رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرني ظهور جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله تعالى في كلمته المتلفزة من مقر إقامته في ألمانيا، يهنئ الشعب العماني بالذكرى الرابعة والأربعين للعيد الوطني العماني الذي يصادف الثامن عشر من نوفمبر، ويطمئن شعبه الوفي، بأن نتائج علاجه طيبة، وأنه سيبقى لفترة لمتابعة البرنامج العلاجي المعد. وبعد دقائق قليلة من انتهاء كلمته، خرج عشرات الآلاف من أبناء شعبه بصورة تلقائية في كل المحافظات والولايات، فرحا واستبشارا بصحته، وسجد الطلاب والمعلمون في المدارس الحكومية والخاصة، تعبيرا عن حبهم لهذا القائد الذي أرسى دعائم الوحدة الوطنية، والنهضة الشاملة، أقول ذكرني هذا الفرح والحب الجارف، بذكرى توليه مقاليد الحكم في عمان، وثبات الحب والتقدير لهذا القائد المعظم، ففي ذلك اليوم الخريفي البديع الذي يتفرس وجوهنا وملامحنا الشاحبة بأجواء الطقس الجميل، من يوم الخميس 23 يوليو 1970، وقد عشت بنفسي ذكرى ذلك اليوم الخالد، لاحظنا أن الأجواء الملبدة بالغيوم في ذلك اليوم أن هناك أجواء أخرى غير طبيعية من خلال حركة السيارات المتواصلة من قاعدة صلالة الجوية إلى منطقة الحصن، المقر الرئيسي للسلطان السابق سعيد بن تيمور آل سعيد، بصورة تلفت النظر، أو الأصح تستدعي الانتباه لكننا مع ذلك لم نكن نرعى الأمر أهمية لكون الظروف في الوقت ربما تكون أقرب إلى تلك التحركات، وبعد حوالي نصف ساعة من الوقت لاحظنا تحليق بعض الطيران في أجواء روتينية بالمقاييس العسكرية، وما هي إلا دقائق فإذا بأحد موظفي الجهاز الحكومي في ذلك الوقت، وعددهم قليل جداً يعود مرة أخرى لعدم تمكنه من الوصول إلى مقر عمله حيث الدوام آنذاك لفترتين مسائية وصباحية وعندما سألناه عن الأسباب كان رده مقتضباً وهامساً " يبدو أن هناك تحركات غير عادية وحركة الدخول والخروج بمنطقة الحصن شبه ممنوعة".
توقف النشاط الكروي تماماً فإذا بنا نركض كل في اتجاه وإن كان أغلبنا اتجه إلى ميدان الجامع بسلالة حيث الطريق الرئيسي إلى منطقة الحصن فإذا بجموع المواطنين واقفة في الميدان ترقب التحرك بما يشبه الترقب بحدوث أمر ما يكون مدعاة للخروج من محنة العزلة وألم التخلف ومتاعب التشتت ولم يطل الانتظار في الترقب الذي أتى بهواجس ووساوس كثيرة بعضها كان أقرب للتوقع بما حدث.
وقبل أذان المغرب بدقائق معدودة إذا بأحد الأشخاص يأتي من منطقة الحصن ـ التي عاشت أحداث الساعة الساعات التاريخية في ميلاد عماننا الحديثة ـ باسماً مستبشراً وهو يتجه إلى الجموع المحتشدة بالميدان (البشارة.. لقد تولى قابوس مقاليد الحكم، وقد خرج ماشياً في المنطقة السكنية المحاذية لقصر الحصن يحيي جموع المواطنين الذين خرجوا بتلقائية لتحيته بتوليه الحكم وتحمد الله وتشكره) وارتفعت أصوات الجموع بالتكبير والدعاء وسمعنا بعدها بدقائق مدينة صلالة ترتج بالزغاريد من البيوت ورأيت بنفسي الدموع تنهمر بعفوية من العشرات الواقفين.. إنها دموع الفرح والفرج الذي طال انتظاره وتحقق على يد القائد الباني قابوس.
إن الحدث فاجأنا حتى أن بعضنا لم يكن يصدق ما حدث، إنه أشبه بحالة استثنائية غير متوقعة.. إنها ولادة جديدة بكل معاني الكلمة لوطن يعاني الكثير من ويلات الحرب والتمزق والشتات وزحف الليل على مدينة صلالة ورغم سدوله المعتم، إلا أن نور الفرج قد لاح منذ ساعات بخبر تولي قابوس الحكم وعاشت المدينة وبقية القرى في ليل سعيد لم تعرفه منذ سنين كثيرة في أحاديث وتوقعات وأحلام.. ولم نستطع أن نقسط الحلم أو نطرده لأننا عشنا أوقاتاً نبحث عن حلم يزيح ما يجيش في النفس وعن خواطر وطن أضحى يتراجع ويتقلص بعدما كانت شهرته في الأوقات تضرب بها الأمثال قوة وتاريخاً ومجداً.
ونستذكر أول بيان للسلطان من صلالة بعد توليه مقاليد الحكم عام 70م، إذ عبر عن ذلك بقوله:(إني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي أن أبدأ بأسرع ما يمكن أن أجعل الحكومة عصرية وأول هدفي أن أزيل الأوامر غير الضرورية التي ترزحون تحت وطأتها.
أيها الشعب، سأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سعداء لمستقبل أفضل وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب، كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة، وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي، إني متخذ الخطوات القانونية لتلقي الاعتراف من الدول الخارجية الصديقة، إني أتطلع إلى التأييد العاجل والتعاون الودي مع جيراننا وأن يَكُون مفعوله لزمن طويل والتشاور فيما بيننا لمستقبل منطقتنا، إني أستحثكم الاستمرار في معيشتكم المعتادة وإني سأصل إلى مسقط خلال الأيام القليلة القادمة وهدفي الرئيسي ما سأخبركم به.
شعبي.. إني وَحُكُومَتِي الجديدة نهدف لإنجاز هَدَفنَا العام.. كان بالأمس ظلام ولكن بعون الله غدا سيشرق الفجر على عمان وعلى أهلها، حفظنا الله وكلل مسعانا بالنجاح والتوفيق).
وعندما اتجه من صلالة إلى مسقط بعد عدة أيام توليه مقاليد الحكم، يصّور الصحفي السوري المعروف رياض الريس، في كتابه:( ظفار الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي)، استقبال العمانيين لقائدهم المعظم بمسقط فيقول: (لا أذكر أنني شاهدت في عمري فرحاً كالفرح الذي شاهدته في مسقط، عند تولى قابوس السلطنة، ورقص الناس في الشوارع، رجالا ونساء وأطفالا. لم أسمع زغردة أطول وأنقى من زغردة النساء، كانت الزغاريد من القلب، من حرقة الماضي، من ظلم السنين الطويلة، كان شيئا عجيبا من الحمى يسري في المئات الذين هاموا فرحاً ونشرة وسرورا بالشاب الأسمر الخجول النحيل صاحب اللحية السوداء الكثة الطويلة، كلهم يريدون أن يروا قابوس، السلطان الجديد.
لم يتغير الحب لهذا السلطان الحكيم المحب لشعبه وأمته، بل ازداد هذا الحب، حتى من المعارضين أيضا، الذين عادوا إلى وطنهم، أفرادا في أوقات مختلفة، ودعاهم إلى بناء عمان، بلدهم، وتقلدوا مناسب كبيرة في الدولة في كل القطاعات، ومن شتى التيارات الفكرية، بل إن السلطان اتبع سياسة التسامح والعفو في مواقف وأحداث كثيرة، ليست هي مجال حديثنا الآن.
قد يسأل البعض استغرابا لماذا هذا الحب الكبير للسلطان قابوس من شعبه؟ ومن التقدير أيضا من أمته والإنسانية جمعاء؟ والجواب أن هذا السلطان حفظه الله وعافاه وأطال في عمره، اتبع سياسة الحكمة والتسامح والعفو، ولم يتخذ قرارات تتسم بالحدة والقسوة، وأحب شعبه، وأسس لنهضة بخطوات متدرجة، تجنّب فيها سياسة حرق المراحل، أو القفز على الواقع، أو اعتماد الشعارات البراقة دون المضامين، فاكتسب حب الداخل، واحترام الخارج، وبقي التقدير والحب ثابتا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3294
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026