رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة ترقب لأن تتحول القمة الخليجية الرابعة والثلاثون التي ستستضيفها الكويت غدا الثلاثاء إلى قمة تذليل الصعوبات التي ما زالت تعرقل مسار العمل المشترك وصولا إلى مرحلة الاتحاد إلى نص عليها ميثاق تأسيس مجلس التعاون والذي حظي بدفعة قوية في ضوء المقترح الذي قدمه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الرياض الثانية والثلاثين قبل عامين خاصة مع ارتفاع سقف الطموحات الشعبية في تعزيز الوحدة بين دول منظومة مجلس التعاون واتخاذ المزيد من خطوات التكامل الاقتصادي والتنمية البشرية.
ولعل من أهم التوقعات أن تضيف هذه القمة مكاسب جديدة لصالح مواطني دول المجلس ذلك أن قادة دول المجلس سيولون خلال فعاليات القمة أهمية استثنائية لتعميق المواطنة الخليجية والأمن والاستقرار وتفعيل التكامل الاقتصادي بين دول المجلس لارتباطها بحياة المواطن الخليجي ومعيشته وذلك قناعة منهم بأن العمل الخليجي المشترك يتعين أن يقود إلى مزيد من التعاون والترابط والتكامل
ويجمع المراقبون على أن المرحلة القادمة من مسيرة التعاون الخليجي، واعدة بالمزيد من المُنجزات؛ تتويجًا لما تشهده حاليًا من مشاريع استراتيجية ترمي إلى تعميق التكامل، خاصة في المجالات التي تخدم الإنسان الخليجي بالدرجة الأولى وتحقق تطلعاته لاسيما أن ما تحقق حتى الآن على هذا الصعيد يقترب من نسبة 92 في المائة من إجمالي قرارات العمل الخليجي المشترك وفق ما أعلنه قبل أيام خالد الجار الله وكيل وزارة الخارجية الكويتي
ولاشك أنه منذ تأسيس منظومة مجلس التعاون الخليجي في عام 1981، تحققت إلى حد كبير العديد من التحولات المهمة على هذا الصعيد رغم تشعب الرؤى السياسية واختلافها، و طغيان المشكلات الأمنية كثيرًا على غيرها من جوانب التعاون غير الأمنية التي يمكن أن تحقق مكاسب ملموسة للمواطنين الخليجيين.
ولكن في ظل الاضطرابات السياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، يبدو جلياً أن ينبغي على القيادات الخليجية - وفقا لرؤية بعض المتخصصين- أن تسعى بمزيد من الجدية إلى تلبية احتياجات المواطنين والمقيمين في المنطقة لاسيما أن الدول الأعضاء الست في مجلس التعاون الخليجي تواجه مجموعة من التحديات الداخلية المشتركة إضافة إلى المخاطر الخارجية. فكل الدول الأعضاء تعاني من الاعتماد على الأنشطة المرتبطة بالمواد الهيدروكربونية وتضخم القطاع الحكومي والاعتماد على استيراد العمالة والمواد الغذائية الأساسية.
وفي ضوء ذلك تتطلع جميع الدول الخليجية إلى تنويع اقتصاداتها والتشجيع على العمل في القطاع الخاص، وذلك استباقًا لنضوب الاحتياطات الإقليمية من الطاقة وللتكيف مع العدد المتزايد من سكانها تخفي أرقام البطالة المنخفضة معدلات أعلى بكثير من المواطنين الخليجيين الشباب الذين لا يجدون عملا وإضافة المزيد من الوظائف إلى القطاع الحكومي المتضخم بالفعل ليس حلا واقعيًا على المدى الطويل.
ويمكن أن يكون تعظيم التعاون بين دول الخليج وسيلة فعالة للإسهام في تلبية هذه الاحتياجات. فمن الممكن أن يقدم مجلس التعاون لدول الخليج العربية مزايا عملية للمواطنين والمقيمين في الخليج في مجالات المواصلات والتوظيف والاتصالات والتعليم والتدريب والأمن الغذائي والمائي.
وقد تم إطلاق اتحاد جمركي خليجي للمرة الأولى لفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات وذلك في عام 2003؛ سعيا لفرض تعريفة دخول واحدة مشتركة على البضائع التي تدخل دول مجلس التعاون الخليجي وكذلك رفع كافة التعريفات الجمركية عن البضائع التي تنتقل فيما بين دول مجلس التعاون. وقد تسببت المشكلات المتعلقة بالإيرادات والحمائية العامة في تأجيل تفعيل الاتحاد وجعله واقعًا وبات ذلك مرهونا بنجاح الفترة الزمنية الجديدة التي منحت لتفعيله في عام 2015.
وفي قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عُقدت في الدوحة عام 2007، اعتزم المجلس تأسيس سوق خليجية مشتركة من شأنها أن تزيد العوائق الإدارية والتنظيمية التي تقف حجر عثرة أمام التجارة الإقليمية. لكنه لم يُنفذ المشروع بشكل كامل إلى الآن، كما أن المكاسب المرتبطة بهذه السوق فيما يتعلق بقطاع الأعمال والعمل الحر لم تتحقق.
وقد تباطأت خطة تأسيس اتحاد نقدي خليجي لاسيما مع انسحاب سلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة من خطة تبني عملة مشتركة في عامي 2006 و2009 على الترتيب ولكن في عام 2009، وقع وزراء خارجية البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية اتفاقية الاتحاد النقدي والنظام الأساسي للمجلس النقدي، كخطوة تسبق تأسيس مصرف مركزي لدول مجلس التعاون. بيْد أنه منذ ذلك الحين لم يتحقق الكثير من التقدم.
وقد أعلن عن مشروع للسكك الحديدية يربط بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في القمة الرابعة والعشرين لمجلس التعاون في عام 2003، لكن المشروع تأجل مرارًا نتيجة لخضوعه لدراسات مكثفة ما زالت مستمرة.
ويرى معظم المراقبين أن الوصول إلى مرحلة الاتحاد الخليجي من شأنها أن تحد الكثير من المعوقات وتدفع إلى المزيد من التفاعل وتنفيذ الخطط والتصورات المؤجلة لتحقيق نقلة نوعية في منظومة مجلس التعاون الذي ولد ليبقى - وفقا لتعبير عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام السابق للمجلس - وبالتأكيد ستكون خلاصة الدراسة التي شكلتها قمة البحرين في العام المنصرم على جدول أعمال قمة الكويت ولكن من غير المنتظر أن يصدر قرار نهائى باعتماد خيار الاتحاد وهو أمر مرشح للمزيد من الدراسة خاصة في ظل تحفظات تبديها بعض الأطراف الخليجية رغم أن "الاتحاد المقترح لن يستلزم تصفية أي من الدول الأعضاء في مجلس التعاون أو إلى يقود إلى رئاسة مشتركة أو علم واحد، بل إنه سيعمل باعتباره اتحادًا كونفدراليًا يضع سياسة مشتركة فيما يتعلق بالاقتصاد والعلاقات الخارجية والدفاع
وينظر إلى هذا الاتحاد باعتباره وسيلة لإنهاء اعتماد الخليج على مورد سرعان ما سينضب وعلى مظلة أمنية غربية، لا سيما أن اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على الخليج فيما يتعلق بسد احتياجاتها من الطاقة يتراجع.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن نرى مجلس التعاون الخليجي ذا طبقتين، والذي يتواجد فيه اتحاد على أساس ثنائي أو ثلاثي الجوانب، لكن تحقيق شيء أكثر أهمية سوف يتطلب تنازلات وتضحيات من كافة الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي.
لكن هذه المناقشات تبعد كثيرًا عن التجربة التي يعيشها شعب الخليج، فالقضايا التي ترتبط بمسألة إجماع دول مجلس التعاون الخليجي ليست نظرية فحسب؛ لكنها يجب أن تتمركز حول تحقيق مكاسب ملموسة لمواطني دول الخليج والمقيمين فيها. في الوقت الحالي معدلات النمو مرتفعة لكنها مدفوعة بأسواق الطاقة العالمية القوية.
فليس هناك من شيء يضمن أن تستمر إيرادات المواد الهيدروكربونية في إتاحة الفرصة أمام الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي من الهروب من الواقع الاقتصادي، لا سيما مع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وهناك بعض الدول التي تواجه عجزًا في ميزانيتها بالفعل أو على شفا مواجهتها. وبالنظر إلى المستقبل، تحتاج الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة التفكير في هياكل المجلس خصوصًا تأكيده على النزعة الحكومية الإقليمية واعتماده على صيغة الإجماع في صنع قراراته. ولاشك أن مجلس التعاون الخليجي يحتاج إلى نموذج أكثر قابلية للحياة والتطبيق يخدم مصالح شعب الخليج. لكنه إذا كانت الدول الأعضاء في المجلس تستطيع التغلب على انقسامات الماضي والتنسيق فيما بينها بشأن التحسينات العملية التي يمكن إدخالها على مستوى الحياة في منطقة الخليج، فإن هذه الدول مجتمعة يمكنها أن تصبح قوة مؤثرة في عملية التنمية في المنطقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3552
| 23 سبتمبر 2026