رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل بوسع الخطوات التي تبناها الاجتماع الطارئ للجنة مبادرة السلام العربية الذي عقد بالقاهرة يوم الأربعاء الفائت, بمشاركة وزراء خارجية وممثلي 15 دولة عربية أن تدفع الكيان الصهيوني إلى وقف ارتداداته القمعية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني والتي تتصاعد يوما بعد يوم ؟
لقد جاء عقد هذا الاجتماع في سياق رد الفعل العربي المباشر على الأعمال الإرهابية الأخيرة لقطعان المستوطنين وتلبية لطلب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس, وتمخض - بعد تقرير قدمه أبو مازن ومداخلات من بعض وزوراء الخارجية العرب -عن جملة من الخطوات الرامية لوقف إرهاب وجرائم المستوطنيين في مقدمتها :
أولا: القيام بسلسة من المشاورات العربية والدولية لطرح مشروع قرار أمام مجلس الأمن الدولي حول الجرائم الإرهابية للمجموعات الاستيطانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني على نحو يدفع المجلس, لتحمل مسؤولياته لوقف الاستيطان في أراضي دولة فلسطين المحتلة وعلى رأسها القدس الشرقية.
ثانيا: دعم الإجراءات التي تقوم بها دولة فلسطين بعد أن رفعت ملف جريمة حرق عائلة الدوابشة, إلى المحكمة الجنائية الدولية ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون, إلى تفعيل طلب الرئيس أبو مازن بإنشاء نظام خاص للحماية الدولية للشعب الفلسطيني في أراضي دولة فلسطين المحتلة.
ثالثا: المطالبة بوضع المجموعات الاستيطانية الإسرائيلية على قوائم المنظمات الإرهابية, وملاحقة أعضائها أمام المحاكم الدولية وذلك بعد تكرارهم لعمليات حرق حرق المواطنين الفلسطينيين, من قبل المستوطنين الإسرائيليين الذين تأتي بهم وتحميهم الحكومة الإسرائيلية, ضمن سياسات ومحاولات سن قوانين عنصرية تذكي الكراهية والتطرف والإرهاب ..
رابعا: تحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولة الكاملة عن كل هذه الجرائم والأعمال الإرهابية التي يقوم بها قطعان الصهاينة وهو أمر شدد عليه أيضا الرئيس أبومازن في كلمته أمام الاجتماع ما جعله يطالبها بالقيام في التحقيق فيها، باعتبارها شريكا مع هؤلاء القطعان, وبالتالي هي شريك في هذه الجرائم الإرهابية"، وهنا يلفت أبو مازن إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ارتكبت 11 ألف جريمة منذ عام 2004 ضد الشعب الفلسطيني ودون أن تعترف حتى الآن، داعيا الحكومة الإسرائيلية إلى أن تعترف بجرائمها، خاصة أنها ترفض الآن وقف الاستيطان أو الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، دون أن ينسى أبو مازن تحميل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري جانبا من المسؤولية لأن إدارته "لم تتمكن من تنفيذ ما وعدت به وتساهلت مع الحكومة الإسرائيلية", وهي في تقدير كاتب هذه السطور شريك كامل لحكومة بنيامين نتنياهو ولقطعان المستوطنيين فهي التي تعلن التزامها دوما – كما جاء على لسان الرئيس باراك أوباما- بأمن وببقاء إسرائيل, في إطار التحالف الإستراتيجي الذي يربطهما منذ عقود, ويحتم على واشنطن أن تجعلها أكثر تفوقا على كل جيرانها العرب وغير العرب من الناحية العسكرية والإستراتيجية .
هذا جوهر ما اتفق عليه العرب, وهو لايخرج كثيرا عن النصوص السابقة وإن اشتدت اللهجة هذه المرة, بعد ما جرى لعائلة دوابشة على نحو يعكس بشاعة الفعل والقائمين عليه والمساندين له, غير أن هذه الخطوات والمطالبات ستظل ترواح مكانها ولن يمكن تطبيقها على الأرض, لأن العرب يبدون الآن من السذاجة بمكان في ظل تمحور خطابهم على التحرك السياسي والدبلوماسي, والذي اعتبروه كما أسلفت خيارهم الإستراتيجي الوحيد منذ العام 2002, بينما الكيان الصهيوني وقطعان مستوطنيه لايؤمن إلا بخيار القوة, وفرض الحقائق على الأرض من خلال اللجوء إلى القوة المفرطة, ومن يعترض من الفلسطينيين يعاقب فورا إما بالقتل أو الإصابة المعوقة, أو بالاعتقال والزج به في سجون لاتعرف معنى الرحمة أو القواعد الإنسانية في التعامل مع السجين الأسير والطالع من رحم الاحتلال, وهو ما دأبت عليه سلطات الاحتلال منذ إعلانها كيانها غير الشرعي على أرض فلسطين وتصاعدت حدته ووتيرته بعد اتفاق أوسلو الذي ظن صانعوه, بالذات من قبل الفلسطينيين, أنه سيشكل الخطوة الأولي باتجاه الاستقلال وإعلان الدولة الفلسطينية, لاسيما بعد اعترافهم الرسمي بدولة الكيان ومنذ هذه اللحظة, بات منحى التنازلات والترقب والانتظار يشهد المزيد من الهبوط, لم يصعد أبدا منذ العام 1993, بل اتسعت عدوانية الكيان, وأخذت أشكالا وأنماطا شديدة الإفراط عنوانها إنهاء هوية الشعب الفلسطيني, من خلال متابعة المشروع الاستيطاني الاستعماري, دون أن يتعرض لردع من قانون أو شرعية دولية, ناهيك عن إدراكه الحقيقي لمكامن الضعف في النظام الإقليمي العربي برمته, وحتى إن تمحك البعض بما اعترى هذا النظام من اتساع منظومة الضعف في أعقاب ثورات الربيع الربيع العربي, وما نجم عنها من دخول أقطار عربية دائرة التفكيك والحرب الأهلية والانقسام الطائفي والمذهبي, وهي عوامل تبعث على هشاشة هذا النظام مثلما نتابعه في المرحلة الراهنة, فإن الكيان حتى قبل هذه الثورات كان يمارس عدوانيته بأريحية تامة دون أن يتحرك لهذا النظام طرف لحماية الفلسطينيين, سوى المطالبة بتحمل مجلس الأمن والشرعية الدولية لمسؤولياتها وهو أمر بات بعيد المنال فكلاهما – أي المجلس والشرعية – خاضعان لهيمنة القوة الدولية الوحيدة في العالم, والتي ما تفتأ عن استخدام سلاح النقض – حق الفيتو- ضد أي قرار يشعر الكيان أنه ينطوي على عقاب أو تأثيرات سلبية, ومن ثم عجزت الشرعية الدولية عن القيام بأي خطوة يمكن اعتبارها إيجابية تجاه الفلسطينيين, بما في ذلك حل الدولتين الذي تبنته الإدارة الأمريكية منذ زمن غير المأسوف عليه جورج بوش الابن .
هل يعني ذلك أنني أدفع النظام العربي إلى الانخراط في عتمة اليأس؟ لابالطبع؟ فما زالت هناك أوراق قوة بمقدوره أن يوظفها على النحو الأمثل, أولها السعي بقوة للخروج من حالة الاضطراب غير المسبوقة التي دخلها إما بإرادة وحداته, أو فرضت عليه فرضا من خلال تبني الحلول السياسية للأزمات الراهنة, وإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس مغايرة تقوم في المقام الأول على مبدأ المواطنة, بعيدا عن منهجية المحاصصة المذهبية والطائفية والعرقية التي تكاد تمزق أقطار العرب, خاصة في الدول المؤثرة على مسار الصراع العربي الصهيوني, والتي تآكلت قدرات جيوشها القتالية بعد إنهاكها في معارك جانبية ضد شعوبها وليس ضد العدو الحقيقي (سوريا نموذجا), بالطبع إلى جانب تنبي الديمقراطية والتعددية السياسية باعتبارها خيارات أساسية للنظام الحاكم مهما كانت طبيعة توجهاته, ورهن ذلك بتطبيق منظومة شاملة للعدالة الاجتماعية, بما يفك الارتباط بين أحوال المواطنيين والفقر وهي العلاقة التي تبدو أزلية في المنطقة العربية .
هذا أولا, أما ثانيا, فإن النظام الإقليمي العربي بات مطالبا بالتخلي عن فكرة كون السلام خيارا إستراتيجيا وحيدا, وعليه أن يبدأ في بناء معادلة قوة شاملة بما في ذلك القوة العسكرية, من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية, أو بالاستعانة بحلفاء في العالم ليس لديهم ارتباطات والتزامات تجاه الكيان الصهيوني, على نحو ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية.
أما ثالثا, فإنه بات من الضرورة بمكان – وهو أمر تحدث فيه كاتب هذه السطور وغيره من الكتاب والمتابعين للشأن العربي العام – وقف الحوافر المقدمة طوعا للكيان, وفي مقدمتها التطبيع العلني والأخطر منه المستور مع حكومته وشركاته ورجال أعماله ومستشفياته, والقيام بما يمكن وصفه بحالة تعبية قومية, من خلال سحب كافة الدبلوماسيين العرب من تل أبيب, وفي الوقت نفسه تطهير العواصم العربية من كافة دبلوماسييه وأغلبهم هم عناصر من الموساد .
إن المطلوب هو إشعار الكيان بأنه عدو وليس صديقا, تلك خطوة يمكن أن تؤتي أكلها وتقض مضاجعه وقد تدفعه إلى تغيير سلوكه العدواني أو التقليص منه, لأنه كان يهدف, منذ أن تأسس على يد الإرهابي بن جوريون وغيره من رموز عصابات الكيان, إلى اختراق الجوار وتطبيع العلاقات مع شعوب المنطقة .
اختصار الكاتب في موقف!
في حياتنا الثقافية كثيرا ما اقرأ صفات لبعض الكتاب، تقلل من قدرهم بسبب اقترابهم من السلطة. من الأمثلة... اقرأ المزيد
222
| 01 يوليو 2026
إشارات عن التعليم (2-2)
نواصل الحديث ونستكمل ما بدأنا في هذه المساحة عن التعليم بإشارات وتلميحات وتساؤلات، واللبيب من الإشارة يفهم!. وما... اقرأ المزيد
174
| 01 يوليو 2026
يستمر النابح والمركب يسير
نعلم أن منتخبنا القطري قد خرج مبكرا من الأدوار الأولى لمونديال كأس العالم 2026 والذي يقام حاليا في... اقرأ المزيد
150
| 01 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4614
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
3615
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
2445
| 01 يوليو 2026