رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولأنهم ورثة الأنبياء، صارت لهم مكانة مرموقة بين الناس في كل زمان ومكان، فهل كلهم ورثة أنبياء؟.
في كل الأمم والحضارات كان هنالك علماء، وأقصد ها هنا علماء دين، حيث أحبار اليهود وقساوسة النصارى وعلماء المسلمين، لكن لا أتحدث اليوم عن علماء ملل ونحل ما أنزل الله بها من سلطان، إنما عن علماء ملل الشرائع السماوية، وتحديداً علمائنا المسلمين.
في عهد النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ظهر عدد من الصحابة الكرام ممن أتاهم الله من فضله، تفرغوا للعلم أمثال أبي هريرة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبدالله بن مسعود وغيرهم، كما في الحديث الصحيح: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
ثم ظهر بعد ذلك أبناء الصحابة أمثال ابن عباس، حبر هذه الأمة، وعبدالله بن عمر، واستمر ظهور علماء في التابعين وتابع التابعين ممن ينطبق عليهم حديث "العلماء ورثة الأنبياء"، كالحسن البصري وسعيد بن المسيّب وغيرهما حتى اتسعت الدولة الإسلامية، وظهرت مع اتساعها وبالتوازي الخلافات السياسية، التي شعّبت الناس وفرقتهم إلى هنا هناك، ليصل التأثير إلى طبقة العلماء أيضاً، فتباينوا وتحاسدوا وتآمروا على بعضهم البعض، واختلفوا في الآراء والمذاهب والمشارب والمقاصد والطموحات.. وهكذا استمرت فئة العلماء في التمايز والتباين، حتى بدأ مصطلح علماء السلاطين في الظهور، ليبدأ الناس حينها بتمييز العالم الرباني عن الدنيوي أو ما شابه.
الأزمات تكشف العلماء
مثلما أن الأزمات وخاصة السياسية، تكشف مشارب ومآرب غالبية الناس في أي مجتمع، وفي أي زمان ومكان، فكذلك الأمر مع العلماء، لكن ما يميزهم أنهم في الأزمات أشبه بمنارات تهتدي بهم الناس، أو بوصلة للشعوب - أو هكذا المفترض أن يكون العالم - لا أن يكون مع الآخرين، إمّعة، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء.
في تاريخنا الإسلامي الممتد منذ عهد الصحابة، مروراً بالعهود المختلفة للدولة، وصولاً لواقعنا المُعاش، ظهرت نوعيات من العلماء صاروا منارات وقدوات تحكي الأجيال عنهم إلى يوم الناس هذا، السبب بكل اختصار ووضوح هو بقاؤهم على المنهج الذي جاء به النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ودعوة صحابته ومن يأتي من بعدهم البقاء عليه.
دخل أولئك العلماء الربانيون – إن جاز لنا التعبير في وصفهم – أزمات ومحناً شديدة مع الطبقة السياسية التي كانت تحكم في أزمنتهم، فخرجوا منها منتصرين نهاية الأمر، فأغلق التاريخ أبوابه على أولئك المستبدين من الحكام، لا يراهم الناس إلا ظلمة فجرة، فيما فتح أبوابه على مصاريعها لأولئك العلماء، يتأمل الناس أفعالهم وتحركاتهم التي لم تخالف أقوالهم.
لقد لعب العلماء على مدار تاريخنا الطويل، دوراً في الانتصارات أو الانكسارات، فكلما كان علماء أي عهد أقرب إلى المنهج النبوي، كانت الأمة معززة منصورة، والعكس صحيح لا ريب فيه، وحين يدور حديثنا عن العلماء ودورهم المؤثر في أي انتكاسة أو انتفاضة، فلابد أن يرد اسم سلطان العلماء، العز بن عبدالسلام، الذي كان من أولئك العلماء الذين اقترنت أسماؤهم بمواقفهم لا مؤلفاتهم وتصنيفاتهم، على رغم جهده وغزارة علمه في جانب التأليف، لكن ذلك لم يكن ليشغله عن مقاومة الظلم ومواجهة الحُكام عند الخطأ، والجهاد ضد أعداء الأمة يومها من الصليبيين ومن ثم المغول.
لا ننسى كذلك في سياق الحديث عن العلماء الربانيين، الإمام أحمد بن حنبل وثباته في أزمة خلق القرآن، التي ابتدعها المأمون، وثبات تلامذته ابن تيمية وابن قيم الجوزية، فقد ضرب أولئك الأفذاذ مثلاً في الثبات على الحق والدفاع عنه والدعوة إليه، رغم كل الإغراءات الدنيوية التي كانت تُقدم لهم، حتى هابتهم الدنيا بمن فيها.
حين تغري الدنيا العلماء
اليوم تمر الأمة بظروف وأحوال لا تختلف كثيراً عن زمن العز بن عبدالسلام، الأمة اليوم كما كانت في تلك الفترة، مبعثرة بين الشرق والغرب، ومتناحرة سياسياً، حتى وصل التناحر إلى ميدان العلماء، لترى اليوم من اصطلح على تسميتهم بعلماء السلاطين، يظهرون من جديد وبازدياد ملحوظ، وصاروا جيوشاً تدور في أفلاك الزعماء والحكام، يبيعون دينهم بدنياهم ودنيا غيرهم.
قدرات هذه الفئة من "العلماء" في ضبط ورسم الفتاوى المرغوبة من الزعيم أو الحاكم، عجيبة دقيقة. فلكل فتوى ثمنها. مالاً كان أم وجاهة، أم منزلة، أم غير ذلك من أثمان!، ولهذا استغرب الشيخ محمد الغزالي من تلك النوعية من العلماء المشتغلين بالعلم الديني الذين كما قال عنهم: "قاربوا مرحلة الشيخوخة وألفوا كتباً في الفروع، وأثاروا معارك طاحنة في هذه الميادين.. ومع ذلك، فإن أحداً منهم لم يخط حرفاً ضد الصليبية أو الصهيونية أو الشيوعية.. إنّ وطأتهم شديدة على الأخطاء بين أمتهم، وبلادتهم أشدُ تجاه الأعداء الذين يبغون استباحة بيضتهم.. بأي فكر يحيا أولئك".
ليت مشكلة علماء السلاطين في أنفسهم، لهان الأمر، لكن المشكلة وبسبب سياسة المنافع المتبادلة بينهم وبين السلطات الحاكمة، بعد فساد قلوب الطرفين، صار أولئك "العلماء" في ارتقاء وتقريب مستمر نحو تلك السلطات وأصحاب القرار حتى أمسى نفوذهم في ازدياد كما ثرواتهم أو دنياهم، وصلاحياتهم تتسع كذلك، وميادين الإعلام تهش وتبش لهم، حتى صار تأثيرهم على الشعوب كبيرا، على اعتبار أن السواد الأعظم من الشعوب، جاهل بكثير من أمور دينه وكذلك دنياه، فتحول بالتالي أولئك العلماء إلى ما يشبه بوصلة يتم السير على هداهم ورؤاهم!.
ومن هنا تجد أعدادهم في ازدياد ملحوظ، فيما العلماء الربانيون مغيبون عن العامة، ومحظورون عن ميادين التواصل مع الناس، وحملات تشويههم مستمرة.
خلاصة الحديث
واقع علمائنا اليوم لا يجب أن يغرقنا في بحار اليأس، فمثلما انتشر وظهر علماء السلاطين على مدار تاريخنا إلى يوم الناس هذا، فلا شيء يمنع ظهور عشرات العز بن عبدالسلام، ومئات الحسن البصري وآلاف ابن تيمية وابن قيم الجوزية وآخرين كُثر، كانوا يصدعون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم.
إن صلاح هذه الأمة ونهضتها مقترنان بصلاح ونهضة علمائها، وهذا أمر مثبت بالتجارب.. إن سقوط البعض منهم، بغض النظر عن أعدادهم، ودخولهم أجواء السلاطين، لا يعني أنه عدوى تنتقل لآخرين، فإن أمة ظهر فيها مثل العز بن عبد السلام، وكان عاملاً مؤثراً في نجاتها من خطر وجودي تمثل في وباء المغول، قادرة على أن تنجب وتُخرج الآلاف مثله، يعيدون لها مجدها وعزتها، وإن سوء حال الأمة اليوم لا يجب أن يمنعنا من التفاؤل بغد أفضل وأجمل، لأن الله دوماً بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
219
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
480
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
411
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1242
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026