رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جابر محمد المري

مساحة إعلانية

مقالات

555

جابر محمد المري

الإنتاجية لا تسكن المكاتب..

10 سبتمبر 2026 , 02:00ص

أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة حملة «وصل عيالك» مع بداية العام الدراسي، لتعزيز الحضور الوالدي في حياة الأبناء، وهي مبادرة تحمل في مضمونها ما هو أكبر من مجرد توصيل الأبناء إلى المدرسة؛ إنها تعيد طرح سؤال مهم حول العلاقة بين الأسرة والعمل والإنتاجية.

فتوصيل الأب أو الأم لأبنائهم إلى المدرسة ليس مجرد رحلة صباحية، بل وقت ثمين للحوار والإنصات والتوجيه، وفرصة يومية لبناء الثقة ومعرفة ما يشغل الأبناء. ومن الجميل أن نرى مسؤولين وقيادات وموظفين يحرصون منذ سنوات على توصيل أبنائهم وبناتهم بأنفسهم، لأنهم يدركون أن المسؤولية المهنية لا تلغي المسؤولية الأسرية.

بل إن هذا السلوك يمثل مظهراً حضارياً يعكس وعي المجتمع، ويؤكد أن قوة الإنسان في عمله تبدأ من استقراره داخل أسرته.

ولكن إذا كنا نريد أن تتحول هذه الثقافة من مبادرات موسمية إلى أسلوب حياة مستدام، فعلينا أن نذهب خطوة أبعد.

وهنا يأتي الدور المهم لديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي في مواصلة تحديث منظومة الموارد البشرية الحكومية، والتوسع بصورة مدروسة في ساعات العمل المرنة، والاستئذانات المرنة، والعمل عن بُعد للوظائف المناسبة، وربط الأداء بالنتائج بدلاً من الوجود المادي وحده.

فالمرونة لا تعني تقليل العمل، والانضباط لا يعني بالضرورة الجلوس خلف المكتب لساعات طويلة، والموظف المنتج ليس من يبقى في مكتبه أطول وقت، بل من يحقق أفضل نتيجة.

وهذه هي النقلة التي تحتاج إليها المؤسسات الحديثة: الانتقال من إدارة الحضور والانصراف إلى إدارة الأداء والإنجاز.

يمكن للموظف أن يكون حاضراً ثماني ساعات ولا يضيف قيمة حقيقية، ويمكن لموظف آخر في بيئة أكثر مرونة أن ينجز أكثر، ويبتكر أكثر، ويتحمل مسؤولية أكبر؛ لأن مؤسسته تقيسه بالنتائج لا بالدقائق، والأهم أن المرونة الوظيفية ليست قضية موظفين فقط، بل سياسة أسرية واجتماعية واقتصادية.

فعندما تمنح الأب والأم مساحة معقولة لإدارة مسؤولياتهما الأسرية، تقل الضغوط اليومية، ويرتفع الاستقرار النفسي، ويتعزز الانتماء إلى جهة العمل، وتصبح الأسرة أكثر تماسكاً، والموظف أكثر قدرة على التركيز والعطاء.

ومن هنا، قد يكون من المناسب التفكير في مرحلة جديدة من تطوير أنظمة الموارد البشرية تتضمن حلولاً عملية، مثل نافذة مرنة لبداية ونهاية الدوام، وساعات أسرية محددة خلال العام، وتسهيلات أكبر للوالدين خلال الأسابيع الأولى من العام الدراسي، وتوسيع العمل المرن وعن بُعد وفق طبيعة الوظيفة، مع تعزيز مؤشرات قياس الإنتاجية والإنجاز.

والجميل أن هذه المعادلة لا تتطلب الاختيار بين مصلحة الأسرة ومصلحة جهة العمل؛ بل على العكس، يمكن أن تحقق الاثنتين معاً؛ مرونة أكبر و ثقة أكبر مقابل نتائج أفضل.

كما أن تطوير التشريعات والسياسات في القطاع الخاص بالاتجاه نفسه سيجعل التوازن بين الأسرة والعمل ثقافة وطنية متكاملة، وليس ميزة مرتبطة بقطاع دون آخر.

إن الدول والمؤسسات المتقدمة لم تعد تتنافس فقط على الرواتب والمزايا، بل على جودة بيئة العمل وقدرتها على استقطاب الإنسان المبدع والمحافظة عليه. والمرونة أصبحت جزءاً أساسياً من هذه البيئة.

لذلك، فإن حملة «وصل عيالك» تستحق أن نقرأها بأفق أكبر، فإذا كنا نشجع الأب على أن يوصل ابنه، والأم على أن تكون حاضرة في تفاصيل يوم أبنائها، فمن المنطقي أن نواصل أيضاً تطوير الأنظمة التي تساعدهما على ذلك دون أن يشعر الموظف بأنه مضطر في كل مرة إلى الاختيار بين واجبه تجاه أسرته وواجبه تجاه عمله.

قطر قطعت شوطاً كبيراً في تطوير الإدارة الحكومية، والخطوة القادمة يمكن أن تكون أكثر جرأة: بيئة عمل حكومية مرنة، ذكية، قائمة على الثقة والمساءلة والنتائج.

فالمستقبل ليس لمن يملك أكبر عدد من الموظفين الحاضرين في المكاتب، بل لمن يمتلك أعلى نسبة من الموظفين المنتجين والمبدعين والمستقرين.

وهنا تصبح المعادلة واضحة:

أسرة مستقرة تصنع موظفاً مستقراً،

وموظف مستقر يصنع إنتاجية أعلى،

وإنتاجية أعلى تصنع دولة أكثر تنافسية.

ولهذا فإن تطوير قوانين وسياسات الموارد البشرية لمزيد من المرونة الأسرية ليس ترفاً، ولا أمراً مستحيلاً، ولا تنازلاً عن الانضباط؛ بل هو استثمار مباشر في الإنسان والأسرة والإنتاجية.

فاصلة أخيرة

قد تكون «وصل عيالك» بداية جميلة لفكرة أكبر:

لا نريد فقط أن نوصل أبناءنا إلى مدارسهم… بل أن نوصل بيئة العمل في قطر إلى مرحلة أكثر مرونة وإنتاجية وإنسانية.

اقرأ المزيد

وداعاً مؤسس قطر الحديثة وداعاً مؤسس قطر الحديثة

بقلوب يعتصرها الحزن نودّع من أجمع كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة من مواطنين ومقيمين على محبته... اقرأ المزيد

279

| 15 يوليو 2026

الأعراس الجماعية.. مبادرة مجتمعية تعيد للزواج رسالته السامية الأعراس الجماعية.. مبادرة مجتمعية تعيد للزواج رسالته السامية

في زمنٍ تتزايد فيه تكاليف الزواج، وتتسع فيه مظاهر البذخ والتفاخر في حفلات الأعراس، تبرز مبادرة الزواج الجماعي... اقرأ المزيد

702

| 09 يوليو 2026

مشاهير السوشال ميديا بين الواقع والوهم مشاهير السوشال ميديا بين الواقع والوهم

في السنوات الأخيرة، لم يعد تأثير مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي مقتصراً على الترفيه أو عرض أساليب الحياة المختلفة،... اقرأ المزيد

633

| 23 يونيو 2026

مساحة إعلانية