رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سؤال هل هو انقلاب؟، ينحرف بطبيعة تطور حالة الثورة في مصر منذ يناير 2011 حتى اليوم، وهو سؤال يطلقه كل من تأثر سلبا بوقائع ما جرى الأسبوع الماضي.
الأسبوع الذي بدأ بخروج الشعب يوم 30 يونيو، كشف عن طبيعة أطراف الصراع في مصر، وان هناك تحالفا يشمل الإخوان وجماعات الإرهاب وأمريكا، وأن هذا التحالف امتلك السلطة في مصر، واخذ في إعادة ترتيب الأوضاع بما يتجاوز الداخل المصري إلى المنطقة بأثرها، ولم يكن مجرد صراع داخلي حول أهداف الثورة، أو حول السلطة، ولكنه صراع على استقلال مصر وإرادة شعبها، وأنه صراع استبيح فيه كل شيء، وعندما يخرج الصراع من دائرة التنافس الداخلي بين القوى السياسية، ويصبح القتل والدم عنوانه، وتحت دعاوى دينية، يصبح صراع وجود وطن وشعب، قبل شعارات الثورة، ومعركة فناء لمن يتحدون وجوده.
الانقلاب الذي حدث تم في موازين القوى الداخلية بانحياز الجيش في معادلة القوى لصالح المطالب الشعبية ضد سلطة الإخوان، لينحسر الستار عن عمق المخططات الإخوانية ومدى العلاقة مع أمريكا (تبادل الأراضي في سيناء طبقا للخطط الإسرائيلية بمقابل مادي)، وصمت مرسي عن مقتل 16 جنديا وضابطا بمذبحة رمضان في رفح (تورط حماس حسب تقرير المخابرات المصرية إليه وهو ما أعلنه الجيش بعد عزله لمرسي)، وكشف أيضاً عن أسباب رفض مرسي للتعامل مع الجماعات الإرهابية في سيناء تحسبا للمواجهة المسلحة مع الجيش والأمن، وكشف أيضاً محاولة اختراق أجهزة الشرطة. وفرضت حركة ضباط الشرطة على الجهاز الانحياز للمطالب الشعبية.
الذين يتحدثون الآن عن الانقلاب على الديمقراطية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عليهم أن يفسروا لنا حجم الأموال الأمريكية التي تسلمتها جماعة الإخوان من إدارة أوباما وأسباب هذا السخاء.
لم تعد حشود 30 يونيو حركة لاسترداد الثورة من سارقيها برعاية أمريكية، وأعادتها إلى مسارها الصحيح، ولكنها فتحت الباب لمعركة استقلال مصر وتحريرها من الجماعات الإرهابية.
انتقلت المواجهة في مصر على يد الإخوان إلى مواجهات دموية تبعد تماما عن طبيعة الشعب المصري، وعن طبيعة الدين الإسلامي، وفرض الإخوان المواجهات المسلحة في كل مكان، بل وصل الفجور في القتل بالذبح بدم بارد (حالات في الإسكندرية والإسماعيلية)، ووجد الإخوان مواجهة من الشعب الأعزل فاقت تصوراتهم، بل إن الأهالي العزل يطاردونهم في الشوارع.
هذا الانكشاف والتحول إلى الدم، تصاعد إلى طلب التدخل الخارجي ضد الجيش المصري، بدأ الدعوة من عصام الحداد مساعد مرسي للعلاقات الخارجية مضيفا بطلب للحصار الاقتصادي لمصر، لتصبح هي ركيزة الحديث من كافة قياداتهم بالإضافة إلى الدعوة للقتال والدم.
التصعيد في المواجهات إلى حد مواجهة الجيش في القاهرة، لا يمكن إدراجه تحت اسم الدفاع عن الديمقراطية والشرعية، ولكنه يندرج تحت الانتحار بعد كل ما جرى كشفه.
ولان الصراع في مصر الآن سيرتد إلى المنطقة كلها، فإن شبح التدخل الخارجي يقف على أعتاب مصر.
بدأ التدخل الخارجي من تصريحات أوباما وإدارته بتوصيف ما جرى بأنه انقلاب عسكري، وبناء عليه تسعى أمريكا لاتخاذ قرار بوقف المساعدات لمصر، غير عابئة بان هذا القرار هو المعول الاول في اتفاقية كامب ديفيد، ورغم محدودية هذه المساعدات والاتجاه الشعبي والعربي لتعويضها، إلا أنه يتطلب من الجيش المصري إعادة ترتيب منظومته القتالية، واثق في قدرتهم على هذا أيا كان الوقت اللازم.
وتتوالى الهجمات الإعلامية من الإعلام الأمريكي ضد مصر، ولا تعدم وجود لها في الداخل المصري ذاته، ليس من الإخوان وموالاتهم، ولكن ممن يدعون الليبرالية، ويتحدثون ــ كما الإخوان ــ عن الديمقراطية غير عابئين بجرائم الأمن القومي المصري الذي اقترفته جماعة الإخوان. تصدى بوتين مبكرا لفكرة التدخل العسكري في مصر، معلنا أن روسيا والصين لن تقبل به وستواجهه، وهكذا صارت قضية الصراع من أجل أهداف الشعب في مجتمعه (عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية)، ولأبناء هذا الشعب قضية صراع دولي.
إدارة الصراع في مصر نجحت حتى اللحظة في تحقيق أهداف واضحة:
1- عزل مرسي، وقف العمل بالدستور، وحل مجلس الشورى الإخواني (أعضاؤه ضمن كافة المواجهات الدامية).
2- تشكيل قيادة المرحلة من رئيس المحكمة الدستورية.
3- مواجهة الجماعات الإرهابية في سيناء.
4- الحد من الصدام الأهلي الأهلي، وحصره في أضيق نطاق.
5- إدارة الأزمة على المستوى الدولي.
6- كشف طبيعة حماس وعلاقتها بجرائم داخلية.
7- استعادة اللحمة بين الشعب والجيش والشرطة.
8- رفع الروح المعنوية للشعب والشرطة والجيش.
ونواجه الآن:
1- محاولة الزج بها في أتون حرب الشوارع.
2- اختلاط المفاهيم لدى النخبة السياسية.
3- ضعف الحالة الحزبية المصرية.
4- الطابور الإخواني الثاني (حزب النور ومصر القوية وحزب الغد)، وان لم يكن بارتباط عضوي بالإخوان، فهو صريع اختلاط المفاهيم والاغتراب عن الهوية المصرية.
5- الدعوة المتزايدة للاقتتال.
6- إدارة البلاد لتوفير لقمة العيش وضرورات الحياة.
فد تضطر إدارة الصراع في مصر لاتخاذ قرارات لم ترغب فيها، ولكن شروط هذه القرارات يجب أن تكون محددة سلفا:
1- أن الدم المصري حرام، وحرمة الدم على الجميع، ومن يدعو إلى سفك الدماء هو خارج عن الوطنية المصرية ويجب حسم أمره بلا تردد.
2- أن الشعوب لا تدفع الدم لتحقق أنصاف أهدافها، ولكن الإمساك بالأهداف كالقابض على الجمر، هو مبرر الشرعية في المواجهة.
3- أن العديد من القوى أو التيارات، لا علاقة لها بالثورة أو تصحيحها، قد اكتسبت أوضاعا في الواقع السياسي المصري بعيدا عن أهدافه، وهى في الوقت ذاته تمثل اختراقا إخوانيا للواقع السياسي.
4- أن دعوات عدم الإقصاء والمصالحة هي دعوات تحمل شكل التسامح أكثر منها المسؤولية السياسية تجاه وطن، وعدم الإقصاء والمصالحة لا تكون على الدم، ولكنها تجوز عندما تتباين وجهات النظر السياسية، ولا تكون على الأمن القومي، لأن الأمن القومي للأوطان لا يتحمل حدثا قد يتحول إلى شرخ لا يمكن تجاوزه أو إصلاحه، لأن القوى المعادية لا تتنازل عن أهدافها طواعية.
5- أن الضرورة تفرض تكوين وزارة تستطيع إدارة الأزمة، وإن توافقات الحد الأدنى تعيدنا إلى سيرتنا الأولى بعد فبراير 2011.
6- أن إدارة الأزمة والصراع تتطلب تجاوز سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها الطرف المضاد، ولا شرعية لهذا بغير إدراك أن الشعب وهو يقبل بدفع الثمن مهما عظم، يريد تحقيق سلطة الثورة.
7- أن دروس 30 شهرا مضت تقضي بالا يكون هناك حزب على أساس ديني، والفصل بين السياسة والدين في مصر صار ضرورة صلاحية للحياة.
8- أن التوقف في منتصف الطريق سيكون ايذانا بالبحث الشعبي عن بديل آخر، هو انتحار، ولكن استكمال الطريق أيا كان الثمن حتى ولو كان النفس هو شهادة.
9- الدعوة إلى الحياة لا تقوم على تلال من الجماجم، ولكن الدفاع عن الوطن والشعب وأهداف نضاله، لا يحول بينها وبين الحياة ضريبة الدم.
ان اللحظة في مصر توزن بميزان الذهب، دقيقة حساسة مترامية الأطراف متعددة الاحتمالات، وكشاف النور الذي يحول دون القفز إلى الظلام ثانية، هو شجاعة التقييم ووضوحه، بذات وضوح الشباب وحيويته وجسارته، هو الإمساك بالدولة حتى لا تميد بالجميع، أن الدم الحرام الذي تسعى قوى الظلام لسفكه، دون اعتبار لحرمة ذلك دينيا ووطنيا.
نحن في حاجة إلى أن تعود مصر، ومقومات اللحظة تكشف عن إمكانات ومعان لمعنى عودة مصر، فبمجرد التحرك على طريق العودة لخطوات أوليه، فقد كل الأعداء عقولهم وحصافتهم.
إن مصر على موعد مع أمتها وعالمها، وهي قادرة، شريطة أن يبقى الشغب حاميا لوطنه ولجيشه ورجاله في الشرطة، وأن يبقى هذا التحالف متماسكا، وأن يتوقف لغو القول ممن يدعون الارتقاء بالوطن وهم عبء عليه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12207
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11016
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026