رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحوار التليفزيوني المهم الذي أجري مع الناشط السياسي حمدين صباحي كان كلمة حق لا ريب، والأرجح أنه أريد بها شيء آخر.
(١)
أتحدث عن الحوار الذى أجري مساء يوم الأربعاء الماضي (٦/١) مع الرجل الذي هز بمثابة مفاجأة الأسبوع الأول من العام الجديد، حيث لا أعرف قناة تليفزيونية مصرية مكنت أى ناشط سياسى مصري من أن يتكلم بمثل تلك الصراحة التى تحدث بها. ذلك أنه لم يتجاوز سقف السيناريو المعتمد فحسب، ولكنه تجاوز أيضا بعض الخطوط الحمراء، التى لم يجرؤ أحد على تخطيها فى الإعلام المباح طوال العشرين شهرا الماضية. ورغم أن النور قطع أثناء الحوار فى «مصادفة» مستغربة، إلا أنه أتيح له أن يستمر بتلك الوتيرة طوال ثلاث ساعات.
حرص القيادي فى التيار الشعبي على أن يؤكد طول الوقت أنه ينطلق من مبادئ ثورة ٢٥ يناير وأنه يعتبر ما جرى فى ٣٠ يونيو التي شارك فيها موجة أخرى للثورة الأولى، كما حرص على أن يثبت احترامه للرئيس عبد الفتاح السيسي وحرصه على أن ينجح فى المهمة التى كلفه الشعب بها. أى أنه أراد أن يسجل أنه يتكلم من داخل النظام وليس من خارجه، ومن موقع الشريك وليس المعارض، وتحت هذه المظلة سجل عديدا من المواقف، استوقفنى منها ما يلي:
< بعد أن حيا السلطة على ما حققته من إنجازات، ذكر أن أهداف ثورة يناير التي تمثلت فى شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لم يتحقق منها شيء، وقال فى هذا الصدد إنه لا توجد رؤية واضحة للمستقبل تنبئ بالاتجاه صوب تحقيق تلك الأهداف.
< انتقد عودة سياسات وأشخاص النظام الذى قامت ضده الثورة. كما انتقد تعيين بعض خصوم الثورة أعضاء فى البرلمان.
< أجرى تمييزا بين موجة الثورة فى ٣٠ يونيو وبين الخطوات التي تتابعت وتبلورت بعد الثالث من يوليو، وبدا منحازا للأولى وناقدا للثانية. وكان نقده أشد لشيوع المظالم من خلال ممارسات الأجهزة الأمنية حتى إنه استخدم فى ذلك مصطلح «إرهاب الدولة».
< واصل انتقاداته لانتهاكات حقوق الإنسان التى تعرض لها شباب الثورة الذين حاولوا التعبير عن أنفسهم بالطرق السلمية، إضافة إلى حملات القمع التى تعرضت لها منظمات المجتمع المدني.
< تكلم عن جماعة الإخوان المسلمين فلم يستخدم مصطلح «الإرهابية» المقرر على وسائل الإعلام، وفرق بين الجماعة والحزب وبين الأعضاء السلميين أو المتعاطفين، واعتبر أن الجماعة فشلت فى إدارة الدولة وكان حظرها السياسى ضروريا، كما أن فض اعتصام رابعة كان بدوره ضروريا ولكن ليس بالأسلوب الذى تم به.
< قرر أن كل من حمل سلاحا أو مارس عنفا من الإخوان أو غيرهم ينبغى أن ينزل عليه سيف القانون بكل حزم، ولكن الأعضاء السلميين أو المتعاطفين ينبغى أن يعاملوا كمواطنين لهم الحق فى التعبير والحق فى الكرامة والحياة. وحرمانهم من التنظيم لا ينبغى أن يسقط عنهم حقهم فى المواطنة.
< أعتبر أن الأسلوب الذى تم التعامل به مع الإخوان من أخطاء جهاز الأمن فى مصر، حيث ألقى القبض على كثيرين بناء على الشبهات، وتعرض آخرون للمطاردات والترويع وقطع الأرزاق إضافة إلى تعذيبهم فى السجون وحرمانهم من الدواء، حتى الدماء التى أريقت فى فض اعتصام رابعة قال إنها دم حرام لأن دماء كل مصرى حرام. ووصف تلك الممارسات بأنها مما ترفضه الكرامة والنفس الأبية.
< قال إنه آن الأوان للكف عن تلك الانتهاكات وإطلاق صراح الأبرياء، لأن الدولة القوية يجب أن تكون واثقة من نفسها ولا ينبغى أن تلجأ إلى مثل تلك الأساليب التعسفية.
(٢)
صباح يوم الجمعة ٨/١ نوهت جريدة «الشروق» إلى الحديث على رأس صفحتها الأولى، إلا أنها وازنت الموقف بصورة لفتت الانتباه. إذ قسمت «المانشيت» قسمين. كان أحدهما كالتالي: «صباحي: أنتمي لمعارضة وطنية لا تهدم ولا تطبِّل. وإلى جواره مباشرة عنوان آخر لأحد النواب الجدد فى البرلمان قال فيه: معارضة الرئيس ليست من الوطنية. وسواء تم ذلك مصادفة أو على سبيل العمد، فإن تقسيم المانشيت بين المتحدثين بدا وكأنه محاولة ذكية من الجريدة لإمساك العصا من المنتصف، والإعلان عن أنها ليست منحازة لأي منهما، ولكن صدرها متسع للرأيين.
هذا الحذر كان مبررا لأن كلام حمدين كان بمثابة حجر كبير ألقي فى بحيرتنا الراكدة والملوثة. خصوصا حديثه عن الإخوان الذى كان بمثابة صدمة لكثيرين ممن اعتبروا «شيطنة» الجميع بغير تمييز موقفا ثابتا وخطا أحمر لا يجوز تخطيه تحت أي ظرف لذلك فإن فتح المجال لإطلاق هذا الكلام بدا أمرا محيرا ومستغربا. أسهم فى الحيرة أن حوارا من هذا القبيل لا يمكن أن يتم دون ترتيب مسبق يشمل الموافقة على المتحدث والموضوع والمحاور. لذلك فإن السؤال الكبير الذى شغل المهتمين بالشأن العام فى مصر انصب على محاولة تحري دوافع ترتيب تلك الحلقة من البرنامج.
التفسير الذى بدا راجحا فى تعليقات شبكة التواصل الاجتماعى على الأقل أن الأمر وثيق الصلة بقلق السلطة والأجهزة مما يمكن أن يحدث فى الذكرى الخامسة للثورة في ٢٥ يناير، خصوصا من جانب شباب الثورة الذين تنادي بعضهم للتظاهر فى تلك المناسبة، وارتفعت أصوات بعض الإخوان مؤيدة لتلك الدعوة. وهو القلق الذي عبرت عنه الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على بعض النشطاء من بين شباب حركة «كفاية» و«٦ أبريل» إضافة إلى آخرين من عناصر الإخوان. فى مسار مواز صدرت إشارات أخرى في اتجاه وصفه بعض الكتاب بأنه «مصالحة مع الشباب»، منها تبني رئاسة الجمهورية لمبادرة أطلق عليها «برنامج تأهيل الشباب للقيادة»، وأعلن الرئيس أن العام الجديد سيكون عام الشباب. كما نشرت الصحف أنه سيتم إطلاق سراح مائة شاب من المحبوسين خلال أيام قليلة. حتى حكم محكمة النقض بتأييد سجن مبارك وولديه فى قضية القصور الرئاسية (تزوير وإهدار للمال العام) فسر بأنه محاولة لطمأنة الشباب إلى إدانته وزوال عهده.
من وجهة نظر المخطط السياسي فإنه فى المناخ الساعي إلى احتواء الشباب وامتصاص غضبهم لا تخلو من وجاهة فكرة استضافة رمز سياسي متعاون مع النظام وله قاعدته الشبابية وميوله الناصرية كي يقوم بدور في هذا الإطار.. فيفتح قلبه ويوجه ما يعن له من انتقادات للوضع القائم، ثم ينهي كلامه بدعوة الشباب إلى عدم التظاهر يوم ٢٥ يناير بدعوى أنه لا مصلحة للوطن أو الثورة في ذلك. وبخطوة من ذاك القبيل يتم اصطياد عصفورين بحجر واحد. إذ تتوافر اللقطة الديمقراطية والفضفضة ويتحقق التنفيس الذي يمتص الغضب، وفي الوقت ذاته توجه الرسالة الأهم المتمثلة في نصح الشباب بعدم المشاركة فى المظاهرات التي تزعج السلطات وتتحسب لها.
(٣)
الشاهد أن دوافع الكلام وخلفياته احتلت حيزا من الاهتمام والتأويل أكبر من الكلام ذاته الذي فاجأ كثيرين بقدر ما أثار غضب آخرين واستنفرهم. ورغم أن حمدين تكلم بدرجة عالية من الكياسة والحذر بدا فيها ناصحا مخلصا، فإنه لم يسلم من الغمز الذي اتهمه بأنه «الشريك المخالف» القادم من عالم النسيان، الذي ظهر فجأة لكي يطفئ أنوار الفرح. ونسب إليه آخرون أنه يزايد على الجميع ويشكك في السلطة الوطنية التي لم تتوان عن الدفاع عن البلد فى الظروف الصعبة التي تمر بها، ودفع أبناؤها دماءهم وحياتهم ثمنا لذلك. واكتفى الأهرام الذي تجاهل كلام صباحى بنشر تقرير ناقد تحت عنوان: «حماة الوطن» (الحزب) يستنكر تصريحات صباحي، حيث ذكر متحدث باسم الحزب أن كلامه ضار بمصلحة الوطن... إلخ. وكان ذلك مقدورا عليه لأنه ظل فى حدود الغمز والتراشق، والتجريح الشخصي. إلا أن آخرين ذهبوا إلى أبعد، فاتهم أحدهم صباحي بالتآمر على الدولة. وقرأت على شبكة التواصل الاجتماعي أن نيابة أمن الدولة تلقت بلاغا اتهم فيه الرجل بالتواطؤ ضد مصر وتهديد الأمن القومي. وإذا صح الخبر فإن مصير البلاغ ستكون له دلالته، فإهماله له مغزاه واستدعاء حمدين والتحقيق معه ستكون له دلالة أخرى. مع ذلك فلم يخل الفضاء الإعلامي من كتابات تجاوبت مع كلام الرجل وأيدت مواقفه التي عبر عنها. ومن الذين امتدحوه من أيد مواقفه التي عبر عنها باستثناء موقفه من الإخوان.
جدير بالذكر فى هذا الصدد أن كلام حمدين صباحى عن الإخوان لم يذهب بعيدا عما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي فى حواره مع هيئة الإذاعة البريطانية (بمناسبة زيارته للندن في شهر نوفمبر من العام الماضي ٢٠١٥). إذا سئل الرئيس عما إذا كانت جماعة الإخوان يمكن أن تلعب دورا مرة أخرى في مستقبل مصر، فكان رده أن «الإخوان جزء من مصر، والشعب المصري يجب أن يقرر أي دور يمكن أن يلعبوه في المستقبل». أي أنه اعترف لهم في الإذاعة البريطانية بحقهم في المواطنة، وهو ذات المعنى الذي ركز عليه صباحي في حديثه، لكنه أغضب البعض لأنه قاله على إحدى القنوات التي تخاطب الجمهور المصرى.
(٤)
باستثناء الغمز والاتهامات والتجاوب المتحفظ فإن الملفات المهمة التي أثيرت في الحوار الذي أجراه الإعلامي وائل الإبراشي، أغلقت بعد البث ولم تستدع نقاشا يذكر، ساعد على ذلك أن الرأي العام شغل بافتتاح مجلس النواب والجدل الصاخب الذى صاحبه تشكيل هيئة مكتبه، وترددت أصداؤه في جلسته الافتتاحية، وهذا الذي أوردته يمثل جزءا من الإجابة عن السؤال: هل السماح ببث الحوار الذي استغرق ثلاث ساعات دلالة على تغيير ما في الاتجاه السياسي؟. وردي على السؤال أن البث عمل سياسي بامتياز بأكثر مما هو مهني. ومن ثم فله دلالته لا ريب. لكن تلك الدلالة تظل في حدود «التاكتيك» والمرحلية، ولا علاقة له بالاستراتيجية. وما عرضته بخصوص الصلة بين البث وبين ذكرى ٢٥ يناير يعزز ذلك الانطباع. بكلام آخر فإن العقل الأمنى الذي يحرك استراتيجية التعامل مع الأوضاع الداخلية لم يطرأ عليه أي تغيير أو تطوير. تدل على ذلك المداهمات التي تمت ضد بعض منظمات المجتمع المدني قبل يومين من بث الحوار. وتشهد به تقارير المنظمات الحقوقية عن احتجاز النشطاء ومعاملة المسجونين السياسيين. إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أن حوار حمدين صباحى كان إجراء وقائيا لمواجهة ظرف مؤقت، ولم تكن له دلالة سياسية أبعد من ذلك. إن شئت فقل إنه انفراج مؤقت فى الأفق السياسي المسدود. مع ذلك يظل ما قاله الرجل كلمة حق أعلنت على الملأ، وإن أريد بها شيء آخر. وهو ما يعنى أنها تحسب له وليس لنا ــ لذا لزم التنويه، كي لا يحمل الكلام بأكثر مما يحتمل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8751
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3759
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3126
| 30 أكتوبر 2026