رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ابتداء، لا بد من القول إن إبداع الشباب المصري في تنظيم حركة "تمرد" كان مُدهشا بكل المعايير. وإنه أدخل وعبر الملايين التي استطاع حشدها في زمن قياسي آلية جديدة في العمل الشعبي والجماهيري. وأنه أثبت من ناحية ثانية أن الشريحة الشبابية في الوطن العربي هي مخزن هائل للأفكار والحراك الخلاق. "تمرد" أصبحت شبه نظرية يريد شباب آخرون في البلدان العربية من المغرب. إلى تونس. إلى فلسطين تبنيها وتطبيقها. ولا بد من القول أيضاً أن حكم الإخوان المسلمين في مصر تخبط من فشل إلى فشل وقد وفر وقودا متواصلا للمعارضة الشبابية والجماهيرية العريضة كي تستكمل مشروعها الاحتجاجي الكبير. وكان ذلك الفشل في طريقه لخدمة المسار الديمقراطي ليس في مصر وحدها بل وفي العالم العربي برمته (بما في ذلك تحجيم تيارات الأسلمة السياسية ودمقرطتها ودفعها إلى مربعات الواقعية). بيد أن ما حدث في مصر من تدخل للجيش أدخل ذلك المسار في نفق مجهول وأضاع فرصة تاريخية لعملية الدمقرطة العربية. وفي أحسن التقديرات أعاقها وبطأ من وتيرتها.
الديمقراطية العربية كانت ولا تزال تواجه عائقين كبيرين في المنطقة هما الأنظمة المُستبدة والإسلام السياسي. والإنجاز الهائل للربيع العربي تمثل في إسقاط العائق الأول في عدد من البلدان. وهو عائق ثبت بعد عقود طويلة من الدكتاتورية أنه صلب ومتجذر ولم يكن بالإمكان مواجهته إلا عبر ثورات شعبية. أما العائق الثاني. الإسلام السياسي. فلم يكن من الممكن إزاحته. أو عقلنته ديمقراطيا. إلا عبر التجربة الديمقراطية نفسها. باستثناء الحالات التي سيطر فيها الإسلامي عبر أدوات مستبدة مثل الحكم في السودان الذي وصل إليه عبر الانقلاب العسكري. في بلدان الربيع العربي التي وصلت فيها حركات الإسلام السياسي إلى الحكم عبر الانتخابات توفرت فرصة تاريخية لتجاوز العائق الثاني ديمقراطيا وسلميا ومدنيا. يقوم هذا التقدير على قناعة وحقيقة أثبتتها تجارب البشرية خاصة في القرون الأخيرة تقول إن إقحام الدين في السياسة مآله الفشل. لأن فيه تشويه للدين وإفساد للسياسة. لن تنجح أية حركة إسلامية في العالم المعاصر في حكم أي بلد من البلدان لأن تعقيدات الحكم والمجتمعات والاقتصاد والعلاقات الدولية لا تحتمل وجود منظومة دينية على رأس الحكم. ذلك أن الدين. أي دين. هدفه الهداية وليس السياسة ويقوم على يقينيات وقناعات بين "حق" و"باطل". بينما تقوم السياسة على مساومات وتعقيدات ومناورات وأنصاف حلول بما فيها الخداع والكذب أحيانا وهي أمور لا يحتملها الدين. بيد أن هذه المقولات النظرية ما كان لها أن تصبح قناعات واسعة عند جمهور الناخبين من دون تجارب عملية. في العالم العربي برز الإسلام السياسي. ولأسباب كثيرة وتاريخية. بكونه "المخلص". سيما وهو يرفع شعارا جذابا وفعالا: "الإسلام هو الحل".
مرة أخرى. تجارب الإسلاميين في الحكم بعد الربيع العربي كانت كلها تقول إن "أسلمة السياسة" لا مستقبل لها. بل إن التجربة الأكثر نجاحا. خارج المنطقة العربية. وهي تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا. بدأت تتخبط الآن فور أن انحدرت إلى مسار "أسلمة السياسة". بقيت تلك التجربة ناجحة في مرحلة استثمارها وبنائها على ما كان قائما من دولة مدنية ومؤسساتية. ونجحت أكثر عندما ركزت على سياسات الخدمات والاقتصاد. وعندما أراد أردوغان توظيف النجاحات الخدمية والاقتصادية في مشروع أسلمة الدولة والمجتمع ثارت في وجهه شرائح عريضة. وما لم يتراجع عن نزعة التأسلم والمدفوعة بعجرفة سلطانية فليس من المُستبعد أن تتسع حركة "تمرد" التركية هناك.
استنادا على ما سبق يمكن تسجيل عدة ملاحظات حول ما حصل في مصر. الأولى متعلقة بالآليات الديمقراطية في مواجهة رئيس منتخب. الآلية الأهم في محاولة تغيير أو إسقاط رئيس منتخب هي الانتخابات. وفي حال ابتعاد موعد الانتخابات عن لحظة اتساع نطاق المعارضة الشعبية تصبح الانتخابات المبكرة هي الحل. وإلى هنا كان مطلب "تمرد" شرعي وديمقراطي ومُحق. وكان بالإمكان مواصلة الضغط على الرئيس مرسي والإخوان للوصول إلى تلك الانتخابات. ولم يكن من الضروري الاستعجال بتدخل الجيش وهو التدخل الذي أنهى الممارسة الديمقراطية. كل الذرائع التي يوردها هنا مؤيدو تدخل الجيش فيها وجاهة قوية لكنها ليست كافية لتبرير ذلك التدخل. والقول إن الجيش تدخل حتى ينفذ الإرادة الشعبية. أو شرعية الشارع. والملايين الذين خرجوا ضد مرسي تدخلنا في نفق مجهول. وهذه هي الملاحظة الثانية. ذلك أن الاحتكام إلى "شرعية الشارع" عوضا عن الشرعية الانتخابية معناه وضع هاتين الشرعيتين ضد بعضهما البعض. وجوهر العملية الديمقراطية يقع هنا بالضبط أي في تقنين شرعية الشارع في إطار الشرعية الانتخابية. بخلاف ذلك. وكما حصل في مصر. نصل إلى مأزق كبير مفاده أن خروج الشارع ضد رئيس يتمتع بالشرعية الانتخابية يبرر للخارجين إسقاطه. وتطبيقا لذلك. وفي الحالة المصرية. ماذا لو افترضنا نظريا أن الإخوان استطاعوا أن يحشدوا "شارعهم" مع مؤيديهم بما يفوق حشد "تمرد"؟ هل يشرعن ذلك لعودتهم للحكم. أو حتى لـ "تمردهم" على أي حكم مستقبلي يكون منتخبا؟ صحيح أن شعبية الرئيس مرسي وصلت إلى الحضيض وربما كانت الأغلبية تريد إسقاطه. لكن هذا وضع معروف في معظم الحالات الديمقراطية. أي رئيس منتخب يفقد كثيرا من شعبيته بعد انتخابه. في فرنسا اليوم وصلت شعبية الرئيس هولاند إلى 24% أي أقل من ربع الفرنسيين. وهناك مظاهرات واحتجاجات شبه يوميه ضده. فهل هذا يبرر خلعه أو تدخل الجيش الفرنسي لإسقاطه؟
الملاحظة الثالثة تتعلق بأخونة الدولة ومحاولة الإخوان السيطرة على مفاصلها. وأن بقاء مرسي في الحكم يعني مزيدا من تلك الأخونة. وهذا تخوف مشروع لكنه مُبالغ فيه. في العصر الحالي. حيث انفجار الثورة الإعلامية والتي يوجد فاعلوها في جيب كل مواطن. عبر أجهزة الهاتف النقال والكاميرات. فضلا عن الفضائيات وسواها. لم يعد بإمكان أي حاكم على وجه الأرض القيام بما يحلو له بمطلق الحرية كما كانت الأمور إلى وقت قريب. كل قرار اتخذه مرسي كان موضع تمحيص ونقد ونقاش إعلامي ليس في مصر وحدها بل وخارجها. كما أن الكل يعلم أن القرارات التي اتخذت بالإمكان إلغائها في أول فرصة. ولا يمكن أن تغير من وجه مصر. لم يستطع مرسي وحركته الحد من فاعلية الشعب المصري. ناهيك عن أخونته أو السيطرة عليه. بدليل نمو واضطراد حركة "تمرد" ذاتها. ولم يستطع أن يسيطر على الإعلام أو يحد من فاعليته.
الملاحظة الرابعة تتعلق بإقحام الجيش في السياسة وتوكيله الإشراف على العملية الانتقالية. وهي خطوة في المجهول ونحو رمال متحركة. نتمنى أن يكون هذا الإقحام قصير المدى ويرجع الجيش إلى ثكناته. لكن إغراء السياسة يطيح بكل النظريات والتعذر بمصلحة البلد والحفاظ على الأمن والاستقرار كان دوما الذريعة الأقصر لدوام الاستبداد. ولدوام حكم العسكر في كل مكان.
الملاحظة الأخرى. وبالتأكيد ليست الأخيرة في هذا النقاش. متعلقة بالتخوفات والعواقب التي قد تكون وخيمة جراء هذه الخطوة. مهما حاولنا نفي التشابه بين ما حدث في مصر وما حدث في الجزائر في أوائل التسعينات من القرن الماضي عندما تدخل الجيش هناك وقطع الطريق على الإسلاميين يبقى هناك تشابه جوهريا لا مناص عنه. ونعرف جميعا أن خطوة الجيش الجزائري قادت إلى حرب أهلية طاحنة أكلت عقدا من السنين وكان ضحاياها مئات الألوف من الجزائريين. من يضمن فلتان الشباب الإسلامي الغاضب ولجوءهم إلى العنف. وانشقاق شرائح من الإخوان المسلمين وانضمامهم لدعوة الظواهري الذي يفرك يديه فرحا الآن لأن "جبهة مصر" فُتحت أخيرا أمامه. حيث لن تنقصه الذرائع ولا المسوغات بعد الآن؟
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1450
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
547
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
7668
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026