رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التدبيرات الإلهية عجيبة لمن أراد أن يتأملها، بها ينهي الله مصيبة، أو بها تتهيأ أرضية لبعث جديد، يصلح العباد والبلاد، لاحظها في قصص موسى - عليه السلام - مع فرعون، أو قصص صناديد قريش مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف تحولوا لمجرمين عتاة، أهلكوا الحرث والنسل. ثم لاحظ التدبيرات الإلهية كذلك مع سيف الدين قطز ومجرمي المغول، والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها هاهنا..
لكن إليك بعض التفصيلات
أبرز قصص موسى - عليه السلام - يوم أن ألقته أمه في النيل رضيعاً، ليلتقطه آل فرعون فيصنعه الله كما يشاء في عقر دار جبار من جبابرة البشر، الذي تولى أمر تربية ورعاية الرضيع نزولاً عند رغبة زوجته آسية، رغم كراهيته للأمر، غير راغب فيه البتة. لكن التدبير الإلهي يقضي عليه أن يتربى الرضيع في قصر ذلك الجبار لحين من الدهر، كي يؤدي بعد أن يكبر، مهمة معينة ضمن مهام عديدة كتبها الله عليه، تمثلت إحداها في وضع حد لفساد وظلم فرعون في وقت محدد لا يتغير، وقد كان.
جرت التدبيرات الإلهية خطوة بخطوة حتى جاءت اللحظة المنتظرة، ومن بعد أن جاوز موسى - عليه السلام - ومعه بنو إسرائيل البحر - كما جاء في تفسير ابن كثير - حيث أراد موسى - عليه السلام - أن يضربه بعصاه ليعود كما كان، كي يصير حائلاً بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله أن يتركه على حاله رهواً أو ساكناً، وبشّره في الوقت ذاته بأن فرعون وجنده مُغرقون فيه. فكان ذلك الحدث العظيم، الذي يصوم المسلمون شكراً لله كل عام، من التدبير الإلهي الذي استدرج فرعون وجنوده خطوة بعد أخرى، لنهاية ذليلة يستحقونها في عاجلتهم قبل آخرتهم.
ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد
من ضمن أمثلة التدابير الإلهية أن رتب الله نهاية غلاة الكفر ومجرمي قريش، أبي جهل وأمية والنضر وعقبة وغيرهم، في يوم لم يخطط له لا المسلمون ولا الكفار. حيث يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب قافلة قريش ليس أكثر، ليصل الخبر إلى أبي سفيان، فيطلب النجدة من مكة، وفي الأثناء تفلت القافلة ويخسرها المسلمون، لتزول بحسب المنطق، أسباب نشوب حرب. لكن التقديرات والتدبيرات الإلهية تقضي أن يعاند أبو جهل كل حكماء وعقلاء قريش، ويتجه بهم للمكان والزمان المدبّر من الحكيم العليم، ثم تقع معركة بدر الفاصلة، وخلاص العباد والبلاد من ظلم مجرمي قريش.
قاهر المغول من خوارزم
تستمر التدبيرات الإلهية لنجدها مع سيف الدين قطز وقصته مع المغول، الذين أهلكوا الحرث والنسل وعاثوا في ديار المسلمين فساداً لم يسبق له مثيل، فكانوا بلاء عظيماً على الأمة، أو ربما عقاباً قاسياً لها على التفرق والاختلاف، فاستحقت ذلك الابتلاء الشديد الأليم. لكن ولأن هذه الأمة لا تستمر على باطل وسرعان ما تعود إلى الحق، جرت تدبيرات إلهية لتصحيح الأوضاع.
المغول منذ ظهورهم وهم غارقون في القتل والنهب والأسر والهدم. يصلون ضمن طريقهم إلى دولة خوارزم، فيقتلون رجالها ويسبون نساءها ويأسرون بعض أطفالها. لا شفقة ولا رحمة ولا أخلاق أو شيء من نبل المحاربين والفرسان تضبط أعمالهم وتصرفاتهم. دولة همجية انطلقت من أقصى شمال الصين لتنطلق نحو الخارج، تنشر ثقافة الموت والهدم والخراب، وتعاند البناء والصناعة والحياة.
هكذا الأمر استمر سنين عجافاً على ضحايا المغول، إلى أن يشاء الله، وبحسب التدبيرات الإلهية، يتم أسر طفل من أطفال ملوك خوارزم لا يتم قتله كآلاف الأطفال، ولكن يتم بيعه في دمشق وأكل ثمنه، لينتقل من سيد إلى آخر. وفيما الأيدي تتناقله من هذا البيت إلى ذاك، يقع أخيراً في يد عز الدين أيبك، أحد أمراء مماليك البيت الأيوبي بمصر، ليعود قطز تارة أخرى إلى الأجواء والبيوت الملكية، كما عاشها فترة من الزمن في خوارزم، حيث خاله هو القائد العظيم جلال الدين بن علاء الدين الخوارزمي، الذي أذاق المغول في بدايات عهدهم مع جنكيز خان، الكثير من الهزائم، حتى حدث ما حدث وانهيار دولة خوارزم.
وا إسلاماه في عين جالوت
تبدأ فترة التدبير الإلهي لقطز، واسمه الحقيقي محمود بن ممدود ابن أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، إذ إن اسم قطز يعود أصله إلى اللغة المغولية ويعني «الكلب الشرس» الذي لا يمكن ترويضه. فكانت حياته مع عز الدين أيبك، بداية رعاية وصناعة قائد، سيكون له شأن في قادم الأيام بحسب الترتيب والتدبير الإلهي، وستكون نهاية التتار المجرمين على يده، كما كانت نهاية المجرم فرعون على يد موسى عليه السلام، ونهاية أبي جهل، فرعون هذه الأمة، على يد (رويعي الغنم)، عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
مما يروى أن قطز أخبر أحد المقربين عنده، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشره بمُلك مصر وهزيمة المغول. ولم يكن غريباً أن يرى الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فقد اشتهر بالصلاح والتقوى والعفاف، والمواظبة على الصلاة والصيام ومجالسة وحب العلماء، والابتعاد عن الصغائر والشبهات. وهكذا كان ينشأ ويتطور ليصل إلى اللحظة الحاسمة بمعية فاعلة مؤثرة من سلطان العلماء، العز بن عبد السلام، لتكون معركة عين جالوت الفاصلة هي المحطة النهائية لدولة الدمار والخراب، بعد أن عادت الأمة إلى ربها ودينها، وحققت معايير نزول الدعم والنصر الإلهي، فكان الحسم المنتظر في كل العالم الإسلامي. أما المغول فقد بدأ التراجع والانكسار التدريجي لدولتهم حتى انتهت من التاريخ إلى غير رجعة.
أزال قطز بلاء عظيماً عن أمة الإسلام وفق تدبير إلهي محكم، بعد أن تربى بطريقة معينة لتنفيذ مهمة محددة كانت هي الأبرز في حياته، إذ لم يلبث أن مات مقتولاً بعدها، من بعد أن تناسى قاهرو المغول دينهم وتعاليمه سريعاً، فوقع الخلاف والشقاق وحدث ما حدث في دول الإسلام، لتبدأ دورة جديدة للأمة المسلمة من الابتعاد التدريجي عن دينها، لتصطدم ببلاء جديد يتجدد وتمثل في حروب أهل الصليب ما بين تراجع وانحسار، ثم عودة وانتصار، وهكذا دواليك، أو هكذا حال الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2274
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1806
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1164
| 16 أكتوبر 2026