رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحياة لا تخلو من تلك الشخصيات التي تتغنى بما تتمتع به من إنسانية تتقدم كل خطواتها؛ لنشعر بها متى أَقبَلَت، ونتشبث بكل ما لدينا من قوة؛ كي تبقى معنا، فهي تلك التي نُفضل وجودها على الدوام؛ لأنها تُقلل من حجم اللحظات الصعبة التي نمر بها، (اللحظات) التي نشعر فيها بغياب كل ما نحتاج إليه ويعود نسبه إلى المدعو (أمان)، ذاك الذي يحول ملامح الألم لأخرى أقرب إلى الأمل، فتتقلص كل المخاوف، التي تنتابنا وتتناوب علينا ويفر ما تبقى منها بعيدا؛ لنظل وتلك الشخصية والأمان ثالثنا وسط موقف سنُكلله بشكر الله على كل ما أكرمنا به، فالشكر لك يا الله على الأمان الذي شعرت به وأنا في جوف معاناة انتهت على خير بفضلك أولا، ومن ثم الطبيب الذي سبق وأن تحدثت عنه في مقالي الأخير، وتحت عنوان «ما الذي يقدمه ذاك الطبيب؟».
هناك من سيجد في كلماتي هذه الكثير من المبالغة؛ ففي نهاية المطاف من أتحدث عنه هو مجرد (طبيب)، ولكني على ثقة أن من يحسب ذلك لا يُجيد الحساب أصلا، فالمريض وحين يعاني من أي مرض كان، يحتاج لمن يأخذ بيده، حتى وإن تظاهر بعكس ذلك؛ لذا وإن صادفت مريضا في طريقك أكرِمه بكلمة طيبة تمسح بها ومن خلالها على قلبه؛ لتخفف عنه ما يشعر به من ألم، دون أن تستهين بهذا الفعل أو تُقلل من شأنه، فهو ما سيُخفف عنه، ويمده بالأمل، الذي يحتاج إليه؛ ليمضي في رحلة علاجه وهو أكثر قوة وصلابة. تخيل ما سُتحدِثه كلماتك الداعمة في نفس ذاك المريض وأنت ذاك الغريب الذي صادفته، ثم تخيل إن كانت ذات الكلمات من (الطبيب) الذي يدرك حقيقة ما يعاني منه المريض، ويحرص على أن يساعده على تجاوزه، وشق طريقه نحو جملة من المكاسب أقلها ما تختزله هذه الكلمات: ستكون بخير إن شاء الله.
منذ فترة كنت قد خسرت فيها صديقة عزيزة على قلبي، بعد أن أصابها المرض بسهامه فأوقعها طريحة الفراش؛ لتصبح بعيدة كل البعد عن الدنيا، قريبة كل القرب إلى الله وتحت رحمته، خاصة بعد أن عانت من فقدان بصرها (فجأة) وليس بصيرتها، فتوجه بها الأحبة إلى المستشفى؛ بحثا عن أي علاج يمكنه انتشالها من الهلع الذي تَمَكَن منها بعد أن حرمها من رؤية صغارها، غير أنه ما لم يكن لها، خاصة وأن ملف (الحالة) -وكل ما ورد فيه من ظروف كانت تعاني منها- قد مر على العديد من الأطباء ممن أكدوا أنها قد فقدت بصرها فعلا، (اللهم لا اعتراض) ولكن يظل التمسك بالأمل، هو الأمل الأخير لمحاولات يقوم بها كل حبيب في سبيل إنقاذ تلك الحبيبة، وهو ما قد كان فعلا، غير أن من تلك المحاولات ما قد دمرها أكثر والسبب (طبيبة) لا تعرف للإنسانية شكلا، صرخت وصديقتي تلك عند باب العيادة بـ (لقد فقدت بصرها تماما، لماذا أنتم هنا؟) ولك يا عزيزي أن تدرك وقع تلك الكلمات التي وقعت على رأس ذاك الموقف؟ سأترك لك تصور ما حدث، ولن أخوض تفاصيل التفاصيل، غير أني سأقف عند نقطة واحدة وهي: أن ما حدث لصديقتي حين فقدت بصرها (حقيقة) نتفق عليها، ولكننا نختلف على الطريقة التي تبنتها تلك الطبيبة؛ لإخبارها بما كان يحدث معها، والحق أنها كانت لتبدو أهون لو أنها امتصت بإنسانيتها ذاك الموقف، وأخذت بيد تلك المريضة، التي فارقت الحياة بعد أن تركت بصمة إنسانية رائعة ستعلق في ذاكرة كل من عرفها، لا تلك الوصمة التي ستلحق بمن لم لا يمت لعالمنا الإنساني بصلة. (رحمكِ الله يا حبيبتي وأسكنكِ فسيح جناته).
إن ما عانت منه صديقتي، قد وُلد بداخلي جملة من المشاعر المضطربة، كانت سببا؛ لتجنب الذهاب للمستشفيات (ولفترة من الزمن) مضت بظهور ذاك الطبيب الذي بث الأمان في داخلي، لعظيم ما كان منه في لحظات حالكة مضت بسلام ولله الحمد، لوجوده وأمثاله في هذه الدنيا.
بعد مقالي الأخير وكل ما ورد فيه انهالت علي الكثير من الأسئلة حول ذاك الطبيب، وحاول الجميع معرفته، والحق أن من يقوم بمهامه على خير وجه، ويغمسه بإنسانيته هو من يستحق مني شكره على الملأ، وعليه كل الشكر والتقدير للدكتور/ عثمان عبدالظاهر وفريق عمله على كل ما تقدموا به من أجل مرضاهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
2664
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1452
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي، دار بيني وبين سائق الليموزين – وهو عامل من الجنسية الهندية – حوار بسيط في شكله، عميق في مضمونه. بدأته بدافع الفضول: سألته متى قدم إلى قطر؟ فقال: منذ عام 2018 وحتى اليوم. ثم استرسل في الحديث بعفوية وصدق، حتى وجدت أن مجمل ما قاله يمكن اختصاره في ثلاث نقاط أساسية، لكنها كفيلة بأن تقول الكثير عن هذا الوطن. أولًا: أهل قطر… السمعة قبل الكلام تحدث الرجل عن أهل قطر بإعجاب واضح، قائلاً إنهم ناس محترمون، متحضرون، لا تصدر منهم إساءة، ويحترمون الكبير والصغير والغريب قبل القريب. وأضاف عبارة لافتة: أحيانًا يفتعل بعض الناس مشاكل ويقولون إنهم من أهل قطر، لكننا نعرف أن هؤلاء ليسوا قطريين… لأن القطري معروف ولا يقول عن نفسه أنا قطري !، ثم ان أهل قطر معروفون بأخلاقهم. وأكد أنه لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن انطباعٍ عام لدى كثير من العمالة الآسيوية. اعتراف صادق فجّر في صدري شعورًا بالفخر، لأن السمعة الطيبة لا تُصنع بالإعلام، بل بالسلوك اليومي. ثانيًا: الأمن والأمان… سبب البقاء انتقل للحديث عن قطر كدولة، فوصفها بأنها منظمة، نظيفة، هادئة، وآمنة. وقال إنه تلقى عروض عمل في دول عربية وأجنبية، قريبة وبعيدة، لكنه فضّل البقاء في قطر، لا لشيء إلا لأنه يشعر بالأمان والطمأنينة. المدينة – كما قال – هادئة، والقيادة فيها ممتعة، والمسؤولون محترمون. وهنا لا تتحدث لغة الأرقام، بل يتكلم الإحساس. ثالثًا: الشرطة… القانون يحمي الجميع أما النقطة الأهم – في رأيه – فكانت حديثه عن تعامل رجال الشرطة. قال إن الشرطة في قطر تحترم الجميع، مهما كانت الوظيفة أو الجنسية، وإنها حريفة في أخذ الحقوق. وأضاف: إذا حدثت أي مشكلة، أنصح أي شخص بالذهاب إلى مركز الشرطة… الشرطة في قطر تستمع بهدوء واحترام، وتأخذ الحق وفق القانون، سواء كان الخصم مواطنًا أو غير مواطن. كلام يحسب لوزارة الداخلية، ويؤكد أن العدالة حين تُمارس بعدل، تصبح مصدر أمان لا خوف. خلاصة الحوار هذه النقاط الثلاث – كما قال السائق – هي ما جعله يحب العيش في قطر، ويشعر بالأمان، ويستمتع بالحياة فيها. أما بالنسبة لي، فقد كان هذا الحديث البسيط ردًا عمليًا، هادئًا، صادقًا، على كثير من التقارير والادعاءات التي تتحدث باسم حقوق الإنسان، بينما الحقيقة ينطق بها من عاش التجربة. تحية لقطر شعبًا، وتحية لوزارة الداخلية، وتحية لكل سلوكٍ يومي يصنع صورة وطن… دون ضجيج.
774
| 15 يناير 2026