رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الديمقراطية الحقيقية تبدأ من الحرية الراشدة في الشارع والمهن، والدساتير والقوانين ثم تظهر صورتها الحية في خمس مراحل تبدأ بالمحليات "البلديات" ثم النقابات ثم مجلس النواب ثم الشورى ثم أخيرا رئاسة وقيادة البلد كله، أما الديمقراطية "المنزوعة" فليس فيها هذه الحريات ولا هذه الخطوات، وإنما تُختصر البلد كلها في شخص "الزعيم" الانقلابي، ويبدو أن اشتقاقها صار في دولنا العربية حديثا من قول العرب: "الزعم مطية الكذب" فيغنِّي الجميع للزعيم: "أنا الشعب أنا الشعب"، أو كما قال تعالى في بيان الظاهرة الفرعونية: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية 38)، وقوله تعالى: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: من الآية 29)، في الديمقراطية الحقيقية الشعب هو السيد وأعضاؤه المنتخبون في المحليات "البلديات" والنقابات ومجالس النواب والشورى ورئيس البلاد كلهم خادمون للشعب؛ ولذا لم يندهش معاوية بن أبي سفيان عندما دخل عليه أحد الرعية فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالت الحاشية: بل الأمير، فقال: بل الأجير، لأنه متفرغ لخدمة الأمة كما يتفرغ الأجير لخدمة من استأجره، أما الديمقراطية المزعومة فالشعب كله أجير لدى الزعيم أو الرئيس أو الأمير أو الملك أو السلطان، وهم يكدحون لتصب أموال الدولة في جيب هؤلاء الزعماء وعائلاتهم وحاشيتهم وزبانيتهم، الديمقراطية الحقيقية هناك علاقة تراحم وتوادد وتعاون بين الشعب والسلطة لأنهم جميعا يسعون إلى خدمة الوطن وفق هذه المنظومة الرباعية: للأرض عمارة، وللشعب رعاية، وللقانون طاعة، وللسلطة معاونة فيما لم يخالف شرعا، فإذا انحرفت السلطة أو كان القانون الموروث بعيدا عن الحق والعدل فلا يجوز أن ينقلب أحدٌ فردا أو جماعة على الشعب قتلا وإرهابا، أو الأرض تخريبا وإفسادا، وإنما يستمر الجميع في المنهج الديمقراطي للشعب رعاية، وللأرض عمارة، ويُذهب إلى الصندوق لتغيير القانون والسلطة معا، أما في الديمقراطية المزعومة فإن الحاكم "الانقلابي" يبقى والشعب يذهب إلى الجحيم.
الديمقراطية الحقيقية تكثر فيها الأطياف والألوان وتتعدد الأحزاب والهيئات والمؤسسات والجامعات، والديمقراطية المزعومة الطيف فيها واحد لدرجة أن كل المساجد الكبرى في مدن إحدى الدول العربية لابد أن تحمل اسم "الزعيم"، والحياة كلها ليل دامس ليس فيه ليل ونهار، شمس وقمر، حر وبرد، أبيض وأسود، فإذا أحب "الزعيم" لونا تتحول الألوان كلها وفق مزاج "الزعيم"، وتتحول الألوان الأخرى إلى ألوان باهتة في الطيف الاجتماعي.
الديمقراطية الحقيقية هناك إقرار ذمة مالية يقدَّم مع الخطوة الأولى في الترشيح للمحليات أو النقابات أو مجالس النواب والشورى والرئاسة، ويُساءل أمام القاصي والداني من أين لك هذا؟ وقد استقال مسؤولون في الغرب لأنهم حوسبوا على ملاليم أنفقوها في غير وجهها، وفي الديمقراطيات المزعومة لا توجد ذمة أصلا، ولا ضمير، ولا خلق، وينفق "الزعيم" المال كيفما شاء، ويدخر منه لنفسه وعائلته وزبانيته وحاشيته كما يريد، ولو فكر أحد أن ينبس ببنت شفة أو يكتب كلمة فإنه يتعرض لما قاله الشاعر محمود عمر حيث قال:
إن قلت بعض حقيقة قطع اللسان
ولقد علمت مصير من شذَّ عن قانون ممنوع الكلام
فسيلحقون بجرمه مليون اتهام
ومع كثرة القهر والاستبداد تخرج بعض الأصوات من الشعوب تؤسس لهذا الجبن والهلع، والخوف والفزع، ويسود منطق الشاعر:
كن دائماً بين الخراف مع الجميع
طأطئ وسر في درب ذلتك الوضيع
أطع الذئاب يعيش منا من يطيع
إياك يا ولدي مفارقة القطـيع
أما الديمقراطية الحقيقية فمنطق كل فرد في الشعب هو قول الشاعر:
لا تسقني ماء الحياة بذلة
بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
أو كما قال الشاعر:
كل الذي أدريه أن تجرعي كأس المذلة ليس في إمكاني
أهوى الحياة كريمة لا قيد لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطت سقطت أحمل عزتي يغلي دم الأحرار في شرياني
الديمقراطية الحقيقية ترى طوابير الانتخابات مبهجة مهما كان حر الصيف أو برد الشتاء، يقفون في أمن بلا خوف من أكابر البلاطجة في الخارج والمزورين في الداخل، أما في الديمقراطية المزعومة فإنهم يقتلون الأحياء الذين يريدون أن يصوتوا لغير "الزعيم" وحزبه، ويحيون الأموات الذين تصوروا أنهم في عنقهم بيعة إلى "الزعيم" إلى يوم الدين!.
وهنيئا لأعراس الحرية والديمقراطية الحقيقية التي حلَّت بتونس ثم المغرب ثم مصر زمن الرئيس المنتخب، وعقبال فرحة عودة الشرعية، وكله يفرح ويتهنَّى.
(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ *بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم: من الآية 4 و5).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2046
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026