رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تطالب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الدولة التونسية بكل مؤسساتها إسقاط مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، لأنه يتنافى مع مسار العدالة الانتقالية، باعتبارها عملية متعددة الأوجه تتجاوز النهج القانوني الرسمي لمفهوم العدالة المعروف، والتي نص عليها الدستور ولهيئة الحقيقة والكرامة التي تشكلت للإشراف على مسار هذه العدالة الانتقالية ببعديها السياسي والاقتصادي مثلما نص على ذلك القانون الذي أحدثها وتحديدا الفصل 53.
فهذا المشروع يُعَّدُ ضرباً لهيئة الحقيقة والكرامة واعتداء عليها وعلى صلاحياتها، ولاسيَّما على صلاحيات لجنة التحكيم والمصالحة التابعة لها. فمن بين مشمولات هيئة الإشراف على مسار العدالة الانتقالية، الانتهاكات التي حصلت في مرحلة الديكتاتورية، وتطبيق استراتيجيات مكافحة الإفلات من العقاب أو « العدالة الانتقالية» لاسيَّما فيما يتعلق بكشف الحقيقة ومحاسبة الفاسدين وإيجاد ضمانات عدم العودة إلى ما وقع في عهد الديكتاتورية وجرائم الفساد ونهب المال العام قبل الثورة، وجبر الأضرار والإنصاف للضحايا، ومطالبة الدولة التونسية بتنفيذ سياسة التنحية، والعقوبات والإجراءات الإدارية الخاصة بالموظفين الكبار والصغار ورجال الأعمال المتورطين في جرائم الفساد. كما يجب على الدولة التونسية أن تشارك في عملية الإصلاح المؤسسي لدعم سيادة القانون واستعادة ثقة الجمهور وتعزيز الحقوق الأساسية ودعم الحكم الرشيد.
ليست القضايا المحورية التي تربّينا عليها ومنها القضية الفلسطينية المركزية، أكثر أهميّة من قضية محاربة الفساد، والكرامة وذود الإنسان عن نفسه من هجمة الفقر والإهمال والفساد. فالفقر في تونس بات يشكل أكثر حالة اغتراب للشعب التونسي وهو في وطنه.. وإذا عدنا إلى قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي طرحه رئيس الجمهورية بهدف المصادقة عليه من قبل البرلمان، فإن هذا القانون يقع تحت سطوة نزعة سلطوية فردية ـ وطبقة رأسمالية «أوليغارشية» فاسدة، توظف أجهزة الدولة لتمكين جذورها عميقاً في الدولة والمجتمع. فيتماهى في سياق ذلك الرئيس مع الدولة/ السلطة، فيصبح أي انتقاد لآليات اشتغال الدولة نقداً شخصياً للرئيس وبطانته وللطبقة الرأسمالية الفاسدة التي يدافع عنها. وتضيع الفواصل بين شخص الرئيس والدولة الوطنية الديمقراطية التعددية التي يناضل الشعب التونسي من أجل بنائها.. فاختصار الدولة إلى حدود سلطة الحاكم الفرد، يقــود إلى قطيعة ابستمولوجية/ معرفية وسياسية واقتصادية مع طبيعة الدولة المؤسساتية، ويحوّلها إلى سلطة ذات جوهر شخصاني- فئوي. وبالنسبة لرجال الأعمال المعنيين بهذا المشروع ـ الذي قدمه رئيسه الدولة وزكته الحكومة ـ والذي يقر نصه بتجاوزاتهم ومخالفاتهم فإن إعلان التصالح معهم قبل محاسبتهم سيعني بالنتيجة مكافأة مجموعة من الفاسدين الذين مولّوا الحملات الانتخابية السابقة للأحزاب والأطراف السياسية الفاعلة حاليا في مؤسسات الدولة لهذا السبب، تشكلت في تونس مؤخرا جبهات رفض لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية. الجبهة الأولى، وتتشكل من خمسة أحزاب معارضة خارجة عن الحكومة، وتنتمي إلى يسار الوسط. وهذه الأحزاب الخمسة تنتمي إلى العائلة الديمقراطية الاجتماعية، وهي الحزب الجمهوري (مية الجريبي) والتكتل من أجل العمل والحريات (مصطفى بن جعفر) والتحالف الديمقراطي (محمد الحامدي) والتيار الديمقراطي (محمد عبو) وحركة الشعب (زهير المغزاوي). وقد اتفقت هذه الأحزاب الخمسة قبل أسبوع على تأسيس تنسيقية وطنية فيما بينها لإسقاط مشروع هذا القانون، فضلا عن تنظيم مسيرة وطنية بالعاصمة والدعوة إلى تحركات بالجهات يوم 12 سبتمبر 2015. وللإشارة فإن العائلة الديمقراطية تضم بعض الأحزاب الأخرى لعل أهمها حزب «المؤتمر»الذي لا يلقى ترحيبا بين الأحزاب سابقة الذكر. كما أن رفض المصالحة الوطنية يشمل العديد من الأطراف الأخرى أهمها الجبهة الشعبية التي لم تكن معنية بتنسيقية العائلة الديمقراطية الاجتماعية ما يعني أن الأحزاب الخمسة سالفة الذكر قد نظرت في مشروع قانون المصالحة ورأت فيه نارا قادرة على إذابة الثلج في مشاوراتها فحاولت البحث عن قبس يعيد الروح لمبادرتها. فالعائلة الديمقراطية لا تتفق حول نوعية الالتقاء ذلك أن حزب التكتل يدافع عن انصهار أحزابها في حزب واحد فيما تدافع الأغلبية عن ائتلاف لا يقضي على خصوصية كل حزب، لكن الناحية الشكلية لا تحجب العديد من الأسباب الموضوعية.
إذا كان حزبا النهضة والنداء في النهاية خيّرا الحكم معا وتوسيع الائتلاف الحاكم ليشمل حزبي الاتحاد الوطني الحرّ وحزب آفاق تونس وبذلك يضمن الائتلاف الحكومي أغلبية ساحقة في البرلمان، فإن أحزاب المعارضة لم تتجاوز خلافاتها وبقيت رهينة «ضغائن »الماضي وأحقاده. فالجبهة الشعبية لم تتجاوز بعد علاقتها المتوترة والمتشنّجة بحزبي الترويكا سابقا التكتّل خاصة المؤتمر من أجل الجمهورية، ورغم علاقة النضال الطويلة التي كانت تجمع الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وزعيم حزب العمال حمة الهمامي وزعيم حزب المؤتمر ورئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي، فإنه ومنذ انتهاء الانتخابات بدت العلاقة فاترة بين الرجلين، كما هاجمت القيادات في كلا الحزبين بعضها ببعض في أكثر من مناسبة وحول أكثر من ملف. ورغم مواقفهما الموحدة من القضايا الوطنية الكبرى والراهنة ورفضهما لسياسات الحكومة الحالية التي يعتبرانها فاشلة وستجرّ الوبال على البلاد، فإن ذلك لم يقرّب وجهات النظر بينهما إلى درجة البحث عن أرضية عمل مشتركة. فالجبهة الشعبية ترى أن حزب المؤتمر لم يقم بدوره في حماية الدولة من تغلغل المتشددين في مفاصلها وقبل عن طيب خاطر أن يكون أحد أذيال النهضة في ائتلاف تتحكّم النهضة في قراراته دون منافسة من شريكيها، كما تتوجّه الجبهة الشعبية بالنقد اللاذع لرئيس الجمهورية السابق المرزوقي وترى أنه لم يعمل على توحيد التونسيين بل كان مطية وسببا في الفرقة والتشرذم. وفي المقابل يرى حزب المؤتمر انه الأولى بتزعّم المعارضة وهو الذي أعلن زعيمه المرزوقي عن تشكيل حراك شعب المواطنين – المعارض للسلطة.
ولعل هذا الصراع الخفي في الغالب والمعلن في بعض الأحيان سيؤثّر على وزن جبهة المعارضة لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية، والمتشكلة من العديد من الأحزاب الديمقراطية واليسارية والقومية، التي ستنزل جميعها إلى المسيرة الوطنية يوم السبت 12 سبتمبر الجاري، بهدف استخدام الشارع كوسيلة للضغط على الحكومة من أجل سحب المشروع من أروقة مجلس النواب. علماً أن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يمثل أكبر قوة اجتماعية في البلاد لم يؤيد جبهة المعارضة هذه، باعتباره أعلن موقفه الذي يتسم بالبراغماتية والوسطية، إذ يطالب بإجراء تعديلات جذرية على هذا المشروع.
وهكذا، ستكون المسيرة الوطنية اختبارًا حقيقيًا للحشد الجماهيري الذي يمكن أن يقوم به هذا التجمع الكبير من الأحزاب الرافضة لمشروع قانون المصالحة، ونقطة تصادم حقيقية مع أجهزة الأمن، لأن هذه المسيرة الوطنية تعتبرها الحكومة تحديًا صارخاً لحالة الطوارئ، الذي تعيش فيه تونس منذ آخر عملية إرهابية بسوسة في نهاية شهر يوليو الماضي، والبلاد أصبحت مهددة بحدوث عمليات إرهابية أخرى داخل العاصمة حسب تقارير أجهزة الاستخبارات الغربية. وإذا كان النزول إلى الشارع أصبح تقليدا ًنضاليًا سلميًا لدى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في تونس طيلة السنوات الخمس الماضية، فإن جبهة المعارضة الديمقراطية هذه أصبحت تخشى من عودة ممارسات الدولة البوليسية، لاسيَّما في مجال القمع للمظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية من قبل أجهزة الأمن، والاعتداءات على الحريات الديمقراطية التي أضحت من مكاسب الثورة، لاسيَّما حرية التعبير، وحرية التظاهر. لاسيَّما أنّ الائتلاف الحاكم أعلن حالة الطوارئ تحت غطاء «مقاومة الإرهاب»، ولكن الحقيقة غير ذلك، فهو أداة لضرب التحركات الاجتماعية من أجل مواصلة الالتفاف على الثورة وتمرير قوانين تخدم وتدافع عن الأثرياء والفاسدين، منها قانون المصالحة.
تخوض المعارضة التونسية اليوم المعركة ضد الفساد الذي يلتهم 27 مليار دينار من الناتج المحلي الخام(حوالي 14 مليار دولار أمريكي)، إذ سجلت تونس خلال السنوات القليلة الماضية تراجعا في المؤشر العالمي لمدركات الفساد من المرتبة 75 إلى المرتبة 79 عالميا. وحذفت حكومة الصيد الحالية من قاموسها السياسي مقاومة الفساد، وهو ما يؤشر إلى العودة إلى المربع الأول واعتبار الفساد من المواضيع المحرمة. ولأن الأحزاب الكبرى التي تتشكل منها هذه الحكومة تتجنب الخوض بعمق في ملف الفساد لتجنب الإحراج في علاقة بالمال السياسي وأيضا في علاقة هذه الأحزاب برجال الأعمال لاسيَّما المورطين منهم في قضايا فساد. ومثل التعاطي مع ملف رجال الأعمال المورطين في الفساد النقطة السوداء في سجل الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة وربما تطرح المسألة بأكثر وضوح مع الفائزين اليوم في الانتخابات في ظل وجود عدد لا بأس به من رجال الأعمال صلب البرلمان وأيضا في التركيبة الحكومية الجديدة. ويشكل مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الأخير مدخلاً خطيراً للتصالح مع الفاسدين ومع من نهبوا أموال التونسيين، نحن مع المصالحة، لكن بعد المحاسبة وفي إطار الشفافية والدستور ومسار العدالة الانتقالية. ولأنه في حال المصادقة عليه قريباً من البرلمان، سيحصن قانونيا من كل الذين شاركوا في الفساد وانتهاك قواعد الحوكمة الرشيدة، واستولوا على أراض وأموال عمومية وإن كانوا مأمورين. ونحن نشدد على ضرورة البدء بمحاسبة هؤلاء وكشف عمن أعطاهم الأوامر، ونحن نعترض على « قطع الطريق » وإعلان مصالحة سابقة لأوانها مع متهمين بالفساد ومخالفة القوانين وإن نفذوا تعليمات تحت الضغط دون التورط مباشرة في السرقة والرشوة.
إنّ إخراج البلاد من الأزمة الاقتصاديّة الخانقة لا يمرّ عبر التغاضي عن الفساد وإعادة الاعتبار للفاسدين ولناهبي المال العام بقدر ما يقتضي وضع منوال تنمية جديد موجّهة لخلق الثروة وتوفير مواطن شغل، إلى جانب اتّخاذ إجراءات جريئة أخرى أساسا، إعادة هيكلة المنظومة الجبائيّة، إعادة النّظر في المديونيّة وتعليقها، واستعادة الأموال المنهوبة، وفرض ضريبة على الثروات الكبرى، هذا ناهيك عن إصلاحات في قطاع الفلاحة، والتقدم في إحداث خلايا للحوكمة ومقاومة الفساد في صلب المؤسسات العمومية وإدراج مكافحة الفساد في الهياكل التنظيمية للإدارات وكل مرافق الدولة. وجميع الإصلاحات الكبرى المطلوبة في جل القطاعات اليوم على غرار الديوانة والصحة والطاقة والمناجم..إلخ تمر في جزء كبير منها عبر مقاومة الفساد والمفسدين. كيف ستوفق الحكومة في مقاومة الإرهاب والتهريب إذا ما كانت وصفة النجاح تمر حتما عبر مكافحة الفساد؟ والجميع يعلم أن شبكات التهريب لا تعمل بمفردها بل لها امتداد وعروق ومصالح من داخل أجهزة الدولة تتواطأ مع مافيا «الحاويات» والتجارة الموازية. والإصلاح يبدأ من مقاومة لوبيات الفساد والتهرب الضريبي لحماية النسيج الاقتصادي من جهة وحماية الفقراء من جهة أخرى.
كيف ستكسب حكومة الصيد الثقة والتأييد الشعبي إذا ما أسقطت من حساباتها تحت وقع الضغوطات الاقتصادية، موضوع مكافحة الفساد في الوقت الذي مازالت تطرح فيه هواجس ومخاوف التونسيين من ممارسات الماضي ومن بينها ما يتداول هذه الأيام حول مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجال الأعمال الفاسدين، الذين هربوا أموال تونس إلى الخارج، إذ تم الكشف مع بداية سنة 2015عن حوالي 349 حسابا سريا في بنوك سويسرية بمئات المليارات من الدنانير التونسية تعود لحاملي الجنسية التونسية من بينهم رجال أعمال وأحد المرشحين للرئاسة؟!! وهنا قد يتساءل التونسيون من سيضمن عدم تواصل نهب ثروات ومقدرات الشعب في ظل حكومة لم تقدم ولو رمزيا ما يفيد تعهدها والتزامها بمحاربة الفساد والمفسدين؟ فمشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية يحمل بشرى سارة للهيئات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، وبالتالي يحمل أيضا مؤشرات إيجابية تقدم للمستثمرين الأجانب.
بالتأكيد سيكون هناك شك قد يتحول إلى شكوك، وكلما قويت موازين الشك خفّت موازين الثقة في مناخ الاستثمار وجدية مكافحة الفساد وبالتالي في القدرة على إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وهناك خشية من أن يجد الفساد في مشروع القانون نفسا يتجدد من خلاله. فالتسويات تبقى دوما قابلة للنقاش ولا يمكن أن يحصل بشأنها إجماع وحتى التوافق، بشأن الملف الشائك، سيكون مرحليا وخاضعا لتوازنات سياسية. الأهم الآن أن لا يتحول قانون المصالحة الاقتصادية والمالية إلى فتنة كبرى، وإنما أن يحدث داخل مختلف الأوساط السياسية والشعبية جدلاً سياسياً منتجًا حول السبل الكفيلة لمحاربة آفة الفساد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2307
| 31 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2268
| 30 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1566
| 29 مايو 2026