رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أخشى ما أخشاه أن تشحب خيارات المستقبل في مصر بحيث تصبح مفتوحة على السيناريوهات الثلاثة في مصر: الجزائري والروماني والتركي.
(1)
يسمونها العشرية السوداء في الجزائر. ويقصدون بها فترة التسعينيات التي كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد فازت خلالها بأغلبية 82٪ من المقاعد في الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر ديسمبر من عام 1991. حدث ذلك في ظل حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي شهد انفراجا سياسيا نسبيا في أعقاب الانتفاضة الشعبية التي شهدتها البلاد في عام 1988. لكن ذلك الفوز صدم قادة العسكر والأمن القابضين على السلطة والقرار في البلد منذ الاستقلال في عام 1961. ضغط العسكر على الرئيس بن جديد فاضطر إلى الاستقالة في 11 يناير عام 1992. وفي اليوم نفسه تولى العسكر السلطة، التي باشرها المجلس الأعلى للدولة برئاسة وزير الدفاع اللواء خالد نزار، الذي أطلق الدبابات في شوارع العاصمة، وأصدر قرارا بإلغاء نتائج الانتخابات في اليوم التالي مباشرة (12 يناير). وفي ذات الوقت صدرت عدة قرارات أخرى بحل جبهة الإنقاذ واعتقال 20 ألفا من أعضائها، وإيداعهم السجون وما سمي بالمحتشدات المقامة في قلب الصحراء الموحشة وهي الإجراءات التي أطلقت شرارة العنف في البلاد، الأمر الذي انتهى بقتل نحو ربع مليون جزائري، ولا تزال بعض جراح تلك العشرية السوداء مفتوحة حتى الآن، ولم يقدر لها أن تندمل.
استبعدت السيناريو الجزائري حين سئلت في الموضوع، وأرجعت ذلك إلى عوامل عدة منها ما يتعلق بطبيعة النظام وطبيعة المجتمع وجغرافية البلد، وطبيعة الحركة الإسلامية هناك. حيث لا وجه للمقارنة بين نظام ما بعد 25 يناير في مصر وبين الهيمنة التقليدية للجيش والأمن على الدولة الجزائرية، ثم إن الشخصية الجزائرية الصحراوية تتسم بالحدة وسرعة الانفعال، على عكس الشخصية المصرية التي تشكلت على ضفاف النيل. كما أنه لا وجه للمقارنة بين جغرافية الجزائر بأحراشها وغاباتها التي تعد مسرحا مواتيا لإطالة حرب العصابات، وبين جغرافية الأرض المصرية المنبسطة التي لا توفر ملاذا للمقاتلين. إضافة إلى هذا وذاك فإن المد الإسلامي الحديث في الجزائر رغم عمقه التاريخي لم يتوافر له إطار تنظيمي إلا في أواخر الثمانينيات التي تشكلت فيها رابطة الدعوة ومن عباءتها خرجت جبهة الإنقاذ. أعني أن الحركة الإسلامية هناك لم يتوافر لها إطار مؤسسي ولا تراث فكري يعبر عنها، على العكس من الوضع القائم في مصر، حيث يتجاوز عمر حركة الإخوان مثلا أكثر من ثمانين عاما.
لهذه الأسباب فإنني استبعدت احتمال تكرار تجربة الاقتتال الشرس الذي شهدته الجزائر في مصر، ورغم أنني لا أستبعد أن يولد عنف السلطة عنفا آخر من بعض الشباب الذين يتعذر السيطرة على انفعالاتهم، إلا أنني أرجح أن يظل ذلك في إطار محدود، قد يتبدى في بعض الحوادث التي لا تشكل ظاهرة مجتمعية. أو هكذا أتمنى.
(2)
استبعدت أيضا النموذج الروماني، رغم القواسم المشتركة بين ما جرى في رومانيا بعد الثورة التي اندلعت في عام 1989 وأدت إلى الإطاحة بحكم الرئيس شاوشيسكو وإعدامه هو وزوجته، وبين ما شهدته مصر من أحداث في أعقاب ثورة 25 يناير. فالخلفية واحدة بين مصر ورومانيا، فقوة الأجهزة الأمنية واستشراؤها كانت واحدة في البلدين، ذلك أن «السيكيوريتات» هناك لم تختلف كثيرا عن جهاز أمن الدولة في مصر. وقد قيل أن بين كل أربعة رومانيين زرع الأمن واحدا على الأقل بينهم، وليست لدينا أرقام مماثلة في مصر، إلا أننا نعلم أن أذرع الأمن وأصابعه ظلت منتشرة وموزعة على كل مفاصل الدولة المصرية.
كما حدث في تونس وفي سوريا حين انطلقت شرارة الثورة من سيدي بوزيد في الأولى ودرعا في الثانية، ثم تناثرت شرارتها في أنحاء البلاد مطلقة ثورة الغضب ضد النظامين، فذلك أيضا ما حدث في رومانيا حين تمردت مدينة تيميشوارا تضامنا مع كاهن معارض طلبت السلطة إبعاده وطلب من الجيش إطلاق النار على المتظاهرين، ولكنه انحاز إلى الشعب الذي هب ثائرا ومتحديا لنظام شاوشيسكو الأمر الذي انتهى بإسقاطه وإعدامه. إلا أن الفوضى عمت بعد ذلك حين خرجت المظاهرات وفوجئت بنيران الطرف الثالث (الذي ظهر واختفى في مصر ولم يعثر له على أثر حتى الآن) وتبين لاحقا أن أمن النظام السابق وفلوله وراء تلك الاضطرابات. وفي هذه الأجواء ظهرت في الأفق جبهة للإنقاذ الوطني (أيضا)، التي برزت فجأة وقامت بتشكيل حكومة جديدة لإعادة النظام والهدوء إلى البلد، ثم تبين بعد ذلك أن أركان الجبهة وعناصرها هم أنفسهم رجال النظام السابق الذين ظلوا يراقبون الموقف عن بعد وهم قابعون في الظل. وبعد أن أسهموا في تأزيم البلد من خلال أصابعهم المنتشرة في مختلف مواقع السلطة قدموا أنفسهم كمنقذين، وكانت النتيجة أن رجال النظام القديم استعادوا مواقعهم مرة ثانية. وجاءوا هذه المرة بتأييد من أغلبية الشعب التي وعدت بالاستقرار وإنعاش الاقتصاد. وحاز الزعماء الجدد/ القدامى على أغلبية الأصوات في السنوات التالية، ولا يزال هؤلاء يمسكون بدفة الحكم حتى الآن، في حين ظلت رومانيا على حالها الذي لم يتغير بعد نحو ربع قرن من إسقاط نظام شاوشيسكو الذي تسلمه «فلوله» واحتفظوا بأجهزته الأمنية وبالإبقاء على البلد في مكانه باعتباره ثاني أفقر دولة في أوروبا.
للوهلة الأولى يبدو السيناريو الروماني مستبعدا بدوره في مصر رغم قوة الأجهزة الأمنية التي لا تزال تحتفظ بولائها للنظام القديم. ورغم الجسور التي مدتها بعض قوى المعارضة السياسية مع ذلك النظام، ورغم وضوح الدور الذي تقوم به الدولة العميقة سواء في إشاعة الفوضى في البلاد أو في إثارة الأزمات التي تعكر حياة الناس. واستبعادي لذلك السيناريو قائم على الثقة في جموع الشباب والجماعة الوطنية المصرية التي لم تنزلق فيما تورطت فيه بعض الأحزاب، فضلا عن كتلة الجماعات الإسلامية التي لاتزال تتمتع بثقل يتعذر تجاهله، وهي التي عانت من القمع والقهر طوال عهد مبارك.
(3)
بقي أمامنا النموذج التركي الذي أخشى أن يكون مرشحا للتطبيق في مصر، وفي الأفق إشارات لا ينبغي الاستهانة بها توحي بذلك، ما أعنيه بالنموذج التركي تحديدا هو أن يصبح الجيش عنصر القوة في الساحة السياسية، بحيث يمارس دوره ليس فقط في حماية الوطن ولكن أيضا في مراقبة الوضع السياسي الداخلي ومباشرة نوع من المسؤولية إزاءه.
أنوه في البداية إلى أن الجيش في تركيا له مكانة شديدة الخصوصية، من حيث إنه من أنقذ البلد من الاحتلال والانهيار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم إنه هو من أقام الجمهورية وطوى صفحة الإمبراطورية العثمانية، الأمر الذي يعني أن له إفضاله على سلامة المجتمع يتعذر نكرانها. هذه الخلفية وضعته في مكانة الحارس للنظام الجمهوري ومبادئ العلمانية التي قام عليها النظام، وليس فقط الحارس لحدود البلد وأمنه، وبسبب النص على حراسته للنظام الجمهوري فإنه اعتبر نفسه وصيا على الدولة، ومن هذا الباب أجرى أربعة انقلابات (في السنوات 1960 و1971 و1980 و1997)، والأخير اعتبر انقلابا أبيض ووصف بأنه انقلاب «بعد حداثي»، سنتحدث عنه بعد قليل.
طول الوقت كانت ذريعة كل انقلاب هي الدفاع عن مبادئ النظام الجمهوري وتجنيب البلاد آثار الصراعات والانقسامات بين القوى السياسية، وبالتالي الاحتجاج على عجز الأحزاب عن إدارة البلاد والحفاظ على السلم الأهلي، ومنذ إقامة النظام الجمهوري في عام 1923 رعى العسكر ثلاثة دساتير صدرت في أعوام 1924 و1961 و1982. ورغم أنها ظلت تعبر عن الوصاية التي مارسوها بحق المجتمع، إلا أن أخطرها كان الدستور الأخير الذي قنن تمكين العسكر من مختلف أجهزة الدولة ومفاصلها. بحيث بسطوا هيمنتهم كاملة على مختلف الأنشطة السياسية والإعلامية والقضائية والثقافية. ومن المفارقات أن جامعة اسطنبول منحت قائد الانقلاب العسكري الجنرال كنعان ايفرين باسم كل الجامعات التركية درجة الدكتوراه في القانون وأستاذية فخرية تقديرا لدوره في إنجاز العملية الديمقراطية بالبلاد!
هذا الوضع لم يستمر طويلا، لأنه ما إن أقر الدستور في عام 1982 حتى جرت في ظله انتخابات برلمانية في العام التالي مباشرة، أسفرت عن تراجع حزب السلطة (الديمقراطي الاجتماعي) وفوز حزب آخر أكثر اعتدالا (الوطن الأم) بالمركز الأول، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز دور العسكر، الذين تراجعت أسهمهم في ظل الإقبال الكبير من جانب الجماهير على التصويت الذي تمثل في مشاركة أكثر من 92٪ من الناخبين في العملية.
ظل رئيس الحكومة الجديد تورجوت أوزال يعمل في ظل وصاية العسكر دون أن يصطدم بهم حتى انتخب رئيسا للجمهورية في سنة 1989. وخلال تلك الفترة كان قد رفع الحظر عن الزعماء السياسيين، واستعاد الإسلام السياسي حضوره في الشارع التركي ففاز مرشحوه في الانتخابات البلدية عام 1994 ثم في الانتخابات البرلمانية عام 1995. ولأن حزب الرفاة الإسلامي تحالف مع حزب الوطن الأم، فقد مكن ذلك رئيس حزب الرفاة نجم الدين أربكان من تولي رئاسة الحكومة في عام 1979، وهو ما اعتبرته المؤسسة العسكرية خطا أحمر غير مسموح بتجاوزه. فاستنفرت كل إمكاناتها لحصاره وإجهاض تجربته والعمل على إقصائه بمنتهى القسوة والشدة. وكتاب الدكتور طارق عبدالجليل عن العسكر والدستور في تركيا يسجل هذه التجربة بالتفصيل، ويروي قصة الإقصاء كاملة، التي نسجت خيوطها الأخيرة في اجتماع لمجلس الأمن الوطني استمر تسع ساعات وجه فيه إنذارا وطلبات للسيد أربكان انتهت باستقالته من منصبه والانقضاض على كل ما فعله، بما في ذلك تطهير الجيش من المتدينين الذي يوصف في خطاب زماننا بالأسلمة أو الأخونة في قول آخر.
(4)
ما حدث بعد ذلك استعاده بعض من علقوا على الانقلاب الأخير الذي حدث في مصر، حين شبهوا ما جرى للدكتور مرسي وفريقه على يد القيادة العسكرية المصرية بموقف عسكر تركيا من أربكان، وقارنوا بين عزل الأول وإجبار الثاني على الاستقالة. إلا أن ما حدث بعد ذلك كان أكثر أهمية، لأنه بعد خروج أربكان من السلطة، استوعب الدرس بعض رفاقه، وفي المقدمة منهم عبدالله جول ورجب طيب أردوغان، ومن ثم شكلا حزبا جديدا باسم العدالة والتنمية طورا به أفكارهما ومشروعهما، وخاضا به انتخابات عام 2002 التي فازا فيها بأغلبية كبيرة أوصلتهما إلى السلطة فصار الأول رئيسا للجمهورية والثاني رئيسا للوزراء، ولا يزال الحزب متمتعا بشعبيته ومواصلا إنجازاته إلى الآن.
من أهم ما فعلته حكومة حزب العدالة والتنمية أنها قامت أخيرا بتفكيك قبضة الجيش على السياسة حتى أخرجته بصورة تدريجية من ساحة الفعل والقرار. ولم تكتف بذلك وإنما قدمت أخيرا مشروع قانون إلى البرلمان يحصر دور الجيش في صد أي عدوان خارجي على تركيا. وهو ما يعد ضربة قاضية تنهي سبعة عقود من حمايته لجمهورية أتاتورك وتذرعه بمسؤوليته عن حراسة نظامها السياسي.
من المفارقات أن ذلك حدث في نفس الأسبوع الذي أعلنت فيه قيادة الجيش في مصر قرارها عزل الدكتور محمد مرسي، قياما منها بواجبها الوطني وحماية لمطالب الثورة. وحين وجدت أن عسكر تركيا يخرجون من السياسة في حين أن عسكر مصر يدخلون إليها في ذات الوقت، خطر لي السؤال التالي: هل يرشح ذلك مصر لشغل المقعد الشاغر، وكم سنة نحتاجها لكي نفك ذلك النحس؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
4782
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026