رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من المستغرب تأخر البرلمان الكويتي في إقرار موازنة السنة المالية 16/2015. فقد تبين من تجربة السنوات القليلة الماضية استمرار المداولات بشأن الموازنة بعد فترة من دخول السنة المالية الجديدة حيز التنفيذ.
تتضمن الأسباب النموذجية لهذا التأخير إمكانية وجود حاجة لإعادة ترتيب جانب من نفقات الموازنة العامة من جهة ومطالب النواب للحصول على إعانات إضافية للمواطنين من أجل إرضاء ناخبيهم من جهة أخرى.
عادة تحصل حالات أخذ ورد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بخصوص العطايا، حيث يطالب النواب بمنح المواطنين فرصة الاستفادة بشكل أكثر من ثروات البلاد عملا بمبدأ إعادة توزيع الثروة بين المواطنين.
بيد أنه حصل المزيد من التعقيد هذه المرة لعملية إقرار الموازنة العامة في ظل تراجع أسعار النفط، بدءا من صيف 2014. وهذا يترجم إلى صعوبة تقديم المزيد من المنح للمواطنين في ضوء استمرار بقاء أسعار النفط متدنية لنحو 9 شهور.
في إطار دول مجلس التعاون الخليجي الست، تبدأ السنة المالية في كل من قطر والكويت في شهر أبريل. بدورها، تنشر البحرين، صاحبة أصغر اقتصاد خليجي، موازنة سنتين ماليتين في فترة واحدة. وقد تأخرت الجهات الرسمية في البحرين في الإفصاح عن الموازنة العامة، حيث تم تحويل مشروع الموازنة للسلطة التشريعية بداية شهر مايو.
في المقابل، تنطلق السنة المالية في السعودية والإمارات وعمان مع بدء السنة الجديدة مع موازنة سنوية.
عودة لموضوع المقال، أقرت الحكومة الكويتية الموازنة العامة الجديدة قبل تحويل المشروع على البرلمان من أجل الإقرار والتصديق النهائي. في التفاصيل، تبلغ قيمة الإيرادات المتوقعة قرابة 40.7 مليار دولار، متراجعة بصورة نوعية عن عوائد السنة المالية الفائتة والمقدرة بنحو 71.4 مليار دولار.
يعود تغير الأرقام بشكل جوهري لهبوط أسعار النفط في الأسواق العالمية بالنظر لمساهمة القطاع النفطي بنحو 88 بالمائة من دخل الخزانة العامة في السنة المالية الجديدة ما يعد مسؤولا عن تمويل النفقات.
كما تم تحديد خط المصروفات بنحو 64.5 مليار دولار، مقارنة مع 77 مليار دولار في الموازنة السابقة.
كما هو الحال مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، يمثل القطاع النفطي حجر الزاوية بالنسبة للاقتصاد الكويتي. يستحوذ القطاع النفطي على 85 بالمائة من الصادرات و40 بالمائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي.
وربما تراجعت الأهمية النسبة للقطاع النفطي في الآونة الأخيرة من الناحية الإحصائية في خضم تراجع أسعار النفط. مهما يكن من أمر، يبقى الاقتصاد الكويتي رهين تطورات سوق النفط العالمية.
يبلغ حجم الإنتاج النفطي الكويتي قرابة 2.7 مليون برميل وبالتالي تعد دولة مهمة ولكن ليست بالضرورة مؤثرة بالنسبة لاتجاهات الأسعار.
في المقابل، يزيد الإنتاج النفطي السعودي على 9 ملايين برميل في اليوم، وعليه تعتبر أكثر تأثيرا على الأسعار بالنظر لكونها أكبر دولة مصدرة للنفط الخام في العالم.
اللافت أن العجز المرصود للسنة المالية 16/2015 في حدود 27.8 مليار دولار وليس 23.8 مليار دولار كما توحيه الأرقام.
يعود الأمر إلى وضع 10 بالمائة من إيرادات الخزانة العامة في صندوق خاص بالأجيال القادمة.
حقيقة القول، تتميز الكويت بهذا المشروع الحضاري والذي يهدف لتحقيق أغراض تتضمن ضمان وصول ثروات الكويت لمختلف الأجيال وعدم السماح لجيل معين باستغلال ثروات البلاد على حساب الآخرين.
بالعودة للوراء، استفادت السلطة في الكويت من احتياطيها لتمويل عملية تحرير الكويت في عام 1990 بعد فترة ليست مطولة من الغزو العراقي. وربما عجلت ظاهرة توافر كمية كافية من الأموال في تسريع نجاح إعادة تحرير البلاد.
لا شك، بمقدور المسؤولين الاستفادة بيسر من الثروة السيادية للبلاد والمقدرة بنحو 456 مليار دولار وذلك حسب أحدث إحصائيات معهد الثروة السيادية. يتمتع المعهد بمصداقية في مجال الثروات السيادية.
يعد هذا الرقم ضخما ويزيد لأكثر من ضعف الاقتصاد الكويتي والبالغ 182 مليار دولار. تعزز هذه الحقيقة نوعا من الثقة في المعاملات الدولية عند التعامل مع الكويت.
بكل تأكيد، تشمل الخيارات الأخرى بالنسبة للكويت الذهاب إلى أسواق رأس المال للحصول على التمويل. وفي هذا الصدد، تتمتع الكويت بملاءة مالية مميزة تؤهلها للحصول على تسهيلات مصرفية في حال توافرت الظروف المناسبة بما في ذلك فترات السداد.
حديثا فقط، أعادت مؤسسة ستاندرد أند بور التأكيد على استحقاق الكويت ملاءة من خانة (الأي) بالنسبة للمدين القصير والطويل فيما يخص الالتزامات بالعملات المحلية والأجنبية. ويضاف لذلك الاحتفاظ بنظرة مستقبلية مستقرة.
بدورها، تحمل وكالة موديز تصورات إيجابية عن واقع الاقتصاد الكويتي، الأمر الذي يعكس قناعة الجهات العاملة في حقل الائتمان بمتانة الأوضاع المالية للكويت.
باختصار، تتمتع الكويت بظروف مالية مميزة وملاءة حسنة على الرغم من تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية مع الأخذ بعين الاعتبار دور القطاع النفطي في إدارة دفة الاقتصاد الكويتي.
وفي هذا الصدد، يمكن تفهم بعض أسباب عدم انزعاج مؤسسات الملاءة مع الكويت في ظل وجود خضم احتياطي مالي قوي وشبه غياب المديونية العامة. ويمكن القول بكل أريحية بأن النظام المالي في الكويت على ما يرام، على الرغم من بقاء أسعار النفط منخفضة لعدة شهور متتالية.
بالنظر للأمام، يواجه الاقتصاد الكويتي تحدي توفير فرص عمل مناسبة جديدة للمواطنين وهو الأمر الذي تعقد مع انخفاض حجم مخصصات النفقات بسبب ضغوط الإيرادات.
المشهور أن نحو 90 بالمائة من المواطنين يعملون في الدوائر الرسمية والمؤسسات التابعة للقطاع العام مثل النفط والطيران.
من الناحية النظرية، توفر ظاهرة انخفاض أسعار النفط ضغوطا من أجل السعي لتحقيق تنويع للاقتصاد بعيدا عن القطاع النفطي ربما من خلال الاستثمار على مشاريع البنية التحتية، مثل إنشاء مشروع للمترو.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026