رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأخر رئيس الوزراء الإسرائيلي في إبداء موافقته على تسلم رسالة أعدتها السلطة الفلسطينية لشرح تصورها لمسار التفاوض والأهداف التي ينبغي أن يحققها ليكون هناك "سلام" بين الطرفين.
وعنى هذا التريث أن بنيامين نتنياهو أُبلغ مسبقاً الخلاصة التي توصلت إليها السلطة، وقيل إنها صيغت بلهجة تحذير بأنها ستقدم على حلّ نفسها بسبب جمود المفاوضات والممارسات الإسرائيلية التي أدت إلى تعجيز هذه السلطة عن القيام بمهماتها، وكذلك إلى إقصاء هدفي السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.
بالنسبة إلى الشكل، ليس معلوما جيدا لماذا قررت السلطة اللجوء إلى هذا الأسلوب – أي كتابة رسالة – لكن يبدو أن الفكرة ولدت غداة انتهاء اللقاءات الاستكشافية التي عقدت أوائل السنة في عمان بحضور ممثلين عن "الرباعية" الدولية. كان الأردن توسط لعقد تلك اللقاءات، بتشجيع من الإدارة الأمريكية التي أرادت حينئذ حمل الفلسطينيين على وقف تحركهم الدبلوماسي لنيل عضوية لدولتهم في الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، وقد انزعجت واشنطن من هذا التحرك الذي أشعرنا بأنها وحدها التي تشارك إسرائيل عزلتها الدولية، فردت عليه بضغوط على الاتحاد الأوروبي لوقف مساعداته مما أنتج الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها السلطة الفلسطينية حالياً.
كما هو معلوم، لم تنجح لقاءات عمان في تحريك أي من الموقفين، الفلسطيني أو الإسرائيلي، وفي مثل هذه الحال يفترض أن تلعب الولايات المتحدة نفسها أو "الرباعية" دوراً في تذليل العقبات إلا أنهما لم تفعلا. فـ"الرباعية" مشلولة بسبب شلل السياسة الأمريكية، وهذه تعطلت بسبب التعنت الإسرائيلي قبل أن تدخل في غيبوبة السنة الانتخابية، وفي الأعوام الأخيرة تبين عملياً أن الولايات المتحدة و"الرباعية" تبدوان "ناشطين"، فقط عندما تقرر السلطة الفلسطينية أن تتنازل عن شروطها، لكنهما لم تفلحا يوماً في إقناع أي حكومة إسرائيلية بتغيير أي تفصيل ولو شكلي في مواقفها.
وهكذا فعندما أبلغ الجانب مسبقاً وعلناً، وبوضوح كامل، ألا تفاوض في ظل النشاط الاستيطاني، لم تعد لدى الأمريكيين ولا "الرباعيين" أوراق يلعبونها. وكأنهم وجدوا أصلاً للضغط على الفلسطينيين ليقبلوا بما يطرحه الإسرائيليون، وعدا ذلك فلا دور لهم.
والأهم من ذلك، انكشف الدور الدولي بأنه لا يستند إلى أي مرجعية، أو حتى إلى مجرد اعتبارات – قانونية، إذ إن الاعتراض الفلسطيني على الاستيطان ينطلق من أنه مخالف للقانون الدولي، فكيف يمكن التفاوض للوصول إلى "اتفاق سلام" لابد أن يصبح بمثابة وثيقة قانونية من دون أن تتوقف سرقة الأرض، أي من دون أن تتوقف المخالفة للقانون خلال التفاوض، صحيح أن الأمريكيين، وكذلك "الرباعية" أبدوا مواقف تبدو في ظاهرها تزكية للموقف الفلسطيني، إلا أنهم لم يتجاوزوا الرأي اللفظي لترجمته بتحرك سياسي لدى الطرف الإسرائيلي الذي يسرق الأرض ويخالف القانون، بل أنهم يحاولون تكراراً مساعدة هذا الطرف من خلال الضغط على الفلسطينيين ليقبلوا سرقة أرضهم ويسرعوا في التنازلات آملاً في أن يضعوا نهاية لهذه السرقة.
يعرف الأمريكيون و"الرباعيون" أن لديهم في إسرائيل حكومة متطرفة. يعرفون أيضاً أن حكومات إسرائيل يمكن أن تتغير لتكتسب مزيداً من التطرف، استناداً إلى كونها منتخبة، لكنهم لا يلومونها ولا يحاسبونها، ولا يفكرون في اتخاذ أي إجراءات أو عقوبات ضدها إذا غيّرت مواقفها جذريا لتشديد شروطها في المفاوضات، وهي تفعل ذلك مستفيدة من ضعف الجانب الفلسطيني وانقساماته، وكذلك من هشاشة الدعم العربي له، لكن هذه القضية الفلسطينية، مهما أمعن الإسرائيليون في محاولات تصفيتها، لا يمكن أن تحل إلا إذا توصلت إلى إنهاء الاحتلال وتحصيل الفلسطينيين جداً معقولاً من حقوقهم، وإلا فإنها ستبقى ملفاً مفتوحاً لا يستقيم معه أي استقرار ثابت في المنطقة.
تعود "الرباعية" إلى الاجتماع بعد غد واشنطن، ربما لتقول فقط إنها لا تزال موجودة، إذ ليس لديها أي معطى جديد لمحاولة إحياء المفاوضات، وحتى لو أصدرت بياناً فليس لديها ما تبلغه إلى الطرفين، فطالما أن مبعوثها توني بلير لم ينجح، رغم كل أحاييله، في حلحلة جدار العناد الإسرائيلي، ولا في اختراق الموقف الفلسطيني، فإنها ستكتفي بإعلان استمرار الجمود.
والمثير للاستغراب حقاً، أن أي مسيرة تفاوضية تبلغ هذا الحد من العقم توجب على أطرافها والوسطاء إعادة النظر في المنهج، وإلا في معنى السعي إلى "حل سياسي" إذا كان أحد طرفي النزاع مجبر مسبقاً على قبول أي حل يفرضه ميزان القوى العسكري، فلو صح مثل هذا المعيار لما أمكن إنهاء الاستعمار في أي منطقة ولا في أي بلد، والاحتلال الإسرائيلي هو حال استعمارية بات معروفاً أنها الأخيرة التي لم تجر تصفيتها بعد.
عودة إلى "الرسالة الفلسطينية" فهي تعرض مسار التفاوض والعقد التي أوقعته في الجمود، أولاً لتبين أن تجاهل القانون الدولي كمرجعية بات يحول دون إنجاز أي اتفاق، وثانياً لتحدد العناصر اللازمة والضرورية لأي تسوية قابلة للاستمرار، وأخيراً لنقول للإسرائيليين، كما للأمريكيين و"الرباعيين"، أنهم مدعوون جميعاً لمراجعة هذه المفاوضات منهجا وآليات ومرجعيات، هذه المراجعة كانت ولا تزال مطلوبة، بل لعلها صارت ملحة منذ اغتيال إسحق رابين عام 1995م، أي بعد عامين على توقيت اتفاقات أوسلو، وزادت إلحاحاً منذ عام 2000 بعد فشل محادثات كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة، لكن ما حدث طوال الـ12 عاما الماضية أن حكومات آرييل شارون وإيهود أولمرت ونتنياهو اتبعت إستراتيجية "التفاوض للتفاوض" وأحياناً "اللاتفاوض" إلا إذا تمكنت من انتزاع أراض فلسطينية جديدة، وهذا ما تفعله الحكومة الحالية.
أن تقول السلطة الفلسطينية لنتنياهو إن سياسة حكومته، والحكومات السابقة، قد جعلتها عاجزة فهذا سيؤكد للإسرائيليين أن سياستهم "صحيحة" ولن يحملهم على تحمل مسؤولياتهم بحكم أن هذه السلطة من منتجات اتفاقات أوسلو. والأكيد أنهم لن يوافقوا على أي مراجعة لمنهج التفاوض، إذ لا يشعرون بأنهم مضطرون إليها كما يشعر الفلسطينيون، أما الولايات المتحدة و"الرباعية" فمن شأنهما أن يجريا هذه المراجعة، لأن مواصلة التهرب منها لا تعني سوى أنهم غير معنيين بأي سلام في الشرق الأوسط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17562
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8043
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4413
| 15 يونيو 2026