رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرى كثيرون من علماء السياسة أن انهزام فرنسا في أوروبا، واصطدام مشروعها الهيمني ببنود اتفاقيات 1815 و1870 دفعها إلى البحث في آفاق بعيدة، ما وراء البحار، عن سبيل لتحقيق النصر السياسي، وتنمية مقدراتها من أجل التقدم الاقتصادي وإشاعة الفكر الإنساني لمبادئ ثورتها، وقد لقي هذا البحث مباركة التجار والعسكر والجغرافيين والمبشرين ورجال الأدب والعلماء؛ كل هذه المجموعات أسهمت في خلق أيديولوجية تبرر سياسة الغزو. بالطبع، بعد أن رسمت لها حداً جغرافياً ركز بالأساس على القارة الإفريقية فريسة المطامع الاستعمارية (انظر مثلا: د. عبدالحميد الضهاجي - السياسة الدولية ع 152 - أبريل 2003).
والدور الفرنسي في إفريقيا لم ينته باستقلال عن الاستعمار الفرنسي فلقد أصبح هناك 25 دولة إفريقية يمثلون نصف القارة يتكلمون الفرنسية من بينهم دول المغرب العربي الثلاث الذين يستعملون اللغة العربية كلغة رسمية بجانب نطقهم بالفرنسية وهم (تونس، الجزائر، المغرب). والواقع أن فرنسا تحتفظ بعلاقات طيبة مع دول القارة التي كانت مستعمرات فرنسية والتي عُرفت باسم "الفرانكفون" في شكل علاقات ثنائية، ويعدّ الجنرال "ديجول" أول من وضع ركائز الدور الفرنسي بالمنطقة في فترة ما قبل الاستقلال وذلك في إطار ما عُرف بالجماعة الفرنسية، ثم في فترة ما بعد الاستقلال في إطار التنظيمات الاقتصادية الإقليمية "الأوكام" وهي المنظمة التي ولدت في نواكشوط في 12/2/1965 بعضوية 13 عضواً من الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية وهم: الكاميرون، إفريقيا الوسطى، تشاد، داهومي، توجو، الجابون، ساحل العاج، مدغشقر، موريتانيا، النيجر، فولتا العليا، السنغال، رواندا، والكنغو برازافيل ثم زائير في نفس العام(جوزيف رامز أمين، السياسة الدولية – ع 87 - يناير 1987).
وتشكل القارة السمراء إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية الفرنسية، وهو الأمر الذي عبّر عنه الرئيس الراحل فرانسوا ميتران في القمة التي عُقدت في بيارتيز (نوفمبر 1994) حيث أكد للحاضرين أنه دون إفريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الحادي والعشرين، فالقارة السمراء كانت مجد فرنسا ومنطقة نفوذها التاريخية، لذا من الصعب تخيل قيام رئيس أو حكومة فرنسية أيما كانت توجهاتها بالتخلي عن فرنسا أو أن تولي ظهرها للأفارقة. ويبدو أن هذا الأمر ليس قاصراً على "ميتران" فقط بل سبقه "ديجول" الذي أرسى تقليداً أصبح بموجبه يُشرف شخصياً – على ملف الشؤون الإفريقية، ولا يزال هذا التقليد معمولاً به حتى الآن، ويصنف هذا الملف بأنه "بالغ السرية"، كما تم -في منتصف التسعينيات- ربط وزارة التعاون الدولي مع قارة إفريقيا بوزارة الخارجية لضمان فاعلية التواصل مع قضايا القارة.
ولعلّ الاهتمام الفرنسي بإفريقيا يظهر من عدة مؤشرات، فالجالية الفرنسية هي أكبر جالية أجنبية في إفريقيا. ووفق إحصاءات عام 1996 بلغت هذه الجالية 114 ألف فرنسي، وتحصل إفريقيا على 49% من إجمالي المساعدات الفرنسية الخارجية (تتراوح ما بين 3– 5 مليارات)، كما يلاحظ أن صادرات فرنسا السنوية لإفريقيا بلغت 13.5 مليار دولار متخطية قيمة الصادرات الأمريكية التي تقدر بـ 6 مليارات دولار فقط. وفي المقابل فإن فرنسا تستورد ما قيمته 11 مليار دولار من إفريقيا (معظمها مواد خام) أي أن الميزان التجاري لصالح فرنسا (2.5 مليار دولار).
ومن هنا فإن لفرنسا مصالح اقتصادية كبرى في إفريقيا تستلزم تأمينها والدفاع عنها، ولكن ذلك يتم عبر عدة وسائل (استراتيجيات)، ولا شك أن هذه الوسائل تبدلت أو تغيرت بعد الحرب الباردة فقبل الحرب الباردة كانت سياسة فرنسا تقوم على فكرة مفادها أن نظام الحكم في دولة -ما- هو الأقدر على قمع معارضيه إذا حصل على الدعم العسكري والمادي اللازم وفي هذا السياق يمكن تفسير قيام الجنرال "ديجول" بإقامة عدة قواعد فرنسية في بعض الدول الإفريقية (السنغال – كوت ديفوار – الجابون – تشاد – جيبوتي – إفريقيا الوسطى)، كما يمكن فهم التدخل العسكري -المتكرر- في بعض الدول الإفريقية (السنغال 64)، (إفريقيا الوسطى 67، 1970 ثم 97، 1990)، (توجو 86)، (جزر القمر 1989).
لكن فاعلية هذه السياسة تراجعت كثيراً عام 1991 بعد أحداث الجزائر إذ إن دعم فرنسا للنظام الجزائري لمواجهة جبهة الإنقاذ الإسلامية وفشله في السيطرة على مقاليد الأمور أدى إلى تحول البلاد إلى ساحة من المواجهات الدامية راح ضحيتها أكثر من مائة ألف شخص، ومن ثم ازداد السخط الجزائري -خاصة- والإفريقي عامة تجاه فرنسا.
وتأكد فشل هذه السياسة مرة أخرى بعد ست سنوات من أزمة الكونجو الديمقراطية، حيث فشل الدعم الفرنسي في الإبقاء على موبوتو سيسي سيكو، الذي أطاح به الرئيس الراحل كابيلا، وهنا ثار الرأي العام الإفريقي ضد فرنسا لأنها تساند الأنظمة الديكتاتورية على حساب الشعوب الإفريقية. ومنذ ذلك الحين كان لابد من البحث عن وسائل جديدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار الذي هو الركيزة الأساسية لتحقيق المصالح الفرنسية. وهنا صار الحديث عن ضرورة إرساء الديمقراطية في الدول الإفريقية عن طريق التقريب بين الأنظمة من ناحية وجماعة المعارضة من ناحية ثانية، فضلاً عن تدعيم أسس الحوار السياسي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية.
كما عملت فرنسا على التركيز على الجانب الكيفي -في عملية التواجد العسكري بدلاً من الجانب الكمّي- فالسياسة الفرنسية الجديدة في إفريقيا لا تعني الانسحاب التدريجي من القارة وترك المجال مفتوحاً أمام الولايات المتحدة، وإنما تسعى إلى الاعتماد على الجانب الكيفي مع توسيع عملية الانتشار والتأثير بحيث تتجاوز مناطق نفوذها التقليدية، وهو ما تسعى لتحقيقه من خلال القمة الإفريقية - الفرنسية التي تضم دولاً تابعة لرابطة الأنجلوفون، وبعض الدول التابعة لواشنطن أيضاً.
ومن هنا يمكن فهم قيام فرنسا بتخفيض حجم قواتها المسلحة في إفريقيا الوسطى، واستبدال المعدات العسكرية القديمة بأخرى حديثة، تلائم عمليات التدخل السريع لحفظ السلام، كما قامت فرنسا -مؤخراً- بتخزين بعض الأسلحة الحديثة في قاعدة تيبيس السنغالية على بعد 70 كم من العاصمة (داكار) وذلك لإمكانية استخدامها في فض النزاعات العرقية والقبلية في المنطقة.
وفي الحقيقة فإن شبكة الدفاع الفرنسية الحديثة تقوم على أساس فكرة تقسيم القواعد العسكرية الفرنسية إلى قسمين، الأول: يعمل من داخل الأراضي الإفريقية، والثاني: يعمل من داخل الحدود الفرنسية، وبالتحديد في الجنوب الغربي من البلاد.
وبالنسبة للجزئية الأولى نلاحظ أن أهم قاعدة إفريقية لفرنسا على الإطلاق هي تلك القاعدة الموجودة في جيبوتي والتي يعمل بها 3500 جندي فرنسي، ووفقاً للتصريحات الفرنسية فإن هذه القاعدة تستطيع استقبال نحو 400 قطعة بحرية، وهي قاعدة هامة في شرق إفريقيا تستخدم كهمزة وصل بين إفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط. كما توجد لفرنسا قواعد أخرى في الجابون - إفريقيا الوسطى- كوت ديفوار – السنغال – تشاد، وتعدّ هذه القواعد في مناطق إستراتيجية؛ لأنها تغطي مناطق شرق ووسط وغرب منطقة إفريقيا وجنوب الصحراء. ويلاحظ أن فرنسا خلال الفترة القليلة الماضية - ظلت تسعى لتوطيد علاقاتها مع ثلاث دول باعتبارها دولاً مفصلية في القارة وهي: مصر في الشرق - نيجيريا في الغرب – جنوب إفريقيا في الجنوب، فضلاً عن سعيها الأخير لتحسين العلاقات مع ليبيا (بعد بروز دورها بشكل كبير في القارة خلال الفترة الماضية) والجزائر. ويذكر بدر حسن شافعي في مقاله بمجلة السياسة الدولية – ع 144 – أبريل 2001 أن لفرنسا أهدافاً ترجوها من قيام علاقات مع الدول الإفريقية أهم هذه الأهداف:
1- الهيمنة على إفريقيا، حتى وإن بدا من التصريحات الرسمية غير ذلك، وهو ما أكده مستشار الرئيس السنغالي السابق "ديالو" حيث أكد أن لفرنسا قوات عسكرية تفوق قوتها وقدراتها القتالية كفاءة الجيوش الإفريقية الوطنية وأنها تمثل تهديداً لأمن واستقرار المنطقة.
2- مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في القارة خاصة بعد الحرب الباردة، وتراجع مكانة بريطانيا، وهذا ما نلاحظه من تصريحات المسؤولين في البلدين (واشنطن – باريس) ففي أثناء زيارة وليام ديلي وزير التجارة الأمريكي للقارة (ديسمبر 1998) أي بعد انعقاد القمة الإفريقية - الفرنسية العشرين - بأيام قليلة أكد أن هناك دولاً عديدة أصبحت تخرج من دائرة نفوذ الأوروبيين -فرنسا تحديداً- المنافسين للولايات المتحدة، وأن بلاده مصممة على الالتزام بشكل قاطع وعلى مدى طويل بعملية الاستثمارات التجارية في إفريقيا وفي المقابل نجد أن الرئيس شيراك ينتقد في القمة العشرين السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، والتي يعتبرها تقوم على مبدأ المصلحة فقط، وليس مبدأ التكافؤ، كما انتقد شعار كلينتون الذي رفعه وهو "شراكة لا تبعية مع إفريقيا" ويرى في المقابل أهمية تقديم المساعدات بجانب الاستثمارات.
وظهر هذا التنافس في عدة مجالات لعل من أهمها على سبيل المثال المناورات العسكرية التي أجرتها واشنطن مع كل من السنغال وكوت ديفوار عام 1998 (دولتان فرانكوفيتان).
3- الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية مع إفريقيا (حجم الصادرات الفرنسية بلغ 13.5 مليار دولار سنوياً) فضلاً عن المشاريع الاقتصادية الهائلة في الدول الإفريقية (شراء شركات المياه والكهرباء والتليفونات في السنغال - استثمارات النفط في الكونجو برازافيل والتي تقوم بها شركة O.L.F. Lekistan والتي يتراوح حجم استثماراتها ما بين 40 - 60 مليار دولار خلال العقدين القادمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5388
| 13 سبتمبر 2026