رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أيام قليلة تفصلنا عن واحدٍ من أجمل أيام قطر، يومٌ تتزيّن فيه الدوحة وكل مدن البلاد بالأعلام والولاء والانتماء… إنّه اليوم الوطني الذي يصادف الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، مناسبة تتجدد فيها معاني الفخر بتاريخ الوطن ومسيرة بنائه ونهضته.
جاء اختيار شعار اليوم الوطني لهذا العام من أقوال حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى، ليمنح الاحتفالات بُعدًا مختلفًا في معاني الانتماء والمواطنة، ويُضفي عليها روحًا متجددة تستلهم من القيادة حكمتها ورؤيتها، فشعار “بكم تعلو ومنكم تنتظر” ليس مجرد عبارة احتفالية، بل هو فلسفة وطنية راسخة تُجسّد الإيمان بأن الإنسان هو محور التنمية وعماد النهضة وأعظم استثمار في مسيرة الدولة.
لقد أثبتت الأجيال المتعاقبة من القطريين أن الانتماء للوطن ليس مجرد شعور عابر، بل ممارسة يومية تتجلى في العمل والعطاء والالتزام بالقيم التي قامت عليها الدولة. ومن هنا جاءت مسيرة النهضة القطرية التي لم تتوقف، بل تواصلت بخطى ثابتة محليًا ودوليًا، لتجعل من قطر نموذجًا إقليميًا في التنمية والريادة.
وفي كل عام، يأتي اليوم الوطني ليذكّر القطريين بأن الهوية ليست شعاراً يُرفع فحسب، بل هي مشروع حيّ يتجدد بالعمل والمشاركة والوعي. ورغم مرور الزمن وتغير ملامح الحياة الحديثة، لا تزال قطر حريصة على ترسيخ قيمها الأصيلة في نفوس أبنائها، وتعزيز انتمائهم لهذا الوطن الذي صاغ تجربة تنموية فريدة تجمع بين الحداثة وجذور الإرث العربي الأصيل.
وفي هذا السياق، يشكّل درب الساعي مساحة وطنية استثنائية تجتمع فيها الرموز التاريخية والممارسات الثقافية والمبادرات الشبابية، لتجعل من الاحتفال باليوم الوطني ليس مجرد مناسبة، بل تجربة معرفية واجتماعية عميقة تعيد وصل ما انقطع بين الأجيال وسير الآباء المؤسسين.
يعود درب الساعي هذا العام بحلّة وطنية جديدة تعكس روح الانتماء، وتُعيد إلى الأذهان المعاني التي تأسست عليها الدولة، وما يميز هذا الحدث أنه لم يعد فعالية موسمية، بل أصبح وسيلة تربوية وثقافية تغرس القيم الوطنية من خلال التجربة الحية، وهو ما يجعله منصة دائمة لبناء الوعي وتعميق الهوية.
ومن أبرز فعالياته تأتي فعالية السوق التي تمثل نموذجاً مُصغَّراً للسوق الشعبي القديم في الدوحة. لكنّ قيمتها تتجاوز الطابع التراثي؛ فهي فضاء يُبرز طموح الشباب وروح المبادرة لدى روّاد الأعمال القطريين.
ويتيح السوق للزوار التعرف على مشاريع محلية ناشئة، ويمنح أصحابها منصة تجارية حقيقية، ما يعزّز التنافس ويُسهم في دعم الاقتصاد الإبداعي الذي يشكّل أحد مسارات رؤية قطر 2030. وهكذا تتداخل الهوية بالاقتصاد، والتراث بريادة الأعمال، في مشهد يعبّر عن فلسفة قطر الحديثة في التنمية.
أما فعالية الميز— المطبخ أو مساحة إعداد الطعام—فتحوّل التجربة الغذائية إلى مساحة للابتكار والتلاقي. فالفعالية، بما تضمه من مطاعم وأكشاك متنوعة، تمنح الشباب القطري فرصة عرض إبداعاتهم ومشاريعهم الناشئة، وتتيح للزوّار تذوق نكهات جديدة تعبّر عن حيوية المجتمع القطري وقدرته على مزج الأصالة بالمعاصرة.
إن الميز ليس مجرد أطباق تُباع؛ بل قصة وطن يفتح المجال لأبنائه ليبدعوا، ويفتح شهيّة المجتمع لتجربة الجديد دون أن يفقد نكهته الأصيلة.
وعلى الصعيد الخارجي، تواصل قطر دورها الفاعل في تعزيز الأمن والسلم الدوليين عبر الوساطة في النزاعات وإرساء الحوار بين الدول والأطراف المختلفة. وقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية القطرية تقوم على مبادئ ثابتة: احترام السيادة، السعي للسلام، ودعم الشعوب في حقوقها المشروعة. ونتيجة لهذه السياسة الحكيمة، أصبحت قطر مرجعًا مهمًا في حلّ الأزمات الإقليمية والدولية.
وداخليا حققت قطر خلال السنوات الأخيرة إنجازات نوعية في العديد من المجالات، التعليم، الثقافة، الإعلام البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل، والخدمات الصحية، والتحول الرقمي، وتمكين الشباب والمرأة، إلى جانب المشروعات التنموية الكبرى التي جعلت البلاد تستعد لمرحلة جديدة من التقدم والاستدامة، بما يتسق مع رؤية قطر الوطنية 2030.
وثقد شكّل التعليم حجر الأساس في المشروع القطري لبناء الإنسان، إذ قدّمت الدولة نموذجًا رائدًا في الاستثمار في المعرفة باعتبارها الطريق الأضمن نحو تنمية مستدامة. فقد جاءت المدينة التعليمية بما تحتضنه من جامعات عالمية، إلى جانب تطوير المناهج الوطنية ودعم البحث العلمي وتمكين المعلمين، لتؤكد أن قطر تجعل من التعليم محورًا لكل خططها. وقد أثمرت هذه الجهود جيلًا واثقًا، متمسكًا بقيمه، قادرًا على الإبداع والمنافسة في مختلف الميادين.
كما أولت قطر تراثها الوطني عناية خاصة، إدراكًا منها بأن الهوية لا تُبنى إلا على ذاكرة راسخة وجذور متينة. فمشاريع إحياء الأسواق التقليدية مثل سوق واقف وسوق الوكرة القديم، والحفاظ على المواقع الأثرية وإحياء الفنون الشعبية، جميعها تعكس رؤية تؤمن بأن الحداثة لا تنفصل عن الأصالة، بل تقوم عليها.
بالاضافة إلى النهضة الثقافية اللافتة التي جعلت مركزًا إقليميًا للحراك الفكري والفني. فالمتاحف الكبرى مثل متحف قطر الوطني، ومتحف الفن الإسلامي، والمهرجانات الثقافية ومعارض الكتب، أبرزها معرض الدوحة الدولي للكتاب، صارت منصات تعزز الحوار والانفتاح وتمنح الجيل الجديد فضاءً لاكتشاف العالم وصناعة محتواه الثقافي الخاص.
إن ما تقدمه قطر في اليوم الوطني، خصوصاً من خلال درب الساعي، ليس مجرد عروض أو أنشطة بل مشروع وطني متكامل لصون الهوية وتعزيز الانتماء. فالوطن الذي يعرف كيف يستثمر إرثه، ويؤهل شبابه، ويجعل الثقافة جزءاً من التنمية، هو وطن يمشي بثقة نحو المستقبل.
ختاما.. في يومها الوطني، تُعيد قطر التأكيد على أن نهضتها ثمرة رؤية قيادية حكيمة، وجهود إنسانها، والتزام مجتمعها بقيم العمل والوحدة والعطاء، ومع شعار “بكم تعلو ومنكم تنتظر”، تمضي الدولة نحو مستقبل أكثر إشراقًا، مؤمنة بأن الإنسان هو البداية والغاية… وبأن الوطن ينهض بسواعد أبنائه وبقوة انتمائهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1164
| 01 أكتوبر 2026