رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليبيا الحافلة بالأزمات دخلت في أزمة جديدة تهدد وحدتها، ذلك أن المحكمة الدستورية العليا أصدرت يوم الخميس الماضي 6/11 حكما قضى بحل مجلس النواب المنتخب واعتباره كأن لم يكن، كما اعتبرت أن كل ما صدر عنه من قرارات وإجراءات في حكم العدم، وكان الطعن الأساسي الذي قدم إليها يشكك في قانونية التعديل الذي أدخل على الإعلان الدستوري الذي ترتب عليه إجراء انتخابات مجلس النواب الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق (شرق ليبيا) ذلك أن التعديل أقر بعدد 121 صوتا بدلا من 132 صوتا وهو المقرر في النظام الداخلي للمؤتمر الوطني والإعلان الدستوري، وقد قبلت المحكمة الطعن شكلا ومضمونا، ولم تنظر في طعن آخر قدم إليها بإبطال انعقاد مجلس النواب في مدينة طبرق بسبب عدم الالتزام بالتسليم بالشكل القانوني. ولم تنظر المحكمة في ذلك الطعن الثاني لأن حكمها يحل مجلس النواب واعتباره كأن لم يكن يجعل الطعن غير ذي موضوع.
حكم المحكمة العليا تحول إلى قنبلة سياسية انفجرت في الفضاء الليبي فقد أيده البعض واعتبروه صحيحا، في حين شكك فيه آخرون ممن اعتبروا أن الحكم صدر تحت ضغوط مارسها ثوار فجر ليبيا المسيطرون على طرابلس، بعد طردهم كتائب الزنتان الحليفة لنواب طبرق في طرابلس.
ردود الأفعال تعددت على النحو التالي:
< أعضاء المؤتمر الوطني المنعقد في طرابلس على لسان الناطق باسمه عمر حميدان والنائب الثاني صالح محزوم ورئيسه نوري بوسهمين أيدوا القرار وأعلنوا في تعقيبهم عدة أمور:
أولها احترامهم لحكم المحكمة، وثانيها التزامهم ببناء عملية سياسية تؤسس على الشراكة بين كل الليبيين، وثالثها التزامهم بعدم المشاركة السياسية مع نظام القذافي.
< برلمان طبرق رفض رسميا حكم المحكمة، إلا أن بعض النواب اعترفوا بالحكم وأعلنوا احترامهم له، أما النواب الفيدراليون فقد هددوا بتقسيم البلاد بحيث تصبح برقة كيانا مستقلا، ومنهم من تحدث عن اللجوء إلى القضاء الدولي لحسم المسألة.
< حكومة عبدالله الثني التابعة لبرلمان طبرق رفضت الحكم معتبرة أن المحكمة خضعت لسيطرة وتهديد الميليشيات.
< عربيا تشير المعلومات المتوافرة إلى أن التحالف المؤيد لفريق طبرق واللواء حفتر يتجه إلى استصدار بيان من جامعة الدول العربية يدين الحكم أو يرفضه ويدعم برلمان طبرق وحكومة الثني، إلا أن الجزائر ترفض تلك المساعي.
< القوى الكبرى فوجئت بالحكم ومصدومة به، وحتى كتابة هذه السطور فإن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا لم تعلن موقفا، إلا أنه من الواضح أنها ترفض الاعتراف بعودة الشرعية للمؤتمر الوطني وحكومته، وتحذر إيطاليا من خطر تقسيم البلاد.
< بعثة الأمم المتحدة أعلنت إحاطتها بالحكم وأعلنت في بيان على موقعها أنها تدرسه، ومن ثم فإنها لم تحدد أي موقف إزاءه، في حين طالبت بالإسراع في إيجاد حل سياسي للأزمة.
ملحوظة: مصادر المؤتمر الوطني في طرابلس تشككت في ذلك التصريح واعتبرته مراوغا وغير بريء، واستندت في ذلك إلى أنه في يوم 9 يونيو من العام الحالي (2014) حكمت المحكمة العليا بعدم دستورية تعيين أحمد معيتيق رئيسا للوزراء، وقد صدر رد فعل بعثة الأمم المتحدة في نفس اليوم، على لسان رئيس البعثة الدكتور طارق متري المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، الذي قال خلال تقرير الإحاطة الذي قدم لاجتماع مجلس للأمن بنيويورك «صباح اليوم أعلنت المحكمة العليا عدم دستورية اختيار معيتيق، فاتحة الطريق أمام الخروج من أزمة المؤسسات الحالية. وبطبيعة الحال فلابد من تأكيد الحاجة إلى احترام القرار القضائي». وهو موقف اختلف تماما هذه المرة حين قضت المحكمة ذاتها في 6 نوفمبر من العام ذاته بعدم شرعية مجلس النواب بسبب عدم دستورية التعديل السابع على الإعلان الدستوري. إذ خرجت البعثة الدولية ببيان على موقعها تحدث عن أن «الأمم المتحدة تدرس قرار المحكمة وتشدد على ضرورة العمل بشكل عاجل للتوصل إلى توافق سياسي». وهو بيان بدا متجاهلا لحكم المحكمة.
السيناريوهات المرشحة للمستقبل لا تبعث على التفاؤل، ذلك أن مؤيدي برلمان طبرق يؤكدون على أن المؤتمر الوطني أيضا فاقد للشرعية باعتبار أن ولايته منتهية منذ 7 فبراير من العام الحالي. وفي الوقت ذاته فإن أعضاء البرلمان الذي تؤيده الدول العربية ذات الصلة ومعها إيطاليا الحاضرة في المشهد الليبي يقفون في الموقف الرافض. في الوقت ذاته فإن بعض النواب خصوصا الذين يمثلون بنغازي يهددون بالذهاب إلى أبعد. بإعلان دولة مستقلة في برقة، وهو ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية على لسان أحدهم (النائب أبوبكر بعيرة). وإلى جانب المعارضة السياسية فإن قوات اللواء حفتر تسعى إلى توسيع عملياتها غرب بنغازي لإعلان السيطرة السياسية على الهلال النفطي وصولا إلى منطقة الوادي الأحمر التاريخية التي تفصل بين برقة وطرابلس. في الوقت ذاته فإن المعارك محتدمة في بنغازي في حين تشير فيه الأخبار إلى احتمال وصول دعم لقوت الطرف الآخر (مجلس شورى الثوار) قادمة من مصراتة التي تدعم المؤتمر الوطني وحكومة عمر الحاسي الموازية في طرابلس. وإذا أضفنا إلى ذلك أن التحالف المصري الإماراتي والسعودي يدعم برلمان طبرق وقوات حفتر فمعنى ذلك أنه لن يوجد حل سياسي للأزمة في الأجل المنظور، وأن الطرفين اختارا الاحتكام إلى السلاح الذي قد تكون ليبيا وشعبها الذي يقف بين المتقاتلين ضحية له.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3147
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1101
| 28 سبتمبر 2026