رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زال الحديث يدور هذه الأيام مع اللانظام أو هو مع المعارضة السورية أو قوى الثورة على اختلاف أطيافها. أو عن طريق تدخل إقليمي ودولي ترعاه جهات يظهر من الواقع أنها تعمل على إخماد الثورة والتخلص منها بدل الوصول إلى حل يرضي الشعب السوري المظلوم المكلوم المذبوح في تطلعاته وطموحاته.
ولعل مثال تبادل الأفكار في القاهرة وزيارة الجامعة العربية والتحدث لأمينها العام د. نبيل العربي في هذا الموضوع. وكذلك الجلسات التي تمت في العاصمة الروسية موسكو والظن أن الخصم والشريك والعدو اللدود للشعب السوري سوف يصبح حكما عدلا ولو بدراسة أفكار أو مبادرة هي في أصلها ميتة لأنها لا تلبي حتى أدنى طموحات هذا الشعب كذلك بعد كل فنون القتل والجراح والسجن والتشرد واستمرار الكارثة إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ وخصوصا في الجوانب الطائفية الحاقدة وبوجه مؤكد على أهل السنة في سورية والعراق تحديدا. أقول: لعل هذا الموضوع هو ما جعل بعض المعارضين للانظام ينادون بالحل السياسي وبالتفاوض حقنا للدماء وسد المزيد من بوابات الموت اليومية التي تقع في البلاد.
ثم وجود آخرين - هم الأكثر طبعا - يشعرون أنه لا فائدة مع هذا السفاح كما هو أبوه من قبله من باب أن الذي يجرب المجرب عقله مخرب. بل ومن باب القاعدة التي أرساها رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم حين قبض على أبي عزة الجمحي الشاعر في معركة بدر فتوسل به ووعده ألا يقاتل ضد المسلمين أبداً فمنَّ عليه صلى الله عليه وسلم ولكنه وجد في غزوة أحد يقاتل ضدهم فأمسك به وقال له: لا يتحدث أي إنسان في المدينة وهو يمسح شاربه أن أبا عزة خدع الرسول فأمر بقتله وهو يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.... البخاري عن أبي هريرة رقم: 5782.
ولا ريب أننا مع هذا الموقف وهو الذي قد يصلح هذه الأيام على أن يُلَم الشمل وتكون الوحدة بين الثوار قدر الإمكان لأنه - كما ذكرنا أكثر من مرة - أن كلفة تغيير النظام مهما بلغت من الضحايا والتدمير هي أقل وأسهل بكثير من كلفة استمرار زعيمه المجرم على سدة الحكم وهو ما كانت إيران ومفاوضوها منذ المرحلة السلمية للثورة يؤكدون للثوار الإسلاميين وغيرهم في سورية أنه يمكن أن يكون لكم رئاسة الوزراء لكن الأسد غير قابل للتفاوض وهو خط أحمر- كما جرى في اسطنبول – ولكن جاء الرفض القاطع لهذا الطرح. ولم يكن عدد الضحايا يزيد على ستة آلاف يومها أما الآن فهو أكثر من ثلاثمائة ألف شهيد.... ولقد عرفنا أنه بالصبر والمصابرة والاصطبار يمكن للإنسان أن يبلغ هدفه أو أكثره وأن يكون رقما صعبا في المعادلة مع عدوه وليس برفع شعار الاستسلام الذي يطالبه به كما يأمره المجتمع الدولي وخصوصا أمريكا وروسيا وإسرائيل وإيران وأذنابهم فالضعيف في مرحلة ما يعمل على تقوية نفسه لا أن يستسلم! ومع كل ذلك فالحوار الجاد الفعال سيبقى أملا دائما عند الشعب السوري أما حوار الطرشان والمنافقين وعبيد الأسياد فلا وألف لا مهما استمر الصراع في الحلبة سيما أن الثوار يغنمون دوما من عدوهم وكما يؤلمهم يؤلمونه وأحيانا كثيرة بأشد وأقوى من طغيانه. وكما ذكرت الدكتورة نادية مصطفى وآخرون في كتاب الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام. ص: 14. إن المفاوضات في التعبير الدولي منهج أو أسلوب عملي تتبعه الأطراف دولا كانت أوغيرها من أجل التوصل إلى اتفاق يضمن لها أقصى قدر ممكن من المصالح والأهداف. فلسنا ضد التفاوض بهذا المعنى ولقد كانت مفاوضات النبي صلى الله عليه وسلم تقوم على هذا الأساس ولكنها تدور بين الشدة والمرونة. أما التشدد فيكون في الثبات على المبادئ إذ لا مساومة عليها سواء أكان في مرحلة قوة المسلمين أو ضعفهم. ولذلك لما عرض زعماء قريش عليه كل إغراءات الدنيا من زواج ومال ومنصب بشرط أنه يترك الدعوة لم يقبل وقال لعمه أبي طالب الذي حاول استمالته إلى ذلك (والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهر الله أو أهلك دونه) ذكره ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق في المغازي (1 / 284 - 285)
... فقاله: والله لا أسلمك إليهم.
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
وهكذا الإيمان وهكذا الإرادة التي لا تعرف المستحيل. ثم إن المعذبين في سورية على جميع الصعد لم يسألوا ذلك بل إن قلوبهم قبل أفواههم تلهج دوما بالدعاء على الأسد وبطلب المثابرة حتى يحكم الله ورغم كل هذه الأهوال في القضية السورية: ولا ننسى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديبية كما أخرج البخاري برقم 2529 (و إن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره) حتى قبلوا الصلح. وأما المرونة والتساهل فإنما يكون في الأمور الشكلية التي ترضي أعداء المسلمين ولا تضر المسلمين أو تكون ذا ضرر بسيط كما نقل الدكتور محمد اللا في عبر كتابه نظرا ت في أحكام الحرب والسلم ص 378 فإذا كان التفاوض جادا وليس لكسب مزيد من الوقت للانظام بأمر معظم المجتمع الدولي فأهلا وسهلا به وهو تفاوض العقلاء لا تفاوض الطغاة كفرعون ومسيلمة الكذاب وكم من أمثالهم في عصرنا هذا بل أشد.
أما عندما نحصل اعترافا بنا من خلال التفاوض أو كسرا لشوكة السفاح وأسياده يزيل الشك بحشودهم المتكالبة على حرب المجتمع المسلم فلسنا ممن يمتنع عنه كما عقب الشيخ محمد صادق عرجون في كتابه محمد رسول الله 4/179 ط دار دمشق فليراع الائتلاف السوري وقوى الثورة بجد خطورة هذه المرحلة ومن يمد أرجلنا للزحلقة والانزلاق إلى تلك الخطوات الإبليسية بعد كل هذه التضحيات لأن أي حوار أو تفاوض أو هدنة كالتي اقترحها "دي مستورا" في حلب مؤقتا لا يراد منها إلا التفاط الأنفاس من جانب العدو الطاغي المبطل الذي سيهزمه باطله بحقنا الأبلج وكم فشلت مداورات الدابي السوداني وكوفي عنان والأخضر الإبراهيمي ونبيل العربي!.
إن السفاح يريد الانقضاض علينا من جديد حسب الأوامر وهنا الخطيئة الكبرى التي يجب أن لا نقع فيها فهل من واع مجيب.
احذروا ذلك فإنه سيكلفنا والأجيال القادمة بالبقاء عبيدا مئات السنين الأخرى لا سمح الله.
فوق كل الرايات راية ربي ويد الله فوق كل الأيادي
الفوضى الفكرية المعاصرة.. وآفاق المعالجة
أصبحت الفوضى الفكرية إحدى السمات البارزة للعصر الحديث، لا بوصفها ظاهرة عابرة، بل كحالة بنيوية تتغلغل في الوعي... اقرأ المزيد
141
| 05 فبراير 2026
ما الذي نكسبه حين نبطئ؟
في عالم يُقاس فيه النجاح بالسرعة، ويُربط فيه الإنجاز بعدد المهام المنجزة في أقصر وقت ممكن، أصبح التمهّل... اقرأ المزيد
117
| 05 فبراير 2026
ثقل نومكم فزادت أحلامكم
من يتذكر غزة؟! أطرحه سؤالا وأقول في نفسي إنه من المعيب أن أسأل عن أحياء هم في الحقيقة... اقرأ المزيد
132
| 05 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
1554
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
816
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
678
| 04 فبراير 2026