رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وقائع ما تتعرض له ثورة الخامس والعشرين من يناير منذ تمكنها التاريخي في إسقاط نظام مبارك يجسد بقوة السمة التي أظنها باتت مرتبطة بالعرب والتي تتجلى في إهدار الإمكانية ولأن المصريين جزء مهم من العرب فإنهم يمارسون هذه الغواية بكفاءة واقتدار باعثين على الدهشة فالثورة تعني بعيدا عن التنظير الفلسفي ومحاورات الفكر الدخول في مرحلة مغايرة لما كان سائدا قبلها لإزالة الأسباب التي أدت إليها ومن ثم إحداث تغيير جذري وشامل في مفردات الواقع على نحو ينسجم مع الأشواق الكبرى للقائمين بها بيد أن ما جرى على مدى الأشهر الأربعة عشرة المنصرمة يكاد يناقض هذا المفهوم تماما إلى حد أقول معه أننا نجحنا في دفع الثورة إلى خندق الكراهية ودائرة المواجهة مع البشر البسطاء الذين تدافعوا للانضمام إليها والمشاركة فيها بفعالية والدفاع عنها خلال الثمانية عشر يوما التي استغرقها الاعتصام والتظاهر بميدان التحرير وغيره من ميادين المدن الكبرى منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 وحتى الحادي عشر من فبراير من العام نفسه وهو ما أرصده بنفسي عندما أستقل تاكسيا أو أركب حافلة عامة أو حتى خلال مناقشات في مقهى أو شارع فعندما انبرى للدفاع عن الثورة يسألني الطرف الآخر في النقاش : مالذي حققته الثورة بعد أن أسقطت مبارك وبعضا من رموز حكمه؟ أين الكرامة وأين الخبز وأين الحرية وأين العدالة الاجتماعية ولا يتوقف عن طرح صيغة الاستفهام التي تبدأ بأين؟
وتلك هي المعضلة الكبرى التي أضحت تفرض سطوتها على فعل الثورة التي عبرت بالمحروسة من منطقة التلاشي - إن لم يكن العدم - إلى منطقة الوجود والحضور والتجلي بحقائقها وطنيا وقوميا وإقليميا أو هكذا من المفترض أن تحققه وتتحمل النخب السياسية سواء تلك التي نهضت بعبء الثورة أو التي استفادت منها المسؤولية الأولى في المضي بها نحو دائرة إهدار الإمكانية وهي دائرة - إن لم تتوافق هذه النخب على الحدود الدنيا من قواعد اللعبة - يمكن أن تتحول إلى دائرة جهنمية لن تقف تداعياتها أو قل نيرانها عند طرف دون آخر بل ستطال الجميع
وأخشى ما أخشاه هو أن يصر كل طرف من الأطراف التي تتصدر المشهد السياسي المصري الآن على ما يظن أنه الحقيقة المطلقة ودونه الباطل ومن ثم لا نعثر على ما يطلق عليه القواسم المشتركة وهىي في جوهرها عديدة فتدفع المحروسة الكلفة المرتفعة من مشروع نهوضها الذي يترقبه شعبها والإقليم أو تعيد إنتاج نظام سياسي قد يكون أشد وطأة من نظام مبارك.
وما يعنيني بعيدا عن ذكر أسماء أو مسميات معينة هو أن ألفت الانتباه إلى جملة من المعطيات التي يتعين إجهاضها قبل أن تنضج الأمور باتجاه إتاحة الإمكانية أمام الثورة المضادة لتقفز باتجاه الانقضاض الأخير على ثورة يناير بعد أن حققت خلال الأشهر الفائتة بعضا من اختراقات نوعية
وأول هذه المعطيات يتمثل في حالة السيولة في المواقف الغير المحددة والسعي إلى الاستحواذ على الحقيقة وامتلاك الأدوات التي تمكن هذه القوة أو تلك من فرض إرادتها على القوى الأخرى بينما قواعد السياسة ترتكز بالدرجة الأولى على بناء قدر من التوافق الوطني سيما في المراحل الانتقالية التي تستوجب حشد طاقات جميع قوى الوطن للإسهام فى عملية إعادة البناء بعد أن أسهمت فى هدم النظام السابق. وفى هذا السياق يقف المرء عند محاولات كل طرف لإقصاء الطرف الآخر بالذات على صعيد القوى التي تتصدر المشهد بتجلياته البرلمانية والتنفيذية وهو ما يعنى على نحو أو آخر الدخول في منطقة صراع فرض الإرادات وهو ما لا يجوز - بل يحرم إن لجأنا إلى مفردات الفقه- في الحالة المصرية التي تتطلب أن يعمل كل طرف على تحقيق قدر من التكامل بين مقومات القوة لديه ولدى الأطراف الأخرى لبناء منظومة سياسية جديدة تحقق قواعد الديمقراطية الصحيحة في إطار شراكة وطنية فيها بدون شك متسع للجميع.
ثانيا : ثمة توجه إلى فرض حقائق جديدة على الواقع المصري من خلال الشعور بامتلاك قوة الشارع أو قوة الأغلبية وذلك دون قراءة حقيقية لمفردات هذا الواقع والتي لا تقبل باحتكار جديد للسلطة حتى لو ارتدى عباءة الدين وهو ما يتجلى في مسعى جماعة الإخوان المسلمين إلى الاستحواذ على كل السلطات ومع تسليمنا بحقها القانوني في ذلك ما دامت تمتلك الأكثرية النيابية لكنها في المقابل عليها أن تقرأ بعمق تجربة نظام مبارك في احتكار السلطة رغم كل الشعارات الوطنية التي كان يتبناها والتي قادته في النهاية إلى الانهيار وهو ما يجعلني أتفق مع ما طرحه المفكر فهمي هويدي في مقال له مؤخرا بضرورة أن تتجنب الجماعة فتنة السلطة فهي في ظل تمددها إلى كافة الجوانب ستتحول إلى سلطة مطلقة وبالتالي ستكون مفسدة مطلقة حتى لو ارتدت كما قلت سابقا عباءة الدين وحوادث التاريخ الإسلامي زاخرة بنماذج من هذا القبيل وجاءت نتائجها مخاصمة لمحددات المشروع الحضاري الإسلامي الذي يقوم على التوافق والعدل والحرية والبناء
ما علمته هو أن الجماعة تسعى إلى امتلاك أدوات السلطة بقضها وقضيضها بهدف تطبيق مشروعها السياسي وبرنامجها الانقاذي على حد قول أحد نوابهم في البرلمان خلال حلقة نقاش بالتلفزيون المصري جمعتني به قبل أيام غير أن حقائق السياسة تؤكد أنه ليس بمقدور أي قوى سياسية مهما امتلكت من حشد جماهيري أو استندت إلى أغلبية برلمانية أن تحقق برنامجها من دون التوافق والاحتشاد مع القوى الأخرى والتي تمتلك قدرة تعطيل هذا البرنامج.
ثالثا : وتكمن المعضلة الأشد خطورة على بنية ثورة يناير في القوى التي تحملت العبء الأكبر في إشعال جذوتها المتقدة حتى اليوم رغم كل محاولات هدر إمكانيتها فهذه القوى وأغلبيتها من طلائع الشباب مزقتها الانشطارات وحالات التشظي التي جعلت كل فريق يصاب بغرور الثورة - إن صح هذا التوصيف- فتراجعت قوتهم وهو ما تجلى في الانتخابات البرلمانية التي لم تفرز إلا بعضا من رموز الثورة يعدون على أصابع اليد الواحدة وليس اليدين للأسف فيما انزوى البعض من شباب الثورة الذين توزعوا على ما يسمى بالائتلافات المتعددة في خانات المواجهة مع الأطراف الأخرى وفي مقدمتها المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي بالرغم من أخطائه إلى حد التجاوز في بعض المراحل لايمكن إنكار حقيقة انحيازه لخيار الثورة والوقوف إلى جانبها ملتزما بتسليم السلطة إلى سلطة مدنية مع نهاية يونيو المقبل. في حين انهمكت فئات من شباب الثورة في الدخول في اشتباكات سياسية وإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع قوى مدنية وثورية أخرى مما أهدر إمكانات الجميع فوقع ما يشبه الترهل الذي أصاب حيوية الشباب وأفقدهم القدرة على الفعل المؤثر الذي لاينتج إلا من وحدة الصفوف لا من تمزقها وانشطارها في متوالية مخيفة
رابعا : لم يفت الوقت بعد فبوسع جميع أطراف المعادلة السياسية في المحروسة استعادة فعالية الحركة وعافية الرؤية وامتلاك القدرة على ترتيب الأوراق والأولويات التي تحتاجها عملية بناء المنظومة الجديدة للوطن وأولها التوافق على اللجنة الدستورية بعيدا عن الشطط وتجنب السعي إلى احتكار السلطات والحقيقة في آن فالشعب المصري لن يرحم من يجهضون ثورته أيا كانت ألوانهم أو أفكارهم فليسارع الجميع إلى الوقوف إلى جانب هذا الشعب الصابر والمثابر والمستعصي على الاستكانة أو الخضوع لأي سلطة لاتنحاز إلى خياراته في الحرية والخبز والعدالة.
السطر الأخير :
ماذ جنيت لكي تكفي عن قول الشعر
أو البوح بأعاصيرالقصائد
كوني سيفا للكتابة
لاجمرا يحتوينى
كوني حديقة تهدهد روحي
لاتسلك بي دروب غابات ورحيق بائد
فيك سطرت حقول حنطتي
رسمت بعينيك أشواقي
كابدت الصبار
عانقت العتمة دون أنيس
فجئتك باحثا عن ندى فجر عائد
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
431
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
307
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43470
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7110
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5379
| 13 سبتمبر 2026