رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلنت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش» عن رفع النظرة المستقبلية لدولة قطر إلى إيجابية. ويشير ذلك إلى وجود احتمالات قوية لرفع التصنيف الائتماني لدولة قطر AA– بمقدار درجة واحدة، أو ربما درجتين إلى AA+، في غضون عام أو عامين.
ويُعد هذا التصنيف تأكيدًا مستقلاً على أن الأسس والتوقعات الاقتصادية للبلاد قوية، ويُمثل مكافأة عادلة لسياسات الحكومة المتعلقة بالتخطيط الإستراتيجي طويل الأجل، والاقتراض من أجل الاستثمار فقط. وقبل ثلاث سنوات فقط، بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 85 ٪، نتيجة انخفاض أسعار النفط والغاز بالإضافة إلى الإنفاق على مشاريع البنية التحتية استعدادًا لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022. وقد انخفضت هذه النسبة منذ ذلك الحين إلى 45 ٪، ومن المتوقع أن تنخفض إلى 42 ٪ في عام 2024، بينما تشير تقديرات وكالة فيتش إلى أن صافي الدين الخارجي بلغ 13 ٪، بانخفاض من 30 ٪ في نهاية عام 2021. وأشادت الوكالة باستخدام الحكومة القطرية لفوائض الميزانية في سداد الديون.
ويُعد التصنيف الحالي لدولة قطر AA- رابع أعلى تصنيف من أصل 20 تصنيفًا على مقياس فيتش. ويمكن أن يجذب هذا التصنيف الائتماني المرتفع المستثمرين الباحثين عن تحقيق عوائد جيدة مع التعرض لمخاطر منخفضة. وتجدر الإشارة إلى أن وكالة فيتش هي واحدة من أهم ثلاث وكالات للتصنيف الائتماني في العالم، إلى جانب وكالتي ستاندرد آند بورز وموديز.
وهناك نقاط قوة أخرى في قطر حددتها وكالة فيتش؛ فقد ارتفع الفائض السنوي في الميزان التجاري بنسبة 2.9 ٪ إلى أقل قليلاً من 23 مليار ريال قطري في شهر فبراير 2023. وتبلغ قيمة الصادرات أربعة أضعاف قيمة الواردات تقريبًا، بحسب الأرقام الصادرة عن جهاز التخطيط والإحصاء. وقد أشارت وكالة التصنيف إلى توسع إنتاج حقل الشمال من الغاز الطبيعي المسال، الذي من المفترض أن تؤدي الإيرادات الناتجة منه إلى خفض سعر التعادل المالي للنفط في ميزانية الدولة إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل بحلول الفترة ما بين عامي 2026- 2027، بانخفاض من 57- 58 دولارًا في الفترة بين عامي 2023- 2024.
ومن المتوقع أن يرتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال في البلاد من 77 مليون طن سنويًا إلى 126 مليون طن خلال هذه الفترة. وقد جاء هذا الإعلان قبل ارتفاع أسعار النفط نتيجة إعلان المملكة العربية السعودية في أوائل شهر أبريل عن خفض إنتاج النفط من قبل الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
ويُقدر فائض الموازنة الحكومية بنسبة 10 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتمتلك الدولة أصولاً أجنبيةً كبيرةً، ونصيبًا مرتفعًا من الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وستظل الدولة تتمتع بالقدرة على تحويل مبالغ كبيرة إلى جهاز قطر للاستثمار، صندوق الثروة السيادي في البلاد.
ومن بين المؤشرات السلبية التي أشارت إليها وكالة فيتش أن الديون سجلت مستوى أعلى من نظيراتها في دول الخليج الأخرى، وإن كانت منخفضة بالمعايير الدولية؛ مع الاعتماد القوي على الهيدروكربونات وضعف المؤشرات في بعض جوانب الحوكمة. وكانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة في بعض الأوقات في التاريخ الحديث لدولة قطر، لكن هذا مؤشر متقلب لاقتصاد قائم على الهيدروكربونات، حيث يتأثر الناتج المحلي الإجمالي بشدة بسعر النفط. وتتمثل الأولوية لإدارة مثل هذا الاقتصاد في بناء محفظة من الأصول القوية والمتنوعة والاستثمارات طويلة الأجل، وهذه هي المجالات التي تسجل قطر نتائج جيدة فيها.
وقد تعلمت دول الخليج درسًا صعبًا خلال فترات انخفاض أسعار النفط في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وكانت لديها البصيرة التي مكنتها من إنشاء صناديق الثروة السيادية، لضمان الاستثمار طويل الأجل، وتنويع الاستثمارات، ومنع الاقتصاد بأكمله من الاعتماد على التقلبات في أسعار السلع العالمية التي لا يمكن لدولة صغيرة السيطرة عليها.
والدين الحكومي في قطر آخذ في الانخفاض، فخلال العقدين الماضيين، لم يقتصر الاستثمار على مشاريع البنية التحتية فحسب، بل ركز أيضًا على المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى للصادرات، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال الذي يُعد مصدر طاقة متخصصا ومكررا ينتج عن استخدامه انبعاثات أقل من غيره وله دور مهم إستراتيجيًا في التحول نحو اقتصادات ذات انبعاثات كربونية منخفضة أو معدومة.
وفي الماضي، كانت وكالات التصنيف الائتمانية تنتقد حجم الاستثمارات والودائع الخارجية في البنوك القطرية، حيث أشارت إلى أنه كانت هناك مخاطر في عمليات السحب في أوقات عدم اليقين الاقتصادي، ولكن المستوى لم يكن مرتفعًا جدًا حيث تراوح عند حوالي 20- 30 ٪. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون للمكانة الخاصة بالودائع الخارجية التي تستقطبها البنوك القطرية وزن أكبر، لأنها تُعد مؤشرًا إيجابيًا في جوانب مهمة بسبب طبيعة المودعين. والعامل الأكثر أهمية من أنها ودائع محلية أو دولية مدتها ومدى ثبات مستوى الودائع خلال السنوات الماضية.
وتسجل البنوك القطرية نسبة جيدة من الودائع طويلة الأجل، التي ثبت أنها تعزز الاستقرار المصرفي. وخلال مرحلة الاضطراب الذي تعرض له الاقتصاد المحلي في قطر خلال الفترة من عام 2017 إلى عام 2021، وانتشار جائحة كوفيد- 19 وانخفاض أسعار النفط، لم نشهد حدوث سحوبات مالية كبيرة من البنوك القطرية. لذا، فقد اجتازت البنوك اختبارا صعبًا وقاسيًا في الواقع، ولم تتعرض لنوع السحوبات المفاجئة التي عجلت بانهيار بنك وادي السيليكون، على سبيل المثال.
إن الإعلان الصادر عن وكالة فيتش خلال الشهر الماضي إيجابي للغاية بالنسبة لدولة قطر، وقد حدث نتيجةً للاستثمار طويل الأجل وجهود التنويع الاقتصادي، وليس بفعل الإيرادات المالية فحسب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9753
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2640
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2406
| 22 أكتوبر 2026