رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
البكاء من خشية الله تعالى سمة الصالحين، لأنه يعبر عن صفاء القلب ونقاء النفس وطيب السريرة، ولين الجلود، وإذا أردنا أن نسعد في الدنيا والآخرة فلا بد أن نراجع أنفسنا مراجعة دقيقة ولنحاول أن نحصي بعض النعم الظاهرة، مع الإقرار بالنعم الباطنة يقول سبحانه: "وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة"، "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"، "إن الإنسان لظلوم كفار".
من هنا يبدأ الإنسان علاقته بالله تعالى، فإن وجد الخير إليه نازلا، والشر إلى السماء صاعدا، فهو جدير بالبكاء، وإن وجد النعم متلاحقة، والمعاصي متوالية فهو جدير بالإجهاش بالبكاء، وإن وجد الحق يدعوه إلى سعادته وهو يولي الأدبار، ويغرق في بحار الهوى واتخذ إلهه هواه، فهو جدير بالبكاء، وإن أطاع ربه، ولم يضمن قبول عمله، ولم يأمن غضبه سبحانه فهو جدير بالبكاء، ولله در عبد الله بن رواحة كان في ساحة الفداء مجاهدا ألد الأعداء في غزوة مؤتة وقد سبقه إلى الجنة لفيف من الشهداء، ويتقدم لقيادة الجيش في ثبات وفداء، ثم فجأة يجهش بالبكاء، فقيل أوتخاف الموت كما سبقك إليه زيد بن حارثة وجعفر أبو المساكين، فعجب من منطق هؤلاء، وقال: والذي نفسي بيده ما الموت أخاف فلقد جئت من أجله، ولكني الآن ذكرت قوله تعالى: "وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًا" واشتد في البكاء حتى أبكى من حوله، ودخل في صفوف الأعداء، حتى لحق بموكب الشهداء. ترى ألسنا أحق من عبد الله بن رواحة بهذا البكاء؟!، هو يبكي وهو يمارس ذروة سنام الإسلام، ويضع قدميه على أقرب طريق إلى الجنة ونحن – وما أدراك ما نحن؟! نحن في الذنوب غارقون، في الغفلة سائرون، في الشهوات منغمسون، في النعم الإلهية متقلبون، هل قست منا القلوب، أم ماتت فهي عن مآلها غافلة، وعن عذاب الله تعالى نائمة، نحن الذين نرفل في نعيم الدنيا أليس من الكياسة أن نجد ونتعب، نصوم ونقوم، نجاهد أنفسنا وعدونا، ونجتهد في رفعة أمتنا وأوطاننا، حتى لا يكون بكاء لا نهاية له، وعويل لا مخفف له، "وهم يصطرخون فيها، ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل" هل جفت مدامعنا بعد أن ضمنا رضا الله والجنة، أم سالت مآقينا لفوات عرض من الدنيا، لموت صديق، أو خسارة مال، أو فوات لقاء حبيب أو سفر رفيق، نعم هذه مشاعر إنسانية لكن.. أليس البكاء من خشية الله تعالى وارتقاب يوم القيامة، وخوف الحشر والميزان والصراط والنار أولى بهذا البكاء؟!
لقد بكى الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو الذي وُعد بالفردوس الأعلى من الجنة، وبكى المبشرون بالجنة حتى كان أبو بكر لا يسمع الناس قراءته من فرط البكاء، وسمي الرجل الآسف أو رجل بكاء، وكان في وجه عمر خطان من كثرة جريان دمعه على خده وكان عمر بن عبد العزيز يعلو نحيبه عندما يسمع قوله تعالى: "قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم". ألا ما أعظم البكاء إن كان في حب الرحمن، وخوف الجبار، والندم على ما فات، وإصلاح ما هو آت، فلنجرب أن نبكي وليعزم أحدنا على نفسه ألا يخرج من صلاته إلا أن يبكي فيطيل السجود المشفوع بانفطار القلب، وخشية الذنب "يخرون للأذقان يبكون، ويزيدهم خشوعا"، وفي الحديث "إذا قرأتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا" فالأمر يحتاج إلى تدريب النفس على البكاء، حتى يصير أحب شيء إليه أن يبكي بين يدي ربه، هنا فقط سيشعر أنه أسعد أهل الأرض، هنا سيشعر أن قلبه ينشرح وأن صدره يتفسح، سيرى في عينه جلاء، وفي نفسه نقاء، هنا يكون الصوم والقرآن والصلاة والذكر قد أزالوا كل الران عن القلوب، وأزاحوا القسوة عنها، إننا يا قومنا قد أثقلنا جسومنا وضيقنا صدورنا يوم رضينا بأن نطوف في أسواق الدنيا تاركين أشواق الآخرة، يوم أن فرحنا بمركب سريع، أو منصب رفيع أو حلة أنيقة أو امرأة وضيئة، ونسينا الموت والبلى، نسينا القبر وظلمته، واللحد ووحشته، والبعث وكربته، والحشر وشدته، والصراط ووقته، نسينا أن كل ما تحت أديم السماء إلى فناء، وأن الباقيات الصالحات خير، عند ربك ثوابًا وخير أملا، ألا فلنبك لنشعر بالعبودية حقا، وعندها سيتولى الله أمرنا، ويسدد على الخير خطواتنا، ولقد أذن الله ألا يجمع على عبد خوفين ولا أمنين، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، ومن أمن في الدنيا خاف في الآخرة، فهيا نبكي على ماضينا لإصلاح مستقبلنا، آنئذ نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق السعادة في الدارين معًا.
والله الموفق
سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات
إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد
30
| 12 يناير 2026
معول الهدم
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد
30
| 12 يناير 2026
سرٌ يقول يا زين هالبلد
لربما أبادركم بإفشاء سر عني ولا يعرفه إلا عائلتي والمقربون فقط من العائلة، لكني لا أراه سرا جوهريا... اقرأ المزيد
24
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1047
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
999
| 07 يناير 2026