رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إنشاء كلية الإعلام في جامعة قطر الوطنية، خطوة مهمة من خطوات الاستمرار في العطاء وتشجيع البحث العلمي في هذا الوطن، مع مواصلة الارتقاء في التنوع في الكليات والتخصصات التي يطلبها سوق العمل في الوقت الراهن، والحاجة باتت ضرورية ايضا اكثر من اي وقت اخر لإطلاق برامج الماجستير والدكتوراه في الكلية الجديدة لتغذية السوق الاعلامي بالكوادر المدربة والمؤهلة لخدمة المجتمع، وهذا الشيء لن يتحقق الا بالتوسع في هذا المشروع الاكاديمي العملاق الذي ستعود فوائده الجمة علينا بكل تأكيد اذا أحسنا التخطيط له وهيأنا له المناخ المناسب لإطلاقه في القريب العاجل، فقد تأخرنا كثيرا عن مثل هذه الكلية التي يجب ان تقوم على نشدان الإبداع في الإعلام بشتى صوره.
فقد قال رئيس جامعة قطر قبل عدة اشهر عند توليه رئاسة جامعة قطر في يونيو 2015 م: ان جامعة قطر تنظر في المرحلة القادمة الى التركيز على عدة عوامل اساسية لا غنى عنها في سبيل الارتقاء بالجامعة الوطنية من خلال الاهتمام بـ: التقطير والتعريب وبناء السمعة الدولية وكلها من أولويات جامعة قطر، كما أن البرامج ستبرز كفاءات الخريجين وستلبي احتياجات سوق العمل، وأن الشراكة المجتمعية محرك رئيسي في عملية التطوير، كما سيتم الاستمرار في بناء الثقافة المؤسسية استنادا إلى إجراءات مدروسة.
** لماذا كلية الإعلام؟
قد يسأل سائل:
لم باتت الحاجة ضرورية الآن لإطلاق كلية الاعلام في جامعة قطر الوطنية، رغم ان بعض دول الخليج المجاورة قد سبقتنا بعقود وبدأت هذا المشروع الاكاديمي العملاق قبل سنوات أو عقود؟ ولعل التطور السريع في العالم عبر الاتصال والتكنولوجيا وظهور ثورة المعلومات وهيمنة شبكات التواصل الاجتماعي على الافراد والجماعات، من الاسباب التي تستدعي الاهتمام بالإعلام وتخصصاته المتشعبة مثل:
— الاذاعة والتلفزيون — الصحافة — العلاقات العامة والإعلان — النشر والإعلام الالكتروني — الاتصال والخطابة.. وغيرها من التخصصات التي يمكن اضافتها لهذه الاختيارات.
واذا بحثنا في سوق العمل الاعلامي فسنجد ان مجالات الاعلام هذه ما زالت مطلوبة سواء في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، او من خلال القطاع الخاص الذي اصبح يبحث عن المتخصصين في الاعلام ولا يكاد يجدهم في الوقت الراهن، خاصة ان البلد في توسع كبير في بنيته التحتية وهذا يتطلب الأعداد الضخمة والكبيرة في شتى التخصصات ومنها الاعلام بشكل خاص.
خاصة ان رسالة قسم الاعلام في الجامعة:
هي الاستمرار في تحسين صورة جامعة قطر باتباع خطة إعلامية محكمة من ضمنها تأمين تغطية شاملة لأخبار الجامعة اليومية والمحافظة على علاقات وطيدة مع كافة وسائل الإعلام المحلية والدولية لدعم رسالة جامعة قطر وتحقيق رؤيتها، وتقوية التواصل بينها وبين المجتمع الخارجي ومجتمعها الداخلي من خلال إنتاج وإدارة مجموعة متكاملة من الاتصالات الإلكترونية والمطبوعة عالية المستوى.
** التفاعل مع عالم الإعلام
ومن هنا:
فان العمل من الان على اخراج هذه الكلية الى النور بات يتطلب الاسراع في التفاعل مع عالم الإعلام، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى مواكبة سوق العمل في دولة قطر وخارج قطر، خاصة ان مجال الاعلام قد اصبح قادرا على استيعاب الاعداد الكبيرة من الخريجين والخريجات ورفد هذا السوق بالإعلاميين الاكفاء الذين من شأنهم المساهمة في المشهد الاعلامي، وتطوير السوق الاعلامي بما يساير رؤيتنا الوطنية 2030 وذلك فيما يخص التنمية البشرية، وعدم التوقف عن مواصلة مثل هذه المشاريع الناجحة اذا احسن التخطيط لها بالشكل الذي يليق بسمعتنا الداخلية والخارجية، التي تعدت كل الحدود وفي شتى المجالات، سواء الاقتصادية او الاجتماعية او البيئية او الصحية، ومنها كذلك الاعلامية التي ستكون كلية الاعلام من المؤسسات البارزة لتزويد سوق العمل بكوادرها المؤهلة.
فالتفاعل مع تخصص الاعلام اصبح من الامور المطلوبة في جامعتنا الوطنية، خاصة ان عالمه لم يعد محصورا في حدود معينة بل هو يتطور في كل يوم، واتذكر دائما ان هذا التخصص من اكثر التخصصات التي يقبل عليه الطلاب والطالبات بأعداد كبيرة، خاصة مع فترة الاصلاح والتطوير في الجامعة التي انطلقت سنة 2003 م، وان كان اقبال الطالبات بشكل اكثر من الطلاب بسبب عشق الطالبات للإبداع في هذا التخصص، الذي ينشدونه ويبحثون عنه دائما دون بقية التخصصات، وكان عدد الطالبات اللاتي يطلبن الالتحاق بالإعلام بالمئات وكنا لا نقبل سوى 40 أو 50 طالبة في كل فصل بسبب الامكانيات المحدودة لقسم الاعلام وبسبب ضيق حجم القاعات الدراسية التي لا تستوعب اكثر من هذا العدد.
** كلية الإعلام وريادة سوق العمل
وما من شك ان تأسيس كلية الاعلام في جامعة قطر الوطنية سوف يسهم مساهمة افضل في دعم مكانة وريادة الجامعة الوطنية كواحده من اعرق جامعات المنطقة فى العالم العربى، ومن ثم تحقيق مكانة متميزة على المستوى العالمي، وهو ما سيجعلها متفوقة في ضخ الكفاءات لسوق العمل المحلي والخارجي لخدمة تخصص الاعلام وفنونه.
وهذا الشيء سوف يجعل مثل هذه الكلية جهة مهمة لسوق العمل من خلال إعداد خريجين متميزين داخل مجالات الاعلام المتنوعة، مع العمل على تأهيلهم تأهيلاً مهنيا وعلميا وتقنيا، من خلال تلبية احتياجات السوق ومتطلبات المنافسة الشريفة محليا
وعالميا، مع الاهتمام برفع مستوى التزامهم بالمسئولية الاجتماعية والاخلاقية والمهنية تجاه هذا الوطن وقضايا المجتمع بشكل عام، هذا الى جانب الاهتمام بإجراء البحوث العلمية التي دائما ما ترتبط بأولويات المجتمع وقضاياه ومشكلاته الأساسية.
** معاملة الصحافة أسوة بالطب
تشكو مهنة الصحافة في دولة قطر من شح الصحفيين المواطنين، ولذلك يعلق البعض بأن صحافتنا اليوم بلا هوية قطرية، والسبب في ذلك هو عدم التحاق من يتخرج من قسم الاعلام بجامعة قطر منذ ثلاثين سنة وحتى الان بهذا المجال، بسبب ضعف اداء الخريجين وعدم وجود حوافز تشجيعية لهم، بجانب عدم وجود صحيفة تدريبية للطلبة في قسم الاعلام اليوم، مما جعلهم لا يجيدون تطبيق ما يدرسونه نظريا ويطبقونه عمليا، فيخرج لنا الصحفي غير المؤهل لسوق العمل فيلجأ بعد تخرجه الى الوظائف الادارية لا الصحفية، وقد اصدر مجلس الوزراء الموقر في عهد رئيس المجلس السابق قرارا بالاهتمام بتأهيل الصحفيين القطريين، والحث على توظيفهم في هذه المهنة التي لم تجد اي اهتمام حتى الآن لأنها من المهن المتعبة والشاقة، حيث لا يتخصص فيها الا القليل، ولهذا نجد ان نسبتهم في المؤسسات الصحفية القطرية اليوم لا تتعدى نسبة 1 % أو 3 % (كعمل متكامل ولا نقصد العمل بالقطعة). ولهذا فالمطلوب من جامعة قطر اليوم هو تشجيع الطلاب والطالبات على الالتحاق بتخصص (الصحافة) ودفع رواتب تشجيعية لهم اسوة بالخطوة التشجيعية التي اتخذت مؤخرا مع طلاب وطالبات كلية الطب التي تأسست قبل فترة قصيرة، وهذا هو المنطق الصحيح اذا اردنا تأهيل كوادر صحفية وطنية للانخراط بسوق العمل وتحقيق توجهاتنا الوطنية.
** كلمة أخيرة:
كلية الاعلام مطالبة بطرح برنامجي الماجستير والدكتوراه، باللغتين العربية والانجليزية معا، من خلال منطلق رؤية قطر الوطنية 2030، مع التركيز على بحوث المجتمع القطري، بجانب قضايا وأحداث الساحة الاعلامية.. والى الامام دائما يا جامعتنا الوطنية.
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب... اقرأ المزيد
516
| 04 يونيو 2026
مهندسون صنعوا الجمال بصمت.. فأين حقهم الأدبي؟
عندما نقف أمام لوحة فنية تجذب انتباهنا في معرضٍ أو صالة عرض أو بهو فندق، نتأملها بعناية لما... اقرأ المزيد
261
| 04 يونيو 2026
حكاية سوء
حكاية السوء كل من في هذه الحكاية حملة سوء وبغض وحقد واستعلاء وكبر وعلانية في العداوة، حملوا راية... اقرأ المزيد
204
| 04 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5469
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2748
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2391
| 02 يونيو 2026