رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا ليخلد البشر فيها ويتنعمون بخيراتها أجلاً طويلاً، بل لتكون قنطرة أو جسراً لحياة أخروية خالدة، وكل من فيها خالدون، وإلى ذلك الخلود الحقيقي دعانا ربنا لنتنافس عليه، ونهانا أو حذرنا من التوجه نحو خلود افتراضي غير حقيقي متمثل في حياة قصيرة عاجلة زائلة.. ولا أجد من داع لشرح الخلودين.
حياتنا هذه أو القنطرة التي نحن عليها، مليئة بالمحن والابتلاءات، وكلنا يدرك ذلك تماماً، ومصائب الدنيا أكثر مما نحصيها ونحصرها، والمحن تتنوع، مثلما تتزايد أيضاً وهذا أمر طبيعي، لماذا؟ لأننا نعيش - كما أسلفنا - في دار امتحان وابتلاء، وهذه من حقائق الحياة التي لابد أن نعيها ونتفهمها جيداً، كيلا نعيش في قلق وتوتر دائمين.
حوادث الدنيا والمحن المتنوعة إن جاء وقتها، فلن تفرق بين أحد، الناس كلهم سواسية أمامها، لا تعرف فقيراً أم غنياً، قوياً أم ضعيفاً، مسلماً أم غير مسلم، وليس هذا هو المهم بقدر أهمية الكيفية التي يتعامل الناس معها، حياتنا الدنيوية إذن ما هي إلا جملة أو مجموعة اختبارات، من بدء التكليف حتى الممات، ليخرج الإنسان بعد ذلك بنتيجة محددة: إما نجاح وانتصار أو رسوب وإخفاق، ومنا من يوفقه الله إلى النجاح من محطة إلى أخرى من محطات الدنيا هذه، ومنا من يتعثر تارة في محطة وينجح أخرى، وفريق ثالث حياته كلها عثرات، وتنتهي به إلى إخفاق والعياذ بالله.
إن تأمّل المرء منا حقيقة تلك الاختبارات أو الابتلاءات، فسيكون عاملاً مساعداً يبعث في النفس كثير هدوء وسكينة، كي لا يتألم كثيراً وطويلاً، باعتبار أن الجميع يمر بتلك الامتحانات والاختبارات، بغض النظر عن المستوى الاجتماعي والمادي وغيرهما، فالغني مثلاً يمرض كما الفقير، والثري يتألم كما المسكين، والكل يموت ولا فرق بين هذا وذاك وتلك، وهكذا.. ليس هناك تمايز بين البشر في اختبارات الحياة، التي لم يسلم منها حتى الأنبياء والأولياء، وكذلك الصادقون والصالحون، وحسن أولئك رفيقاً.
لا تستسلم للفشل
ما يهمنا في هذا السياق هو الذين يمرون باختبارات الحياة المختلفة، يتعرضون خلالها لمتاعب جمة وآلام مبرحة، فترى أحدهم وقد انتكس واستسلم للنتيجة أو الواقع، دونما بذل قليل من التفكر أو إعادة النظر والتأمل، من أجل البدء من جديد.
لكن هناك بعض آخر على النقيض، فما إن يسقط أحدهم أو ينتكس أو يتعرض لكبوة، إلا وقد قام من جديد، من بعد أن يحزن ويتألم بعض الشيء، شأنه شأن أي إنسان صاحب مشاعر فطرية لا يمكن تجاهلها، لكن صاحبنا هذا لا يطيل البكاء على الأطلال أو اللبن المسكوب – كما تقول العامة – ولا يطيل أمد الحزن على ما فات، بل تجده بعد حين من الدهر قصير، وقد بدأ يدرس الماضي وفي الوقت ذاته يعيش لحظته، متعظاً مما فات ويرسم لما هو آت، ليقينه التام الراسخ أن قاطرة الحياة تسير منذ بدء الخليقة، ولن تقف له أو تنتظره إن هو توقف لأي سبب من الأسباب.
هذه الحقيقة تدعونا جميعاً لعميق تأمل وتدبر.. فما نتعرض له من مواقف وانتكاسات وخسائر وهزائم، يجب ألا توقفنا وتؤخرنا عن مسيرة الحياة، لأن الخاسر الأكبر في تلك الحالة هو من يتقبل الهزيمة وينتكس أو يخضع ويركع للهزيمة، ومن يركع لغير الله فقد ذل وخاب وخسر.
الابتلاءات تزيد أو تشتت الإيمان
المسلم يتعلم منذ نعـومة أظفاره مسألة الإيمان بالقدر خيره وشره، وهي مسألة تجعل المرء المؤمن منا يطمئن إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف، ولكن غير المؤمن تهتز أركانه وترتجف أوصاله عند أول ابتلاء أو محنة، وبالتالي قد يضعف ويتشتت إيمانه أكثر فأكثر، تلك نقطة أولى.
النقطة الثانية في مسألة الابتلاءات، أن المؤمن موقن تمام اليقين أنه يُثاب على أي مكروه يصيبه، حتى الشوكة يشاكها له فيها أجر، أجر الألم أولاً، وبعد ذلك أجر الصبر على الألم، وقد تعلمنا من ضمن دروس الإيمان أن المؤمن أمره كله خير، إن أصابه خير فشكر كان له أجر، وإن أصابه شر فصبر كان له أجر أيضاً.
روي أن يعقوب عليه السلام في قصته مع أبنائه حين جاءوه عشاء يبكون أخاهم يوسف - كما جاء في تفسير القرطبي - قالوا له: فأكله الذئب، قال لهم: ألم يترك الذئب له عضواً فتأتوني به أستأنس به؟ ألم يترك لي ثوباً أشم فيه رائحته؟ قالوا: بلى، هذا قميصه ملطوخ بدمه، فذلك قوله تعالى (وجاءوا على قميصه بدم كذب).. بكى يعقوب عند ذلك، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقاً ولا تمزيقاً، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت كاليوم ذئباً أحكم منه.. أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يمزقه عليه! وعلم أن الأمر ليس كما قالوا وأن الذئب لم يأكله، فقال: بل زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون وتذكرون، ثم قال توطئة لنفسه: فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. يعقوب عليه السلام صبر صبراً جميلاً على ما حدث لابنه الصغير يوسف من لدن إخوته الكبار.
في قصة مؤثرة أخرى، صبرت بالمثل، أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها – في قصة الإفك، حين ضاقت عليها الأرض بما رحبت، وظن كثيرون بها ظن السوء، حتى قالت: والله ما أجدُ لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف قال (فصبر جميل، واللَه المستعان على ما تصفون). هذا هو الصبر المحمود، أو الصبر الجميل الذي سُئل عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صبر لا شكوى فيه".
خلاصة الحديث
المحن ما هي إلا أمور طبيعية في حياة البشر، تتنزل عليهم دون استثناء، وتتنوع في قوتها وطبيعتها، وإن كل ما ندعو إليه أولاً هو التضرع إلى الله في صلواتنا وخلواتنا، أن يلهمنا الصبر والقوة على مواجهة الشدائد، على اختلاف أنواعها إن وقعت، سواء في الجسم أو المال أو الأهل والولد، وأن نخرج منها ثانياً سالمين آمنين في الدنيا قبل الآخرة، ونأمل في الوقت نفسه كسب ثواب الألم في الدنيا قبل الآخرة، والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3162
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026