رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قررت أن أفض الاشتباك مع الحيرة التي باتت تسكن عقول المصريين والمتجسدة في سؤال الساعة لمن تدلي بصوتك في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية يومي السبت والأحد المقبلين لمحمد مرسي أو لأحمد شفيق؟ فقد غادرتني هذه الحيرة بعد أيام من التفكر والدراسة ومتابعة الرؤى المطروحة في المشهد السياسي والأهم من كل ذلك بعد متابعة حثيثة وحميمية لطروحات كل من المرشحين سواء في برامج تلفزيونية أو عبر مؤتمرات وتصريحات صحفية وفي ضوء ذلك تيقنت أنني إذا كنت في حاجة إلى استمرار ثورة الخامس والعشرين من يناير فعلي أن اختار الدكتور محمد مرسي وليس الفريق أحمد شفيق وإليكم معطياتي
أولا : مرسي هو بشكل أو بآخر جزء من منظومة الثورة صحيح أن جماعة "الإخوان المسلمون " لم تساهم في تفجيرها لكنها لعبت دورا شديد الأهمية في عمليات الإسناد لها خاصة يوم الثامن والعشرين من يناير وهو يوم الغضب المصري والذي قدم الإشارة الأولى على نجاح الثورة وكذلك في موقعة الجمل التي احتشد فيها شباب الإخوان جنبا إلى جنب شباب القوى والحركات الأخرى في مقاومة الهجوم المضاد الذي قادته مجموعات الحزب الوطني مستعينين في ذلك بالجمال والبغال والخيول فضلا عن السلاح الحي في محاولة مستميتة للقضاء على الثوار بميدان التحرير وهي الموقعة التي حدثت في الوقت الذي كان فيه شفيق يتولى رئاسة الوزارة باختيار من الرئيس السابق حسني مبارك عندما لجأ إليه ليحسن شكل النظام ولم يتحرك ساكنا بل يمكن اتهامه مع دوائر أخرى بالتواطؤ لقتل الثوار على النحو الذي جرى به ولاشك أن دور شفيق في هذه الموقعة سيكشف عنه بشكل واضح عندما تظهر كل الملابسات بهذه الواقعة الفريدة.
ثانيا : إن محمد مرسي بالرغم من أي ملاحظات أو تحفظات عن دور أو أداء جماعة "الإخوان المسلمون "يجسد الرغبة الحقيقية في إجراء تغيير حقيقي في جوهر النظام السياسي المصري بينما صعود شفيق إلى الموقع رفيع المقام يؤشر بالضرورة إلى إعادة إنتاج النظام الذي ثار الشعب المصري وفي طليعته شبابه لإسقاطه وإزالته أيا كانت الطروحات والرؤى التي يسعى شفيق نفسه إلى تسويقها وآخرها خطابه المتهافت لشباب ميدان التحرير يوم الجمعة الفائت والذي حاول فيه استمالتهم إلى مشروعه الذي هو بالأساس محاولة لتحسين آليات نظام مبارك لأنه هو نفسه إفراز حقيقي لهذا النظام وظل لآخر لحظة يدافع عنه "وكان يعلن بعد سقوطه أن حسني مبارك أستاذه ومثله الأعلى.. فهل هذا الرجل يصلح أن يكون رئيسا لمصر خلفا للرئيس المخلوع، وهل ضحينا بأبنائنا وأحفادنا ومستقبل أبنائنا من أجل أن نعيد إنتاج النظام السابق" هذا الاقتباس من مقال للمستشار محمود الخضيري "
ثالثا: إن فوز مرسي بموقع رئيس الجمهورية يعكس انتصار الثورة ووصولها إلى واحد من أهم أهدافها وهو تغيير واجهة النظام وهو ما سيقود بالضرورة إلى تغيير جوهره ومكوناته الأساسية , صحيح أنني في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية أدليت بصوتي لحمدين الصباحي بحسبانه يجسد روح ثورة يناير وأهدافها الأساسية الحرية والكرامة والعيش والعدالة الاجتماعية ولأنه لم يعد متاحا لي التصويت له بعد أن خسر ولكن بنتيجة أكدت أنه بات واحدا من رموز التغيير والثورة فى المحروسة ليس بوسعي إلا أن أمنح صوتي لواحد أكد انتماءه للثورة ولمبادئها وإن كانت منهجيته في تطبيقها مغايرة لمنهجية الصباحي في ظل ضمانات قدمها أكد فيها – مرسي أنه لن يعمل على إقامة نظام سياسي ديني التوجه أو بمعنى آخر دولة دينية وإن كان الإسلام سيشكل المرجعية لحكمه فضلا عن تقديم تطمينات للأقباط والمرأة وتأكيد حرصه على المواطنة ولكني أدعوه إلى أن يعلن ذلك من خلال برنامج واضح القسمات والمعالم ومحدد الخطوات والآليات حتى يقنع المتوجسين والخائفين من صعود مرشح جماعة "الإخوان المسلمون " إلى أعلى مواقع السلطة السياسية في مصر وذلك حتى يحرك المترددين باتجاهه ولإجهاض المحاولات القوية التي يبذلها شفيق لتقديم نفسه باعتباره مرشح الدولة المدنية.
رابعا: أن شفيق يحاول أن يرتدي مسوح الثورة ويردد شعاراتها وخطابها المتهوج وقد حاولت أن أقنع نفسي به خاصة بعد أن عبرت الدكتورة هدى عبد الناصر ابنة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عن تأييدها له فضلا عن مقال الدكتور أسامة غزالي حرب المفكر السياسي اللييرالي والذي أيده رئيسا للجمهورية لكنه فشل- خاصة عبر حواراته التفلزيونية – فى استمالتي إليه لقد وجدت نفسي وجها لوجه أمام رجل يظهر غير ما يبطن وأظن أن الجماهير لم تعد قابلة للغواية من خلال الكلام المعسول أو اللغة الفجة التي يستخدمها على نحو هابط متجليا ذلك في مفردات سيئة الدلالات والإشارات ناهيك عن تهديده لخصومه بأساليب أمنية مريبة بالإضافة إلى أنه شديد القابلية للاستفزاز وهو ما يعني قابليته لإصدار قرارات غاضبة.
خامسا: إن الثورة ليست في حاجة إلى أحمد شفيق لأن الذين يقدمون له الإسناد اللوجستي والسياسي والإعلامي هم المنتمون للنظام السابق قلبا وقالبا وشكلا ومحتوى وجسدا وروحا وبعضهم ما زال قابضا على مفاصل الدولة المصرية بتجلياتها المختلفة وبعضهم الآخر يوجه من خارج المؤسسات الرسمية مستعينا بخبراته السابقة سواء في الحكومة أو في الحزب الوطني المنزوع الشرعية فضلا عن قبائل وعائلات في الوجهين البحري والقبلي كانت مصالحها خاصة الاقتصادية وصعود رجالاتها إلى سلطات الدولة مرتبطة بشكل أو بآخر بنظام مبارك فهل يمكن للمرء أن يمنح صوته لمنظومة ثرنا عليها ونعمل على استئصال جذورها في الواقع المصري بعد أن أودت بالوطن إلى مهالك السياسة والأمن والاقتصاد وغياب فعالية الدور الإقليمي؟
سادسا : سألجأ مرة أخرى إلى الاقتباس من مقال أخير للمستشار محمود الخضيري رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشعب وهو بالمناسبة ليس إخوانيا ولكنه ليبرالي التوجه فهو يقول في معرض إضافة مبرر جديد لرفض منح المصريين لأصواتهم لأحمد شفيق: هل ضحينا بأبنائنا وأحفادنا ومستقبل أبنائنا من أجل أن نعيد إنتاج النظام السابق، وهل بلغ بنا كره الإخوان المسلمين إلى درجة أن نضحي بأبنائنا من أجل راحة إسرائيل.. هل تعلم يا أخي العزيز الدكتور أسامة – يقصد الدكتور أسامة غزالي حرب - أن أكثر الناس سعادة بانتخاب أحمد شفيق هم أهل إسرائيل وليس أهل مصر وإليك التعليقات الآتية من الزعماء الإسرائيليين على انتخاب أحمد شفيق تدليلا على صدق كلامي:
-إعلان موشى يعلون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يريد انتخاب أحمد شفيق رئيسا لمصر لأن ذلك معناه استعادة الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل ومصر وأنه يجب على العالم تعزيز حظوظه في النجاح في انتخابات الرئاسة.
- بنيامين بن أليعازر الوزير السابق والنائب الحالي في الكنيست الإسرائيلي يؤيد انتخاب أحمد شفيق رئيسا لمصر ويعلن في القناة الأولى في التليفزيون الإسرائيلي الساعة 8 مساء الجمعة 25/5/2012 أن: «تراجع المصريين عن إلغاء صفقة الغاز أصبح احتمالا واقعيا واردا بعد تقدم شفيق».
- شاؤول موفاز الوزير الإسرائيلي يؤيد انتخاب أحمد شفيق رئيسا لمصر ويعلن في إذاعة الجيش الإسرائيلي الساعة العاشرة صباح يوم السبت 26/5/2012 بعد صعود شفيق أنه يجب عدم الاستسلام لليأس وأنه بالإمكان تدارك ما فقدناه بخلع مبارك.
أكتفي بهذا القدر ولعل الرسالة تصل إلى من يهمه الأمر
السطر الأخير:
أقيمك مملكة في فضاء الروح
وبساتين القلب
صانعة البهجة أنت
تطلين على جسدي
أتمدد في البلاد نورسا
أتمدد في الأفق البعيد
منتصرا عشقي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10596
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3666
| 10 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
3150
| 13 سبتمبر 2026