رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حوادث ووقائع تسمع بها أو تقرأ عنها، تجعلك تتساءل فجأة: كيف؟ فلا تجد إجابة بالطريقة التي ربما تريدها، وقد تترك البحث عن الموضوع أو تعيد الأمر إلى الزاوية الآمنة لك، التي إن لجأت إليها اطمأن قلبك، وسرت آمناً مطمئناً في حياتك، وكانت تلك الطمأنينة بمثابة طاقة شحن نووية لا تنفد، تعيش بها إلى ما شاء الله لك أن تعيش.
فما القصة؟
• يخرج نبي الله يونس - عليه السلام - من قريته، بعد أن مكث فيهم حيناً من الدهر يدعوهم إلى الله ولكن دون نتيجة، حيث كذبوه وتمردوا عليه حتى خرج من القرية، وبقية القصة المعروفة وأهم مشاهدها، ساعة أن التقمه الحوت، فيدخل جوفه، لتتعطل فوراً قوانين الهضم عند هذا الحيوان الضخم، كيلا يتأثر نبي الله يونس بن متّى، لحكمة أرادها سبحانه. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• يخرج نبي الله عُزير - عليه السلام - ذات يوم مع حماره، فيمر على قرية مهجورة خاوية على عروشها، فيتساءل بينه وبين نفسه ( أنّى يحي الله هذه بعد موتها ) فيموت من فوره بعد هذا التساؤل. ثم أحياه الله بعد مائة عام، فقام وقد شعر أنه نام أكثر من اللازم، حتى تبين له ما حدث وأدرك أن الله على كل شيء قدير. إنه فعلياً مشهد من مشاهد القيامة، لكن بقدرة الله يحدث هذا المشهد في هذه الحياة الدنيا. إن من يموت في الدنيا لا يعود ثانية إلا يوم القيامة، لكن أن يموت في الحياة الدنيا، ثم يعود من موته في نفس الحياة، فهذا مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• يجتمع الناس بالآلاف لرؤية نبي الله إبراهيم الخليل - عليه السلام – يلقى جزاء ما فعل بأصنامهم، حيث تقرر حرقه في نار كبيرة، فيؤتى به – عليه السلام – وقد وثقت يداه بالحبال، وألقي بالنار، فيخرج بعد قليل ولم يحترق منه شيء سوى الحبال المقيدة بها يديه، في مشهد أذهل كل من كان حاضراً حينها، وأذهل من سمع بها لاحقاً إلى يوم الناس هذا.. كيف يتعطل قانون الحرق الخاص بالنار، فلا تُحرق سوى الحبال؟ مشهد لا شك أنه مذهل، بل مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• نبقى مع خليل الرحمن وهو يمسك بيد ابنه إسماعيل – عليهما السلام - من بعد أن بلغ معه السعي، أي وصل الى السن الذي سيبدأ الأب يعتمد عليه في أموره ويكون عوناً له، فإذا وحيٌ من الله يأمره بذبح الابن ! ولك أن تتخيل شعور الأب، الشيخ الكبير وهو سائر لذبح ولده الوحيد الذي جاءه من بعد أن بلغ من الكبر عتيا. حتى إذا حانت ساعة الذبح، يتوقف قانون القطع في السكين، فلم تقطع رقبة إسماعيل – عليه السلام – بعد محاولات عدة، إلى بقية القصة المعروفة. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• مريم العذراء تحمل جنيناً مباركاً في رحمها دون أن يمسسها بشر، ويعرف الناس بولادتها فتدور علامات الاستفهام حولها، فتدع الوليد يتكلم الوليد، ويكون كلامه جواباً أخرس كل الألسنة، وأذهل كل من كان حاضراً يسمع، ومن سيسمع بعد ذلك إلى يوم القيامة.. إن حمل المرأة يتم وفق قانون معروف، لكن أن يحدث حمل يناقض هذا القانون، كحال مريم العذراء، فهذا أمر لم ولن يتكرر. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• يقوم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – من فراشه ليلاً ليرافق سيد الملائكة جبريل - عليه السلام - على دابة البراق، لتسري بهما من مكة إلى الأقصى في لمح البصر، ثم تعرج بهما إلى السماوات العلا، ويتوقف جبريل عند مقام معين، ليواصل النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – العروج إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى حتى يصل إلى مقام لم يصله مخلوق قط، فيرى من آيات ربه الكبرى. ثم يعود بعد ذلك إلى فراشه في بيته بمكة، والذي كان لا يزال دافئاً ! فأي عقل وأي منطق يمكن أن يستوعب هذا المشهد؟ فإن تسافر في ذلك الزمان من مكة إلى المسجد الأقصى وعلى ظهور الإبل، كان في العادة يستغرق شهراً ذهاباً وبالمثل إيابا، فكيف يسافر النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبحسب وصف الرحلة، ثم يعود إلى مكانه، في أجزاء من الثانية، أو في اللا زمن؟
كيف يرتفع إلى السماوات وما يعني ذلك الخروج من المجموعة الشمسية فالمجرة، ثم تليها مجرات ومجرات حتى يصل إلى حافة الكون وأبعد، في رحلة تستغرق ملايين السنين لبلوغها، على افتراض وجود مركبات تسير بسرعة الضوء؟ كيف يقوم بها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في دقيقة أو أقل وفق الحسابات البشرية؟ لا شك أنه مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• مثال أخير نختم به سرد المشاهد الخارقة للنواميس والقوانين الكونية، هو مشهد فتية الكهف، الذين فروا بدينهم من ملك ظالم طاردهم ليس لشيء، سوى أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. فدخلوا كهفاً بعيداً عن المدينة، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وما إن استقروا في الكهف حتى نزلت عليهم السكينة، فناموا، ليس يوماً أو بعض يوم، بل ثلاثمائة وتسع سنوات !
وجه الغرابة والدهشة أن أجسامهم لم تتغير وتبلى، على عكس القانون المعروف الخاص بالأجسام البشرية التي تبلى وتتحلل بعد حين من الدهر قصير، بحيث لا يبق منها سوى عجب الذنب. أما أصحاب الكهف، فقد توقفت القوانين والنواميس مع أجسامهم مدة ثلاثة قرون وازدادوا تسعا. إنه مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
زبدة الكلام
الله سبحانه وتعالى حين يخرق قوانين وسنن الكون على شكل معجزات ليشاهدها الناس، أو أحياناً دون أن يشاهدها أحد سوى المعنيين بالحدث فقط، فإنما لحكم معينة. واحدة منها أن المعجزة أو الحدث غير المعهود للبشر، عبارة عن رسالة إلهية مؤيدة للرسول، بمعنى أنه مرسل من الله، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى. ومنها، وهي الأهم من سابقتها، أن الله يفعل ما يشاء، وقتما يشاء، وأينما يشاء وكيفما يشاء.
إن من وضع القانون هو القادر على أن يخرقه. وإن خرق القوانين والسنن ليس بأكبر من خلق موجودات هذا الكون، الذي لا زال يتمدد ويتوسع، بل إن كل تلك المخلوقات ليست بأكبر من مشهد خلق الكون نفسه من لا شيء، أو مشهد الفتق العظيم أو ما نسميه بالانفجار العظيم.. والله سبحانه أكبر وأجل وأعظم.
نحن مطالبون بالإيمان والتسليم التام أن الله حق، وأن ما يفعله حق، وإن لم تستوعب عقولنا المحدودة وقلوبنا، الحكمة من وراء بعض الحوادث الخارقة للسنن والقوانين الكونية المعروفة. وإن الثبات على هذا الإيمان التام واليقين الراسخ، هو التحدي الأكبر عند الإنسان. فليس شرطاً أن تؤمن بالذي يتوافق وعقلك وفهمك دوماً، وذلك لسبب وجيز هو أن عقل الإنسان - كما أسلفنا - مهما بلغ، فسيظل قاصراً ناقصاً محدودا، وإن الاعتماد عليه في مسائل الإيمان، قد لا يأتي بنتائج تسر صاحبه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
أبوبكر الصدّيق – رضي الله عنه – لم يرفض معجزة الإسراء والمعراج الخارقة لكل قوانين السرعة والجاذبية والضغط وغيرها، بل صدّقها من فوره، فصار صديقاً، في الوقت الذي ارتد عدد من الذين أسلموا في تلك الفترة، وهم يسمعون القصة من فم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الفرق بين الإيمان الراسخ العميق، والإيمان السطحي غير المستقر.. فاللهم إيماناً راسخاً لا يتزحزح ولا يتزعزع، واللهم ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعـد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ).
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
252
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
381
| 17 سبتمبر 2026
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
252
| 10 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1380
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026