رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا خبر سار ومحزن في ذات الوقت. إذ لابد أن يسرنا قرار محكمة استئناف القاهرة بإلغاء الحكم الذي صدر في أواخر فبراير الماضي باعتبار حماس تنظيما إرهابيا. إلا أن ذلك السرور لا يخفي حزنا دفينا إزاء المدى الذي وصلنا إليه في تقييم أهم حركة مقاومة في العالم العربي الآن، بحيث صرنا نسأل هل هي إرهابية أم لا؟!. ولست أشك في أنها مجرد مصادفة. أن يعلن قرار المحكمة المصرية يوم السادس من يونيو، بذكراه الموجعة والمخزية، حين تلقى الحلم العربي الطعنة النجلاء التي أسفرت عن هزيمة ١٩٦٧ والزلزال الذي ترددت أصداؤه في كل أنحاء العالم العربي.
لا أعرف إلى أي مدى يمكن أن يؤثر حكم «البراءة» الصادر في علاقة القاهرة بحركة حماس، لكنني على يقين من أن القرار طوى صفحة أساءت كثيرا إلى مصر وشوهت صورتها بغير مبرر، فأضرت بالسياسة وسحبت الكثير من رصيد القضاء. إذ وجدت إحدى محاكمه يوما ما مسوغا لاعتبار حماس تنظيما إرهابيا في حين أحجمت محكمة أخرى عن أن تفعلها بالنسبة لإسرائيل، وحكمت بعدم الاختصاص بالموضوع.
حفاوتنا بتصحيح الخطأ الذي وقعت فيه محكمة الدرجة الأولى، لا تعني أن انفراجا حدث في علاقة القاهرة بحماس، لأن أثر القرار إلى جانب أنه محا أثر خدش شوه وجه مصر فإنه طوى صفحة واحدة في سجل شائك صار مسكونا بالعديد من الحساسيات والعقد. ذلك أن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن ظروفا عدة عكرت مسار العلاقة بين القاهرة وحماس بحيث لم تتدهور تلك العلاقة ووصلت إلى حد القطيعة فحسب، وإنما أصبح البعض مستعدا لتقبل خيار قيام مصر بعمل عسكري ضد حماس في غزة. وليس ذلك مجرد استنتاج لأن معلوماتي أن سفير إحدى الدول الكبرى لدى القاهرة وجه سؤالا حول إمكانية وقوع ذلك الاحتمال، وأنه تلقى ردا خلاصته أن ذلك لم يعد مستبعدا.
لقد صار معلوما للكافة أن إسقاط حكم الإخوان في مصر كان بداية تدهور العلاقات مع حماس، وأن بعض العمليات الإرهابية النوعية التي حدثت في سيناء وفي بعض المدن المصرية، اتسمت بدرجة عالية من الكفاءة أقنعت الجهات الأمنية بأن يدا خارجية أسهمت فيها. وفي هذا السياق جرت الإشارة إلى دور الأنفاق وخبرات كتائب القسام الجناح العسكري لحماس. هذه التوترات التي حدثت في البداية كانت بمثابة هدية ثمينة للأجهزة الأمنية المصرية التي أشارت إليها أصابع الاتهام في المسؤولية عن قتل وقنص شباب ثورة يناير ٢٠١١، إلى جانب بعض مظاهر الفوضى التي سادت آنذاك (فتح السجون مثلا). ذلك أن تلك الأجهزة سارعت إلى إلقاء التهمة على عناصر حماس، ليس فقط لأن الأجواء السياسية كانت مواتية لذلك، ولكن لكي تغسل الشرطة أيديها من دماء شباب الثورة التي سالت، حدث ذلك رغم أن لجنة تقصي حقائق تلك المرحلة لم تشر إلى أي دور لحماس فيما جرى، ورغم أن القيادات العسكرية التي كانت قائمة على الأمر في سيناء قررت أنها لم تشهد أي تحرك غير عادي من جانب حماس عبر الأنفاق في تلك الفترة. وهو ما أيدته الاستخبارات الإسرائيلية الراصدة لما يجري على الحدود. ولم يعد سرا أن جهودا أخرى موازية بذلت للدس والوقيعة بين القاهرة وحماس. وهذه الجهود أسهمت فيها عناصر مخابرات السلطة في رام الله، التي لم تتجاوز خصومتها للحركة ولم تنس لها انفرادها بالسلطة والقرار في القطاع منذ عام ٢٠٠٧.
في الملف كلام كثير أكدته الأجهزة الأمنية المصرية ونفته حماس، وفي الأجواء المحتقنة الراهنة أصبح من الصعب تحري الحقيقة في وقائعه. لكن الذي دفع الثمن وكان ضحية لذلك التجاذب هو شعب القطاع الذي قارب المليوني نسمة وعانى حصار بالغ القسوة جراء إغلاق معبر رفح، المنفذ الوحيد للفلسطينيين الذي لا يمر بإسرائيل. وإذا كانت إسرائيل قد أسعدها تدمير الأنفاق التي كانت تمر منها الاحتياجات المعيشية لسكان القطاع، لأن البضائع الإسرائيلية صارت البديل الوحيد الذي احتكر أسواقه، إلا أن مصالح فلسطينيي القطاع أصيبت بالشلل، سواء كانوا دارسين أو مرضى أو عاملين بالخارج.
خنق القطاع على ذلك النحو عطل الإعمار ودمر حياة الناس وسرّب اليأس إلى صفوف المرضى وأصحاب المصالح، الأمر الذي أشاع حالة من الإحباط والتمرد فتحت الأبواب لتنامي ظاهرة التطرف الذي مثلته عناصر السلفية الجهادية وأنصار داعش. وهي المشكلة التي تعاني منها حماس الآن، خصوصا بعدما دخلت في صدام مسلح مع تلك العناصر تكرر أكثر من مرة هذا العام. ومن المفارقات أن إسرائيل المخاصمة لحماس لاحظت تنامي إقبال الشباب على السلفية الجهادية. وصارت تتخوف من أن ينتهي الأمر بحدوث انفجار في القطاع يكون لصالح تلك الجماعات. وهو احتمال لا أظنه غائبا عن الأجهزة المصرية.
إغلاق معبر رفح وضعنا أمام مفارقة محزنة تبنت فيها السياسة موقفا مناقضا للثوابت. ذلك أن السياسة أدت إلى إذلال وتدمير حياة مليوني مواطن في فلسطين في حين أن الدفاع عن فلسطين والفلسطينيين من الثوابت المستقرة في مصر. لقد صحح القضاء خطأ اعتبار حماس منظمة إرهابية، وبقي أن تصحح السياسة خطأ إغلاق معبر رفح لحصار الفلسطينيين فتلك ليست إهانة لهم فقط، لكنها إهانة للثوابت المصرية أيضا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026