رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زوايا النفس، حيث تتناوب الهموم والظنون، وتتصاعد الأصوات الخافتة في دهاليز الفكر، يولد التفكير التضخيمي؛ ذلك النمط الذهني الذي يهوّل الأمور، ويُكبّر التفاصيل حتى تصير الجبال من الحصى، ويحول المواقف العابرة إلى معارك وجود. هو تلك العدسة المشوهة التي يضعها العقل على عينيه، فلا يرى من الواقع إلا ظلاله المقلقة، ولا يقرأ من الأحداث إلا وجوهها السوداء.
إن التفكير التضخيمي ليس مجرد عادة فكرية، بل هو اضطراب في إدراك النسبة بين الشيء وقدره، وخلل في ميزان النظر إلى الوقائع. ينشأ غالبًا من بيئة نفسية يغلب عليها القلق، ومن تربية تزرع الخوف من الخطأ، أو من تجربة مؤلمة علمت الإنسان أن يتوجس من كل قادم. حينها يختلط الحذر بالهلع، ويضيع الحد بين التوقع الطبيعي والمبالغة المرضية، فيتحول الذهن إلى ساحة مفتوحة للظنون، تشتعل فيها كل فكرة صغيرة حتى تصبح نارًا تلتهم راحة القلب.
ملامحه وصفاته
من أبرز سمات هذا التفكير أن يعيش صاحبه في حالة ترقب دائم، كمن ينتظر مصيبة لم تقع بعد، ويقرأ في صمت الأيام إنذارًا خفيًا، وفي كل تأخر أو تغير في المألوف، دليلًا على شر قادم. يرى الغد عدوًا متربصًا، ويحمّل الحاضر ما لا يحتمل من الهواجس. يتضاعف خوفه من المستقبل لأنه فقد الثقة في المدبر سبحانه، ويفر من واقعه لأنه لا يرى فيه لطفًا ولا حكمة.
هو إنسان يعيش في خيال يهدده، وفي ظلال فكرة لم تتجسد، يرى الخطر قبل أن يوجد، ويستسلم لصور وهمية من الفقد والألم. يظن أن كل نظرة تخفي نقدًا، وكل تأخير يحمل مؤامرة، وكل تجربة فاشلة نذير نهاية. فلا عجب أن يفقد طمأنينته، لأن نفسه أرهقتها صناعة العواصف من النسيم.
آثاره على النفس والحياة
آثار التفكير التضخيمي عميقة ومتشعبة. فهو يستنزف طاقة الإنسان النفسية قبل أن يرهق جسده. يبدد الصفاء الداخلي، ويغتال الهدوء في لحظات السكون، فيعيش صاحبه بين مطرقة الندم على الماضي وسندان الخوف من القادم. لا يهنأ بلذة الحاضر، لأن ذهنه منشغل بما لم يقع بعد، ولا يطمئن إلى قدره، لأن في داخله يقينًا خفيًا بأن الشر أقرب من الخير.
ومن آثاره كذلك: اضطراب العلاقات الاجتماعية، إذ يسيء صاحبه تأويل المواقف والنوايا، فيظن بالناس السوء، ويهرب من الحوار خوفًا من المواجهة، ويفقد قدرته على اتخاذ القرار لأن الخطر في نظره يترصد كل خطوة. تتقلص دائرة حياته شيئًا فشيئًا حتى يصبح أسيرًا لفكرة واحدة، سجينا لعقله الذي لا يهدأ.
العلاج والتعافي
ليس علاج هذا النمط في القمع أو التجاهل، ولا في محاولات التفكير الإيجابي السطحية، بل في إعادة بناء العلاقة بين الفكر والإيمان. فالعقل إن لم يستند إلى يقين التوحيد، ضل في متاهات الخوف، وصار يضخم المجهول لأنه فقد ميزان الثقة بالله. إن أول خطوة في العلاج أن يدرك المرء أن الأمور بقدر، وأنه لا يقع في الكون شيء عبثًا، كما قال الله تعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
بهذا اليقين، تبدأ النفس في استعادة توازنها، ويستعيد العقل قدرته على رؤية الأشياء كما هي، لا كما يخاف أن تكون. وكلما ازداد الإيمان بالقدر، تقلص الخوف من المستقبل، لأن المؤمن يعلم أن تدبير الله له أوسع من تدبيره لنفسه.
ثم يأتي الجانب العملي: أن يدرب الإنسان نفسه على الوعي بالفكر حين ينشأ، فيلاحظ المبالغة دون أن ينخرط فيها، وأن يتنفس بعمق حين تهاجمه الفكرة الكارثية، وأن يذكّر نفسه بأن الخطر المتخيَّل لا يساوي جهد الخوف منه. ويمكن أن يستعين بالعلاج المعرفي السلوكي الذي يساعد على إعادة تشكيل المفاهيم، وضبط المنطق الداخلي الذي يضخم الأمور.
قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فهي الآية التي تهدم جذور التفكير التضخيمي من أعماق النفس؛ لأن فيها يقينًا بأن وراء كل أمر وجه خير وإن خفي، وأن الخوف في جوهره سوء ظن بلطف الله.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم).
فهذا الحديث يضع قاعدة ذهبية في طمأنينة النفس؛ إذ يجعل الإنسان يرى في كل قدر بابًا إلى الخير، وفي كل محنة معنى من الرحمة الإلهية، فينقلب الخوف سكينة، والقلق رضا، والاضطراب طمأنينة.
إن التفكير التضخيمي ينهزم أمام الإيمان الراسخ، لأن اليقين بالله يختصر كل احتمالات الشر في جملة واحدة: “لن يصيبني إلا ما كتب الله لي”، وعندها يعود الاتزان إلى النفس، فيتوازن الإدراك، وتصفو الرؤية، ويعود الخيال إلى مجاله الجميل، مجال الإبداع لا الخوف، والتفكير لا التهويل.
وهكذا يتعافى القلب حين يضعف سلطان الوهم، ويقوى سلطان الإيمان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6222
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026