رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زالت الأحداث في العالم العربي تلقي بظلالها على مجرى التطورات الاقتصادية والسياسية في العالم وتهدد بتغيير موازين القوى والتحالفات على مختلف الأصعدة، بل إن وزير النفط الفنزويلي حذر من إمكانية انهيار منظمة الأقطار المصدرة للنفط " أوبك " إذا ما استمرت حالة عدم الاستقرار التي شملت بلدان أعضاء في المنظمة.
وعلى الرغم من أن الأسباب الجوهرية لهذه الثورات تكمن في التدهور الاقتصادي الناجم عن الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية والتفريط في المال العام، إلا أن المطالبة بالإصلاحات اتخذت منح آخر تمحور حول الإصلاحات الدستورية والسياسية، بل إن مطالب المحتجين في بعض البلدان العربية اقتصرت على الجوانب السياسية من خلال استغلال الأوضاع العامة في العالم العربي لتحقيق أجندات ذات طابع طائفي واثني، مما عمق من الانشقاق داخل هذه المجتمعات وهدد بلدانا أخرى بالتقسيم.
لقد سادت معظم البلدان العربية خلال الخمسين عاما الماضية حالة من الغبن الاجتماعي والاقتصادي، بحيث ازدادت الفوارق الاجتماعية وارتفع معدل الفقر وتدهورت المستويات المعيشية وضعفت الطبقة الوسطى في المجتمع والتي تشكل صمام أمان للاستقرار الاجتماعي وبرزت فئة من الأثرياء الجدد الذين لم يراعوا طبيعة مجتمعاتهم وثروات بلدانهم المحدودة.
وصاحب ذلك أسباب أخرى موضوعية تمثلت في ارتفاع أعداد السكان والذي تضاعف في العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، مما شكل ضغوطا إضافية على الموارد المتاحة التي بدأت تعاني من النقص وارتفاع الأسعار، مما أسهم في المزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للسكان.
وشمل هذا التدهور في مستويات المعيشة بلدانا غنية، كليبيا والعراق وإيران والجزائر والتي تعاني شعوبها من الفقر والهجرة للعمل في الخارج، في الوقت الذي توظف فيه قدرات بلدانهم إما للإنفاق العسكري الباهظ وغير المنتج وإما للإثراء غير المشروع والذي يتلاشى مع تغير هذه الأنظمة.
وبسبب سوء الإدارة والفساد تبخرت مئات المليارات من البلدان النامية والتي لا يعرف مصيرها حتى الآن، فثروات ماركوس الفيليبين قدرت بأربعين مليار دولار، وكذلك ثروة سوهارتو إندونيسيا، أما ثروات المسؤولين التونسيين والمصريين والليبيين، فقد تجاوزت في مجموعها 250 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي لإحداث نقلة اقتصادية كبيرة في هذه البلدان الثلاث.
وللأسف، فإن استرداد هذه الأموال سيكون صعبا للغاية بسبب التعقيدات المحيطة بحركتها، فالبنوك الغربية الموظفة فيها هذه الأموال بصورة أساسية لا تريد فقدها بأي شكل من الأشكال، وذلك رغم عمليات التجميد واسترداد جزء بسيط منها.
هذه الأوضاع المعيشية تمثل الأسباب الحقيقية التي حركت الملايين في مختلف المدن العربية، أما "الفيس بوك" و "التويتر"، فقد كانت عوامل مساعدة لم يكن بإمكانها عمل الكثير لولا نضوج العوامل الداخلية الموضوعية المتمثلة في الفساد وتدني مستويات المعيشة ونقص الخدمات الأساسية والبطالة.
لذلك، فإن المهام الأساسية التي تنتظر الأنظمة الجديدة في البلدان العربية، هي مهام أصعب من الثورات ذاتها وأكثر تعقيدا، إذ أنها ترتبط بمرحلة البناء وحسن إدارة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتسخير الموارد المتاحة - وهي كثيرة - للتنوع الاقتصادي والتنمية لتطوير البنى التحتية اللازمة للنمو وتنفيذ مشاريع حيوية لرفع مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل والحد من هدر المال العام، فالإصلاحات الدستورية والسياسية وحدها لن تلبي طموحات الشعوب العربية التي تلمس مدى التقدم الاقتصادي الذي تحققه العديد من بلدان العالم النامي، كدول مجلس التعاون الخليجي والهند والبرازيل.
وإذا كان البعض يأخذ على دول المجلس بطء إصلاحاتها المجتمعية، فإن التقدم الكبير الذي حققته في المجال الاقتصادي أدى إلى تصنيفها دوليا ضمن البلدان الناشئة سريعة النمو، حيث سيساهم ذلك في تحقيق التقدم في المجالات الأخرى، إذ وضعت دول المجلس الأسس المادية الاقتصادية وعززت من الاستقرار الاجتماعي واللذين يعتبران ضروريين لمرحلة التنمية القادمة، مما يتطلب أن تستفيد البلدان العربية الأخرى من التجربة التنموية الخليجية والتي وضعت دول مجلس التعاون الخليجي على رأس قائمة تصنيف الأمم المتحدة للتنمية البشرية إلى جانب البلدان الصناعية المتقدمة.
نعم ليس من السهل تحقيق ذلك في العديد من البلدان العربية، إلا أن تجارب بلدان نامية أخرى، كماليزيا وكوريا الجنوبية تقدم تجربة غنية، وذلك إذا ما وجهت الشعوب والأنظمة العربية اهتمامها للتنمية بدلا من الصراعات الطائفية والعرقية المقيتة.
مَنْ يسقط حقّ الجار كيف يعيش في سلام؟!
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش وتحقيق الأمن والسّلام والاستقرار لجميع الشّعوب، ومن غفل عن هذا... اقرأ المزيد
51
| 01 مايو 2026
ضريبة المشروباتِ المحلاة
في زمنٍ تتسارعُ فيه الإيقاعات، وتتنافسُ فيه المغرياتُ على اجتذابِ الإنسان، لم تعد التشريعاتُ الرشيدةُ مجرّدَ أدواتٍ تنظيمية،... اقرأ المزيد
87
| 01 مايو 2026
كن ذهباً حيث يدركون قيمتك
هل توقفت يوماً لتسأل نفسك: هل قيمتي الحقيقية تنبع مما أنا عليه، أم من المكان الذي اخترتُ أن... اقرأ المزيد
27
| 01 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3723
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1134
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
762
| 27 أبريل 2026