق العمل، ذلك أن الموضوع يطرح نماذج لشخصيات تتصرف بشكل يثير الاستغراب، جنرال متقاعد وزوجته وأخته. وكيف يمارسون حياتهم في ظل ظروفهم (الشيخوخة، التقاعد.... إلخ) وهل للحياة أي معنى؟ إنهم يعيشون في إطار من العبث. عرض وإن طرح إشكالية حقيقية. إلاّ أن هذا الإطار من المسرح المرتبط بطرح بالمواضيع النفسية قد بدت غريبة على بعض المتلقين، هل ما زلنا تحت تأثير المواضيع الواقعية؟ مجرد سؤال!!
الدرس (تونس): بادئ ذي بدء أريد أن أعرف ما الذي أخذه الكاتب – كاتب النص غازي الزغباني – من يوجين يونسكو؟ ذلك أن هذا العمل قد شاهدته مراراً وتكراراً وأنا طالب أدرك المسرح عبر النشاط الطلابي، كما أن هذا العمل قدم كثيراً في العديد من المهرجانات والموضوع يتلخص بين الأستاذ وطالبة تدرس الدكتوراه، والعلاقة محصورة في طاولة الدرس. هناك بون شاسع بين وجهتي نظرتهما للحياة. في العرض كانت المباراة الحقيقية بين كليهما في الأداء (نعمان حمده وسيرين بالهادي) وهذا العرض ضمن ثلاثة عروض تونسية أخرى في المهرجان (سيبني نحلم – وعرض ريتشارد ولقد وفق المخرج في أن اتخذ من طاولة الدرس مجالاً للأداء التمثيلي بين عنصرين، كلاهما يملك الحضور والتميز، وتميز الممثل – الأستاذ بقدرة على الإيحاء بأنه يعاني خللاً نفسياً، ذلك أن التلميذة استطاعت أن تكون ذات استقلالية في التعامل مع تحصيلها، وهذا ما يجعل فكرة الأستاذ يتجه إلى الخلاص منها، ولا تكون هذه المطالبة الوحيدة التي تدفع حياتها ثمناً لرغبات الأستاذ المكبوتة، ولكن نكتشف أن هناك العديد من الضحايا، عرض ارتكن إلى النص العالمي، ومع أن العرض قد خلق حالة جمالية عبر الأداء المتميز، إلاّ أن اللهجات وعبر كل العروض قد خلقت فجوة لدى العديد من عشاق المسرح!
دومينو – الإمارات: كما في معظم الدول الخليجية مسرحيون شباب يقطعون بأحلامهم آلاف الأميال، كذلك في دولة الإمارات هناك جيل جديد يحمل على عاتقه أمانة المسرح. جيل يبشر بعطاء آخر. جيل له أفكاره ورؤيته. ولعل أبرز الأسماء مروان ابن الصديق الفنان عبدالله صالح، وهذا ما ينطبق مثلاً على أبناء قطر مثل أحمد مفتاح، فيصل رشيد، فهد الباكر، وغيرهم، ونصار النصار والبلوشي في الكويت، ومخرج العرض البحريني عندما صمت عبدالله الحكواتي – حسين عبد علي، في عرض دومينو كان التساؤل كيف استطاع أن يحرك هذا الموهوب كل هذا العدد من المؤدين وقد قارب عددهم على (30) عنصراً؟ كان العرض يعتمد على الرؤية البصرية والتشكيلات المختلفة في الفراغ المسرحي، وكان للرقص دوره الأساسي في إيصال فكرة الدومينو إلى المتلقي، عبر صندوق الدومينو. هذا العرض بحق اعتمد على الرؤية السمعية والبصرية، ومن ثم لعبة الجسد، والحقيقة أن هذا الإطار من اللعبة المسرحية شبه مغيب عن خشبات المسرح، ذلك أن الجمهور مازال مرتبطاً بالإطار الكلاسيكي والواقعي، ولكن هذا لا يعني أن المتلقي مغيب بسبب عدم الوعي بماهية المسرح الراقص والاستعراضي. الأمر مختلف. إذ لابد أن يكون الأمر تدريجياً ذلك أن للحوار وتكاملية بقية العناصر دورا مهما في إيصال المضمون إلى المتلقي. نعم هذا نوع من المسرح له عشاقه. ولكن. محال مثل هذه العروض المهرجانات، لقد قاسى المخرج كثيراً ولا شك وهو يمارس تمارينه حتى توصل إلى هذا الشكل الانسيابي، والجميل وخلق هذا الإطار الجمالي، نعم دومينو لعبة كما بدأ العرض عندما قال أحدهم – هنا نبدأ اللعبة – وعندها بدأت اللعبة.
المخرج في محاولة منذ الخروج بالعرض من الإطار التقليدي اعتمد على الموسيقى والإضاءة والكيروغرافيا. كان بطل العرض في العديد من المشاهد قدرة الإضاءة على خلق لوحات جمالية. واعتقد أن هذا العرض ذو ارتباط عضوي بقدرة المجموعة على خلق مشهدية جميلة، وقدرة المجموعة على التشكيل في الفراغ، ولكن هل وصل هذا العرض إلى كل المشاهدين.
سؤال ما برحت أطرحه على ذاتي، فقد غلب الشكل على المضمون وذلك عبر سيطرة الاستعراضات على الفكرة إجمالاً. نعم هناك رؤية بصرية، وهناك طاقات خلاقة عبر التعبير الجسدي ولكن المخرج قد تناسى أن زيادة الجرعة لا تفسح المجال للإبداع.
نعم ابننا العزيز مروان قد اجتهد ولكل مجتهد نصيب، ولكن السؤال أين النص، وأين ما قدمه طلال محمود، بحثت كثيراً مثل غيري واكتشفت أن طغيان عنصر على عنصر آخر في المسرح يهمش دور بقية العناصر، وجمالية المسرح في تكاملية عناصره. ابني مروان: لا تنس أن المسرح: نص، أداء، رؤية إخراجية، موسيقى، إضاءة، مؤثرات ديكور وسيطرة الرقص والاستعراض تفقد جمالية العرض. ذلك أن سيطرة عنصر على بقية العناصر تخلق فجوة كبيرة. ومع هذا ومع خروج العديد من المشاهدين، إلاّ أن التجربة ناجحة وإن كنت أؤمن بالحديث الشريف "خاطب الناس على قدر عقولهم" وإن كنت قد أزمعت على خوض غمار تجارب أخرى. فلابد من الانطلاق خطوة إثر خطوة.
"يتبع"
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3417
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3036
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1215
| 01 أكتوبر 2026