رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عند سخونة أحداث سياسية، وتشابك خيوط اللعبة، وظهور أكثر من لاعب فاعل، ومستتر، وبعد صافرة الحكم بتوقف اللعبة، أو نهايتها، يتسابق الدارسون الأكاديميون، والباحثون السياسيون على قراءة نتائج هذه الأحداث المفصلية والتي كان لها دور في إعادة رسم خريطة سياسية أو جغرافية لمنطقة ما، والذي يملك منهم معلومات من دوائر فاعلة في الحدث قادر على التنبؤ قبل حدوث الحدث بسيناريوهات قريبة من النتائج بمعطيات المعلومة ضمن فضاءات القدرة التحليلية، وهذا كله في إطار ثقافة عربية جل ما تفعله التعرف على الحدث، ومعايشة نتائجه، وهي غير مشاركة في صنعه، وقد تتحمل نتائجه السلبية، ولا تقطف نتائجه الإيجابية، وفي أحسن حالاتها تكون متفرجاً يندب حظه.
لم أعرف فيما قرأت دارساً أو محللاً سياسياً فكّر ولو من باب الفانتازيا التحليلية السياسية أن يقترب من دراسة حدث لم يحدث بعد، وإن كان الأستاذ محمد حسنين هيكل عاد إلى قراءة التاريخ بأحداثه بمقالاته التي خرجت في كتاب يحمل عنواناً لافتاً وذا دلالة هو " زيارة جديدة للتاريخ " وقد كان موفقاً في الدخول إلى تفاصيل الحدث خاصة أنه يملك ما لا يملكه غيره من معلومات قد يكون بعضها من الصعب الحصول عليها لأي صحفي مهما بلغت درجة قربه من صُناع الحدث.
قد يعتقد البعض أن القراءة لحدث لم يحدث بعد لا محاذير له، لأنه في الغالب ظني، ولكن قصدية اختيار الحدث قد يوقع دارسه في المحذور، وهذا ما أريده لي أنا لأنني لن أدور في فلك التمني، أو الافتراض، ولا في دائرة " ماذا لو؟ "، لكنني سأختار ما أريده بقصدية مسبقة لحدث لم يحدث بعد، " وربما " لن يحدث أبداً الأحداث التي لم تحدث كثيرة، سواء أكانت سياسية، أم اقتصادية أم دينية أم اجتماعية، والاختيار بين الكم الهائل المطروح يحتاج إلى روية، وإعادة النظر أكثر من مرة قبل الإعلان عنه، وهذا ما حدث معي، فمادامت القصدية موجودة فالقراءة الأولية قبل الاختيار أمر مهم، ومع ذلك لم أجد صعوبة في الاختيار، ولن أجد حرجاً في القراءة، وأرى أنه علي أن أقرأ الحدث، وعلى غيري التأويل بدلالات النص.
أقرأ اليوم ما لم يحدث ذات يوم، وشغل العالم حينها بأمره، وهو إعلان دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل، واقعاً جغرافياً، هذا الحلم الذي طالما سعى إليه اليهود المتدينون، ورفع شعاره السياسيون غير المتدينين، وجاءت به بروتوكولات حكمائهم، حلم عاش في مطويات الحاخامات ضمن أسرارهم السرية آلاف السنين، وهاهو يتحقق، فهل هو صحوة النائم، أم غفوة الصاحي؟ لنقرأ معطيات الدولة قبل الإعلان عنها، ومن ثم نقرأ ما حدث بعد الإعلان.
الدين اليهودي هو الوحيد بين الأديان الثلاثة السماوية غير تبشيري، ولو كان تبشيرياً لاختلفت القراءة، والسبب الوحيد في ابتعاد المتعصبين من اليهود لفكرة التبشير أنهم يرون أنفسهم فوق الجميع، وكل ما قد خلق الله هو لخدمتهم، حتى الإنسان، من هنا يرون أنه من غير المعقول أن يأتي الأدنى ويدخل الدين ليصبح في عليين، لذا فقد اعتبروا أن الدين وراثي، يرثه الأحفاد عن الأجداد، وهم بالتالي لا حاجة إلى العدد الكبير للمباهاة مادام الكل من بني البشر خاضعا لإمرتهم، مسيّرا لخدمتهم.
أول مسمار دُقّ في نعش الدولة هو انغلاقهم دينياً على أنفسهم بحجة التفوق العِرقي، وجعل الدين وراثياً غافلين عن الحقيقة أو متناسينها تلك التي تقول: قد تحكم العالم بعض الوقت، لكنك لن تحكم كل العالم كل الوقت.
المسمار الثاني هو الاتكاء على التاريخ المنقطع، فهم حقيقة أبناء جغرافية المنطقة، وقد عاشوا حقيقة في الحجاز، واليمن، والعراق، ومصر، وبلاد الشام، كما عاشت كثير من الأمم والأديان في ذات المنطقة، لكنهم ظنوا متأكدين أن الحق إلى جانبهم في المطالبة بالأرض التي عاشوا عليها، ولو صح قولهم، وكان قابلاً لشرعية المطالبة لطالبت كل شعوب الدنيا بعوالم جغرافية سكنتها ذات يوم.
المسمار الثالث هو الظن اليقيني أن حكام هذه المناطق قد أصبحوا ضمن سيطرتهم، وخاضعين لإمرتهم، ولو صح لهم ذلك، وهو قريب لهم اليوم، فإنهم غافلون عن شعوب المنطقة والتي في أسوء حالاتها سوف تدافع عما تملك، ولن ترضى بأن تُمتلك، إن منطق التاريخ يقول: إن مئات الأعوام للمسلمين في الأندلس لم تجعل من شعبها عرباً مسلمين، وأكثر من مائة عام لفرنسا في الجزائر لم يخلق من الجزائريين فرنسيين، وكم زالت دولٌ، وبقيت الشعوب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2952
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2490
| 04 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2475
| 30 أبريل 2026