رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يقل (يا فيها يا أخفيها) لم يقل كفرعون أنا ربكم الأعلى، لم يقهر، ولم يضرب بعصا السلطة الغليظة، ببساطة أخرج نفسه من الحسابات الشخصية الضيقة فلم يكن طامعاً في كرسي، ولا أبهة، ولا سلطة، ولا هيمنة، ولا طامعاً بتولي رأس هرم الدولة ليملأ خزائنه من خيرات الوطن المستباحة، كان كل همه تحرير السود من ربقة العبودية، والعنصرية، واستعادة كرامتهم الإنسانية، حتى وهو داخل إلى السجن ليقبع فيه قرابة ثلاثة عقود دخل وابتسامته الطيبة التي تشي باطمئنان غريب لم تفارقه، لم يدع للعنف، ولا للثأر، ممن حرموه الشمس، والحرية، وصادروا تحركه الإنساني من أجل وطن يعذب ناسه بسياط العنصرية البغيضة، تزيا يقينه وعاش في سراديب الزنزانة يؤمن بأن النهار آت لا محالة وإن تأخر، وجاء النهار مطلقا (مانديلا) الطير الأسير في فضاءات الحرية التي عشقها، وبسلمية مثالية جيش زعيم الحرية لمقاطعة نظام جنوب إفريقيا في السجن وخارجه حتى رضخ السجان، واستجاب بمنح بشر ولدوا أحراراً حريتهم المنشودة، ودخل مانديلا الانتخابات، لم يزور، ولم يكذب، ولم يدفع لمن يبيع له صوته، فاز حزب المناضل بالأغلبية فتولى السلطة التي عاش خادماً لها، منصفاً لرعيته التي أحبته حباً أسطورياً، عاش مانديلا رجلاً استثنائياً بكل معنى الكلمة، فهو صديق لكل عمل إنساني، مشارك في كل ما يساهم في إسعاد البشر أينما كانوا، لم ينس محيطه العالمي، فكان من المتعاطفين الداعمين للفلسطينيين المؤمنين بضرورة حصولهم على كل حقوقهم وأولها حق العودة، خمسة وتسعون عاماً بيضاء عاشها الزعيم المناضل، لنصرة حرية قارته السوداء مُضحياً بوقته وراحته، وسنوات عمره، وأبداً لم يكن متكالباً على كرسي السلطة لتكون سلطته أبدية مؤبدة بل تركها لغيره طواعية دون أدنى حساسية أو غضاضة مخالفاً بذلك معظم الرؤساء المشتاقين للكرسي، الحريصين على الالتصاق به بوله مجنون ولم يتركوه إلا بالاغتيال، أو بالعزل، أو بزيارة عزرائيل اللطيفة ليقول: اتفضل معانا!
هذا هو مانديلا الزعيم الملهم الخليط بين الشجاعة، والأخلاق، والضمير، وإنكار الذات، والزهد، والانتماء لكل ما هو إنساني، هذا هو مانديلا حبيب القارة السوداء، وأيقونتها الفريدة وأبوها الروحي الذي يسجل في قلب العالم اليوم حضوراً مدوياً رغم الغياب بعد أن قدم بكل الحب، والتفاني، والإخلاص، ما تفخر به أجيال بعد أجيال.
صحيفة (فايننشال تايمز) قالت: (عظمة مانديلا تتجلى في إعلائه المصالحة على الرغبة في الانتقام، وفي فهمه العميق بأن الديمقراطية وحدها القادرة على مداواة جراح العنصرية)، ويظل شوك الحياة كثيراً نراه أينما تلفتنا بينما وروده العابقة تذوي بعطرها الإنساني البديع وإن عاش العبق للخامسة والتسعين! وداعاً أيقونة الحب الجميل.
*** طبقات فوق الهمس
* يقول النشيد الشهير (وطني حبيبي الوطن الأكبر، يوم ورا يوم أمجاده بتكبر، وانتصاراته مليا حياته، وطني بيكبر وبيتحرر) عجبت جداً من القناة التي تزن بهذه الأغنية دون وعي بضرورة تغيير الكلمات لتتماشى مع نكبات دول الربيع العربي الذي يعاني التغريب، والتقسيم، والتهشيم، لتكون أصدق، صعب محاباة اللحن على حساب الحقيقة التي تقول: وطني حبيبي الوطن الأكبر، يوم ورا يوم نكباته بتكبر.. وانكساراته مليا حياته.. وطني بيصغر، وبيتبخر! أعان الله الوطن الأكبر على أوجاعه.
* خروج بنات إسكندرية من السجن يمحو وصمة لم يوفق أبداً من اقترحها، بقي محو الوصمة حتى لا ينتبه التاريخ فيسجلها.
* بعد اعتقال ابنته تغيرت لهجة المذيع محمود سعد وأكاد ألمح اعتراضاً، والسؤال هل كان ضرورياً أن تعتقل ابنتك لتعدل بُوصلتك وتستشعر أوجاع الناس؟ وإذا كنت قد جفلت لمجرد الاعتقال فما بالك بالذي قُتلت ابنته، أو أبوه، أو أمه، أو أخته، هل تعرف هذه الآلام العصية على الصبر والاحتمال؟
* بالصدفة فتحت التليفزيون فسمعت الأستاذ (سلماوي) يتحدث عن مادة تهتم بحقوق الحيوان! يارب يخليك لمصر الناس عايزه حقوق الإنسان أولاً وخلي الحيوان بعدين.
* غرق الناس في حكاوي الدستور، بعض الإعلاميين استبق الاستفتاء وأفتى بالنسبة التي ستسجلها (نعم) نذكركم بأننا تجاوزنا عهد مبارك والـ99%.
* بدأ الكاتب مقاله بـ(مين الحمار اللي يشتري أسهم في البورصة إلا إذا كان عنده أمل أن المستقبل سيكون أفضل) أرى كلمة (حمار) قد شاعت في مقالات الكتاب، وعلى ألسنة مذيعين يشتمون بها من يشاؤون، وفي الهتافات العجيبة بالشوارع، وحتى في الأغاني (بحبك يا حمار) ياإخونا ظلمتو الحمار بأسلوبكم العار!!
* بعد رحلة طويلة مساحات الحزن فيها كثيرة رحل (أحمد فؤاد نجم) الشاعر البديع، المشاغب، المشاكس، الباكي، الآمل، الغاضب، المحب، المبدع، العاشق لتراب مصر،المكتئب وهو يراقب حبيبته مصر تنزف، تتوجع، وهو عاجز عن مداواتها، رحل (نجم) تاركاً للأجيال إرثاً لا يمكن أن يصدأ، وشجاعة تعز على الخائفين، يقول (الفاجومي)
* احنا مين وهما مين
احنا قرنفل على ياسمين
احنا الحرب حطبها ونارها
واحنا الجيش اللي يحررها
واحنا الشهدا بكل مدارها
منكسرين أو منتصرين
حزر فزر شغل مخك
شوف مين فينا بيقتل مين؟
من يجده يتصل بنا!
* الشتاء يملك قدرة عجيبة على تجديد طعم الأحزان، وتجديد لسعة الألم، وحرقة الفقد! لي مع نهايات العام... اقرأ المزيد
1765
| 02 يناير 2017
هل نحفل حقا برؤوس الشباب المبدع
• كان يتحدث عن الشباب الهامد الخامد الذي ينام عن الابداع، قلت ياسيدي: الابداع ابن بيئته، أولا ارزع... اقرأ المزيد
1630
| 26 ديسمبر 2016
رسالة من قدم!!!
كم طائرة يا ترى تحركت من مطارات الدنيا وثكناتها لتطفئ حريق إسرائيل شفقة ورحمة بسارقي الأرض العربية؟ كم... اقرأ المزيد
3647
| 19 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3156
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1107
| 28 سبتمبر 2026