رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لما خلق الله تعالى الإنس والجن فوق هذه الأرض، كانت الغاية من ذلك الخلق المعجز من الله الخالق العظيم البديع المصوّر في أحسن صورة وتقويم هو (إلا ليعبدون)، لتقود الناس وترشدهم إلى غاية وجودهم في هذا الكون الفسيح وفوق هذه الأرض، وأن يصرفوا حياتهم كلّها وفق تلك القاعدة أو المنهج أو الصراط المستقيم الذي يريدهم الله تعالى أن يسيروا باتجاهه وفوقه حتى يجتازوا هذه الحياة الدنيا وينجحوا في الاختبار العظيم الذي سينتهي ويؤول إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين وإما إلى نار وقودها الناس والحجارة.. أعدت للكافرين.
ولمّا خلق الله تعالى الناس جعلهم شعوباً وقبائل وأعراقاً وألواناً وأشكالاً ولغات ولهجات.. كانت الغاية من ذلك التباين والاختلاف المعجز أيضاً من الله العليم الحكيم هو (لتعارفوا) حتى يصبح الإنسان عاجزاً عن العيش بمفرده ومجبراً لكي يختلط بغيره ويؤثر ويتأثر ويتكلم ويتحاور ويبيع ويشتري ويتزوج ويتكاثر.. بل ويأكل ويشرب ويلبس ويعيش معتمداً على غيره لا معتمداً على جهده الذي لا يكفي مطلقاً لأن يفعل كل الأفعال في آن واحد، ولهذا اقتضت حكمة الله تعالى أن تتوزع الثروات والخيرات فوق هذه الأرض حتى لا يعتمد إنسان على نفسه مهما كان، ولا يعتمد مجتمع على نفسه مهما وصل من الحضارة والتقدّم، ولهذا قسّم الله الثروات والخيرات في الأرض، فالبلد الذي يعيش على الزراعة، حيث تكثر الفواكه والحبوب، لا يستغني عن البلد الذي يعيش على الصناعة حيث تكثر المواد والمعادن الطبيعية، والبلد الذي يعيش على الصيد حيث تكثر الثروة السمكية لا يستغني عن البلد الذي يعيش على التجارة حيث تكثر الأسواق والأموال وهكذا دواليك.. ليبقى الإنسان عاجزاً في كل أحواله طوال العصور وعلى مر الدهور عن القيام بدوره في الحياة دون الاحتكاك والاختلاط بغيره ممن يشابهونه أو يختلفون معه في الدين واللغة واللون والعادات والأعراف.. ليصبح التعارف هو الأمر الضروري الذي يشكّل في النهاية الثقافة التي يتعامل فيها الإنسان مع غيره.. لا أن يتحوّل ذلك التعارف إلى صراع من أجل البقاء قد ينتهي به المطاف إلى الاقتتال من أجل الماء والغذاء.. فيصبح بذلك مشابهاً للحيوانات والوحوش التي تعيش لتأكل لا تأكل لتعيش وتتعارف وتعبد الله تعالى فوق أرضه وتحت سمائه.
ومن المؤسف حقاً أن الإنسان لم يستفد من تلك الغاية العظيمة من الله العليم الحكيم، فعاش فوق الأرض "مفسداً لها"، كما خشيت الملائكة بادئ الأمر لا "خليفة" كما يريده الله تعالى الذي تجلّى علمه سبحانه على علم الملائكة الذين اعترفوا بعدها (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)، فتجلّت حكمته سبحانه في خلق آدم عليه السلام وذريّته من بعده.. من يخطئ منهم ثم يستغفر الله.. يجد الله غفوراً رحيماً ثم يجد الجنة ثمرة عبادته.. ومن يخطئ منهم ويستكبر ويكفر ثم لا يستغفر ولا يتوب ولا يهتدي.. يجد الله شديد العقاب.. ولا يجد إلا جهنم ثمرة معصيته.
ولكن الإنسان الظلوم لنفسه أبى إلا أن يكون أنانيّا حاقداً كارهاً مبغضاً للآخرين، فسرق ونهب وقتل وسفك واغتصب واعتدى، واستبدل التعارف فيما بينه باقتتال وحروب لغتها العنف ووقودها الدماء، فلم يستفد من حكمة خالقه في ذلك التنوّع والاختلاف فنشأت الحروب وحملات الاحتلال واندلعت الحروب العالمية والدولية والنزاعات القبلية والعرقية حتى أصبح الإنسان الجزء المظلم من معادلة المخلوقات كلها التي تسبح بحمد الله ليل نهار، بل وتسجد لله ليل نهار.. ولكن لا يفقه من ذلك التسبيح ولا السجود شيئاً.
عمّت الحروب وهلك فيها من هلك وطغى الإنسان محارباً جنسه وفصيلته حتى أصبح الأمر يحتاج إلى رسل من عند الله تعالى يهدون الناس إلى الصراط المستقيم ويتلون عليهم آياته وكلامه في كتبه، ولكن ذلك لم يؤثّر في الظالمين لأنفسهم.. فقتلوا الأنبياء وكذّبوهم وطردوهم، حتى ختم الله رسالته للعالمين بنبينا محمد صلى الله عليه وسلّم ليكون نذيراً وبشيراً للعالمين.. وليكون في الوقت نفسه رحمة للعالمين.. في الوقت الذي اقتربت فيه نهاية العالم "يوم القيامة" (بعثت أنا والساعة كهاتين)، حتى تكون رسالة أخيرة ويكون الرسول عليهم شهيداً.. فمن أطاعه "دخل الجنة".. ومن عصاه فقد أبى.. إلا أن يدخل "النار".
فهل حقق الإنسان في هذه الحياة الغاية المطلوبة؟ وهل حقق الناس عبوديتهم لله تعالى؟، وهل عرف المؤمنون منهم أنهم مهما علا إيمانهم وسما قدرهم فإنهم لا يزالون يحتاجون لغيرهم وأنهم مأمورون وفق القاعدة الذهبية "يتعاونون فيما بينهم ويعذر بعضهم بعضاً فيما يختلفون فيه"، فلو أنهم فعلوا ذلك لما اقتتل أهل الإسلام فيما بينهم ولا طعن أحدهم في الآخر ولا هاجم المسلم أخاه، لأن التعارف والتعاون محمود للإنسان مع أخيه الإنسان ومن باب أولى أن يكون ذلك جليّاً واضحاً بين المسلم وأخيه المسلم.. قال تعالى: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل *واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
3636
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1503
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1260
| 11 مارس 2026